ثقافة القوة الناعمة.. المفهوم والتأثير
الدولة المعاصرة - بمختلف مكوناتها، أفرادا وجماعات ومؤسسات - تقوم لتسويق وجودها ومنتجاتها على «القوة الناعمة»، ووضع دراسات واستراتيجيات لها.
وقد أصبحنا نردد هذا المصطلح في حركتنا اليومية، فما هي قصة «القوة الناعمة»؟
1978م.. قبل ظهور المصطلح بحوالي 12 عاما على يد الأمريكي جوزيف ناي (ت:2025م) عام 1990م.. انتقلنا مِن بيتنا القديم في الحارة؛ إلى بيت جديد ملحق به دكان، افتتح فيه أبي (ت:1983م) محلا لبيع المواد الغذائية عام 1980م، وجعلني بائعا فيه وعمري عشر سنوات.
لم أكن أدرك شيئا من أمور التجارة؛ إلّا قبض ثمن المبيع. تعاقد والدي مع شركة آرسي كولا؛ وإذا بسيارة الشركة تنزل للمحل ثلاجة وصناديق زجاجات المشروب الغازي، حينها لمّا تشتري زجاجة مِنه عليك أنْ تشربها في المحل نفسه لترجعها، وهذا مفيد للبائع.. فالشخص قد يشتري شيئا آخر أثناء وقفته، وفرصة أيضا ليتعرف عليه، ويكسبه زبونا لمحله.
سألت أبي: بكم اشتريت الثلاجة مِن الشركة؟ أجابني: اعطتنا إياها الشركة. كان جوابه غريبا عليَّ؛ فأردفت مستغربا: مِن دون مقابل؟ إنَّهم سيخسرون! ضحك وقال: بل يربحون، فكل تجار عمان يبيعون لهم مشروبهم، فالثلاجات محسوبة قيمتها عندهم. كان جوابا مقنعا لي. لم أدرك حينذاك أنَّنا قد تحولنا إلى مروجين للشركة بتوزيع زجاجتها، واقتناء ثلاجتها التي تحمل شعار المشروب وصوره الإعلانية.
انتشر الآرسي كولا في بَهلا، وأصبحت المحلات تزدهي بلوحات عليها شعاره، وبعد افتتاح الطريق العام المرصوف عام 1979م تصدرت لوحة آرسي كولا أحد المحلات في مدخل البلد؛ فعُرِف المكان بـ«آرسي» لدى العمال الوافدين الذين كانوا يتزايدون يوميا، ما أرغمنا أحيانا نحن أهالي بَهلا على استعمال الاسم، رغم أنَّ المكان حمل أيضا اسما آخر نسبة لأسرة أصحاب المحل، ولا يزال الوافدون يستعملون له اسم «آرسي» حتى اليوم.
بمضي الأيام.. أدركتُ أنَّ شركات المرطبات الغازية كلها كانت تبيع المشروب وتسترجع الزجاجة لغرض تسويقي؛ لأنَّ البائع يتحمس لبيعه حتى يستفيد مِن المشتري الذي قد يأخذ حاجة أخرى مِن محله، ثم تستفيد الشركة مِن ورائهما. واليوم.. أعرف أنَّ الشركة تنطلق مِن مفهوم «القوة الناعمة»؛ الذي يخلق ارتباطا ذهنيا بين المشروب والناس والمكان.. بل والزمان؛ حيث لا يكاد الآن يباع آرسي كولا في أسواقنا، لكن اسمه ظل مرتبطا بذلك الزمن الذي شكّل حياتنا ووجداننا.
مع هذا الحضور العميق لهذا المشروب.. ضعف أمام صنوه البيبسي كولا؛ فما السبب؟ السبب هو قدرة شركة البيبسي على امتلاك قوة ناعمة أقوى مِن شركة الآرسي، هذه هي القصة باختصار.
«القوة الناعمة».. عنصر ثقافي؛ أي أنَّها لا تستطيع أنْ تحافظ على وجودها حتى تتحول إلى ثقافة سائدة في المجتمع. فالقوة الناعمة.. لا تصمد أمام التحولات إلّا إذا أصبحت ثقافة، بحيث تتعدى المصطلحات المتعلقة بالعنصر المراد دعمه بهذه القوة، ويتحول إلى سلوك يومي؛ أي أنَّه لم يعد مفهوما قابعا في أذهاننا، وإنَّما يصبح ممارسة مستمرة في حياتنا، يدخل في مساراتها الواسعة؛ البسيطة والمعقدة.
فإذا رأيت منتَجا يسوّق له، دون أنْ تراه ثقافة تسري في شرايين الاجتماع البشري، فهو ضعيف عن تحقيق القوة الناعمة.
لكي نستبين ذلك.. فلنقارن بين شقيقي الكولا: الآرسي والبيبسي، ظهر المشروبان متزامنين تقريبا. في آخر القرن التاسع عشر الميلادي ظهر البيبسي، ولحقه بعد أقل مِن عشر سنوات -بداية القرن العشرين- الآرسي.
البيبسي الآن يحتل معظم خارطة الكرة الأرضية، في حين لا يشغل الآرسي إلا حوالي ربعها. قرن وثلث.. لا يزال البيبسي متوهجا بالحضور العالمي. فما السر الذي امتلكه هذا المشروب العتيد والعتيق حتى يصمد كل هذا الزمن؟! وأخال -أنا قارئ الحضارة- أنَّ علماء الإناسة بعد حين قد يؤرخون حقبة مِن التاريخ البشري به، فكما أنَّنا اليوم -ونحن نبحث في أوابد الأقدمين- نقول: إنَّ هذا مِن العصر البرونزي، وذاك يرجع للعصر الحديدي. قد يقول الآتون: هذا مِن عصر البيبسي كولا، وذلك يعود إلى العصر الذي قبله أو لحقه. وما ذاك إلّا لبقاء آثاره منتشرة في بقاع العالم وبيانات العصر الرقمي.
فما الذي تميّز به هذا المشروب الغازي؟ مما تميّز به وحوّله إلى ