«من نبحث عنه بعيدا يقطن قربنا»

20 يناير 2026
20 يناير 2026

بعثتُ له رسالة عبر الواتساب أخبره فيها بموعد المناقشة؛ وفاءً بالوعد الذي وعدته إيّاه عندما كان في مسقط في نوفمبر 2018م، ولكن شعورا قويًّا كان يحدّثني بأنه لن يأتي! ثم هل سيبقى متذكّرا الموعد بعد أسبوعين من إرسالها؟ بقيَ شكي قائما حتى بعدما رد: «سأكون في الموعد!»

لا أُنكر أنّي خطّطت لعدم تذكيره برسالة أخرى ليلة الرابع والعشرين من يوليو 2019م؛ ليس لأن حضوره لم يكن حلمًا -وها هو يوشك أن يتحقق- ولكن لأن الأمر، كعادتي في تهوين الأشياء وإعطاء الآخرين عذرهم، لا يستحق أن يتجشم عناء المجيء من أجلي، فلم أُرِد أن أرهقه بي بعد كل شيء، ثم فلأختبر صدق حرصه إن أراد أن يحضر فعلا.

كان لقائي الأول به قبل تسعة أشهر على غير ما توقعت؛ بعد أن أقنعتُ نفسي بلقاء من بعيد، أسمعه ثم أنصرف. ولكن الجلسة انتهت وراقني أن أتأمل القاعة قبل أن أعلم أنها ستصبح ملعبي في بيت الزبير بعد أقل من شهرين من ذلك المساء. رأيت الحاضرين للاستماع إليه يصعدون إلى المنصة وبأياديهم نسخٌ من كتبه ليوقعها لهم. بدا أكثر سكينة وهو ينكبّ بقلمه ليكتب إهداءاته. أغراني المشهد بالاقتراب أكثر، ولكن لا نسخة معي من كتبه ليوقّعها! ماذا لو حظيتُ بالسلام عليه وحسب؟ بيد أنّني لستُ ممن يهتمّ بالحديث إلى كتّابه المفضّلين. ولكنّه عبدالفتاح كيليطو، وهذه زيارته الأولى إلى عُمان والثانية إلى منطقة الخليج، فهل أفوّت على نفسي صورة تجمعني به على الأقل!

شعرتُ أن الوصول إليه والحديث معه أمران من السهولة بمكان رغم كثرة المحيطين به. لا أتذكر أي حديث دار بيننا حتى سألني ماذا تدرسين؟ فقلت: «أدرس الأدب عندكم في جامعة محمد الخامس!» أبدى اهتماما أكبر، وسألني عن موضوع أطروحتي وموعد مناقشتي؟ فاجأني عندما قال: «إذن سأحضر!». لم أخفِ سعادتي، رغم فكرة مزعجة نبتت في رأسي وأربكتني لثوانٍ بأنه يجاملني حتما، ولن يتذكر حتى ذلك الحين. وبدا كمن قرأ شكّي، فطلب منّي أن أدوّن رقم هاتفه وعنوان بريده الإلكتروني وقال: «عندما يتحدد الموعد أبلغيني!»، فكانت أغلى من كل الصور، ومن التوقيع على نسخة من كتابٍ فاتني أن أحملها معي. ومع ذلك طلبت من سليمان المعمري الذي حاوره في تلك الليلة أن يلتقط لنا عدة صور، بدوت في إحداها أرفع سبابتي أمام وجهه وكأني أستحلفه، وبدا كأنه يستجيب!

***

في مارس التالي في عام 2019م جمعني القدر به بنحوٍ أكثر قربا في الكويت، عندما طلبتْ مني الصديقة الروائية بثينة العيسى أن أكون محاوِرته في مهرجان المعنى بمناسبة الذكرى الثالثة لتأسيس مكتبة تكوين التي تملكها وتديرها، فخفق قلبي بشدّة وقبِلت على الفور، على الرغم من السؤال الذي ظلّ يشغلني: ما الذي لم يسأله إيّاه سليمان المعمري في جلسة بيت الزبير بعد، وما الذي لم يبُح به كيليطو في كتبه حتى الآن؟

رُحتُ أدرسه منذ بدايته، وأقرأ حواراته كلّها، وكلّ ما استطعتُ قراءته مما كُتب عنه. تجهزتُ بعتاد هائل من الأسئلة لتأمين المخزون الاحتياطي تحسبا للظروف، ولكني كنتُ خائفة: عمانية تحاور كيليطو في الكويت! ماذا لو أخفقت؟ حتما لن أكون وحدي المُلامة، فبثينة ستُلام معي لأنها لم تختَر شخصا من «الديرة» يحاور ضيف الكويت أمام جمهور كويتي. كان عليّ أن أحمي اختيارها لي أيضا، وأثبت للحضور أني اختيار صحيح وإن لم أكن الأفضل. قلقي واستعدادي لمحاورة كيليطو أخذا منّي الوقت كلّه، ولم أعتنِ جيدا بالواجب الآخر الذي طلبته بثينة، بأن أشتغل على ورقة أخرى عن المعنى كما أراه وأفهمه وأعيشه، ما عدا تصور ذهني عام يحتاج إلى الجلوس والتركيز بذهن خالٍ أكثر من أي شيء آخر.

وصلتُ إلى الكويت قبله بساعات، وجلسنا ننتظره في بهو الفندق أنا وبثينة والروائية المصرية الصديقة منصورة عز الدين، فقمنا لاستقباله عندما لاح لنا يدخل من بوابة الفندق، واكتشفتُ أنه لم ينسَ لقاءنا في مسقط، فقلّل هذا من توتري كثيرا، في تلك اللحظة على الأقل.

مرافقة كيليطو في تلك الرحلة كانت أكبر مكاسبي؛ ففي الكويت كسبتُ صداقته، واقتربتُ من الإنسان فيه أكثر، وتعلمتُ من صمته بالقدر الذي تعلمتُه من كتبه. خلال أيام مهرجان المعنى أخذتْ بثينة جميع المشاركين في رحلة بالباص إلى سوق المباركية ومكتبة تكوين، وهناك لعبتْ معنا لعبة طريفة، بأن اختارت اثنين اثنين من المشاركين ليتبادلا طرح الأسئلة على بعضهما، فكنتُ وكيليطو معا، أطرح سؤالي عليه، ويطرح سؤاله عليّ، ووثَّقَتْ بثينة وفريقها الحلقة في تسجيل مرئي على اليوتيوب بأسئلته وأجوبته وسط جو المكتبة الحميم.

قبل موعد محاورتي إيّاه جلستُ معه في بهو الفندق أراجع بعض المحاور وأتأكد من أنه لن يمانع طرح الأسئلة المشاغبة، فقال: «اسألي ما تريدين»، ثم فاجأني بسؤال غير متوقع: «لماذا تحبّين كتبي؟» سررتُ أن محبّتي لكتبه كانت واضحة له إلى ذلك الحد، وإن كنتُ لم أعرف بم أجيبه، ولكني قلتُ بعد تردد في اختيار الجواب المناسب: «لأنك تكتب بشكل مختلف». انتهت الجلسة على خير ما يرام وإن لم تخلُ من مفاجآت حملتْها بعض أجوبته، منها على سبيل المثال: أنه يحدث أن يقرأ الرواية من منتصفها! بدا غريبا ما يفعله، ولكنه كيليطو، ويجوز له ما لا يجوز لسواه. حمدتُ الله أنّ جلسته تسبق تقديم ورقتي عن «المعنى» بيوم كامل، فعدتُ إلى غرفتي في الفندق على الفور، وحبستُ نفسي قسرا لأجعل منها ورقة تليق بأن تُقرأ أمام الجمهور في اليوم التالي، واخترتُ لها عنوان «حكايتي مع المعنى»، نشرتْها منصة تكوين لاحقا، وستكون من بعد إحدى المقالات العشرة التي ستفوز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في دورتها التاسعة في عام 2022م. عدتُ إلى مسقط، وعاد الأستاذ إلى الرباط، وفي البال أشياء لا تشبه إلا دفء الأيام في مهرجان المعنى، وروح كيليطو الشاسعة.

***

حرصتُ على أن أكون في الرباط قبل يوم المناقشة بأسبوع على الأقل، حتى أتهيأ جيّدا، فلا أترك الأمور للمصادفة، وأستعد كما يستعد الموشكون على المناقشة هنا، وكي أتعوّد على الأجواء مجددا بعد ما يزيد على تسعة أشهر منذ الزيارة الأخيرة وتسليم الأطروحة.

صحوت باكرا صباح الرابع والعشرين من يوليو 2019م، ارتديتُ بدلتي التي فصّلتها في خيّاط مجاور لشقتي في حي حسّان لتناسب يوم المناقشة، بعدما قال لي الزملاء الذين سبقوني إن الطلبة العرب هنا يرتدون أفخم ثيابهم، وسألوني إذا كنتُ قد جلبتُ معي زيًّا عمانيًّا ليوم المناقشة! استنكرتُ الأمر، وقلت لهم: «الزي العُماني النسائي يُرتدى عندنا في الأعراس والأعياد والمناسبات الاجتماعية فقط، إلا إذا رغبتم أن تجعلوا مني أضحوكة! ثم إنها مناقشة، فقد أُكرم أو أُهان، فتخيّلوا ألاّ أُهان وحدي، بل أنا وزيي الوطني! لا يمكن!». بُهتوا وهم يحاولون أن يشرحوا لي بأن المناقشة طالما حُددت فهي للإجازة لا غير، وإلا فإن تقرير لجنة المناقشة سيطلب مني تصحيحات وتعديلات قبل أن يحدد موعدها النهائي، وهذا ما لم يحدث، فمعناه أني مجازة لا محالة!

لم يقنعوني برأيهم، ولكني اقتنعتُ أيضا بأن أيًّا مما جلبته معي ليس مناسبا كذلك، فأسعفني الخيّاط المجاور، وزوجته الطيبة التي تعمل معه، ببدلة أنيقة خاطاها لي خلال يومين فقط عندما علما أني أريدها ليوم مناقشتي، فأولياها عنايتهما الفائقة، وحمدتُ الله مجددا على تبكير السفر.

مشيتُ من شقتي حتى محطة الترام، وأنا أتبع تعليمات رضوان ضاوي جيّدا بشأن التواقيت والمواقع، وتحاملتُ على الحذاء الجديد الذي كان يضغط على جرح في إصبع قدمي الإبهام أصبتُ به قبل شهر وأدى إلى نزع ظفره، وأواسي نفسي بين حين وآخر: لا بأس، فاليوم له ما بعده. لم أخفِ سعادتي لرؤيتي الأصدقاء رضوان ضاوي والعربي الحضراوي وإسماعيل العسري قد سبقوني إلى الجامعة، ينتظرون وصولي وقد جهّزوا كل شيء. كانوا حريصين على أن آكل شيئا قبل دخول القاعة، وبصعوبة كنت أقنعهم بأني لا أستطيع ابتلاع شيء في ظرف كهذا، ولكن رضوان أصرّ أن يدعوني على كوب من «الأتاي» في مقهى الكلية الصغير، فارتشفت جرعاتٍ منه مجاملةً له.

قبل نصف ساعة من الموعد قررتُ أن أواجه توتري وأدخل القاعة وأبقى أنتظر هناك، فإذا بها خالية تماما، فأراحني ذلك قليلا، لا سيما بعدما قيل لي إن لجنة المناقشة في العادة تجتمع في قاعة مجاورة قبل أن يدخل أعضاؤها معا إلى قاعة المحاكمة. بقيتُ أروح وأجيء وأرقب الوقت الذي لا يفصح عن شيء، ولم أعرف ما إذا كنتُ أريده أن يهرول أو يبطئ.

كان باب القاعة بفتحة زجاجية طولية تشق منتصفه وتكشف عن كل قادم إليها. وبينما كنتُ على حالي ذاك أروح وأجيء حانت مني التفاتة إلى الباب وقد شعرتُ بقادم آتٍ، فإذا بي أراه من الفتحة الزجاجة يدير مقبضه، ويلج القاعة بهيبته الهادئة ووقاره الصموت. شعرتُ أن التوتر كلّه سقط مني دفعة واحدة، فأسرعتُ ناحيته بسعادة لا توصف، وقد تفجّر بداخلي شعور بأن أي شيء سيحدث في هذه القاعة بعد ذلك لم يعد مهمًّا. طلبتُ منه أن يقتعد كرسيا قريبا وجلستُ إلى جواره، وعبّرتُ له عن سعادتي بحضوره بعدما ظننتُ أنه نسي. قال: «كيف أنسى؟ قد وعدتك!» ثم سألني ما إذا كنتُ متوترة، فقلت: «كنت متوترة حتى قبل لحظة دخولك، أما الآن فلا». قال: «انظري، لجنة المناقشة لا بد أن تقول شيئا في كل الأحوال. لا تقلقي. سيجيزونك في النهاية». ثم قال معتذرا: «هل تعذريني إذا غادرت بعد بدء المناقشة بساعة، فلدي موعد مهم». قلت: «يكفيني أنك جئت». ثم سألني عن مدة مكوثي في الرباط، وأخبرته بأني باقية حتى 29 من يوليو. قال: «إذن ارتاحي غدا وسنلتقي يوم الجمعة في مقهى الفن السابع في الساعة 12 ظهرا». وعلى هذا اتفقنا.

قبل أن يدخل أعضاء لجنة المناقشة إلى القاعة، طلبتُ منه أن يغيّر مقعده ويجلس في الصف الأمامي من مقاعد الجمهور، ففعل، وجلس ينتظر وينظر إليّ بينما آخذ مكاني خلف طاولة الطالب المناقش الجانبية. وما هي إلا لحظات حتى دخلت اللجنة وفي مقدمتها رئيس الجلسة الدكتور محمد السيدي، وبمعيته الأساتذة أحمد الطريسي، ومحمود عبدالغني، وإدريس الخضراوي، وسعاد اليوسفي، ومشرفي الأستاذ محمد الظريف. صعدوا المنصة، ولكنهم نزلوا منها فور رؤيتهم كيليطو يقتعد كرسيا في الصف الأمامي. سلموا عليه تباعا بحرارة قبل أن يعود كل واحد منهم إلى مكانه في المنصة. قال الرئيس موجها كلامه لي: «يا ابنتي، حضر لك كيليطو وهو الذي لا يحضر عادة. هذه شهادة قبل الشهادة» شعرتُ أن كيليطو جسّد الغائبين كلّهم في تلك اللحظة، وأولهم أبي!

كان يمكن أن يمرّ ذلك اليوم عصيبا، ولكنه مرّ كأجمل أيام العمر. حصلتُ على تقدير مشرف جدا مع التوصية بالطباعة، فبعد انصراف كيليطو من القاعة، دخلها أحمد بو حسن وأكمل حتى النهاية، وخرجنا معا بعد المناقشة نحتفل بأكل «الحوت» في أشهر مطاعم الرباط برفقة الأصدقاء، قبل أن أعود إلى مقهى لذّة بنّة المقابل لشقتي سيرا على الأقدام، برفقة الكاتب العماني محمود الرحبي الذي كان في المغرب يومئذ، وحضر المناقشة معي كما يفعل الأهل والأقرباء، وهو منهم. والآن عليّ أن أرتاح كما قال كيليطو، فبعد غد لنا لقاء في مقهى الفن السابع (1).

(1) نُشرت يومية مقهى الفن السابع تحت عنوان «والله إن هذه الحكاية لحكايته» في جريدة $ بتاريخ 3 يناير 2022م.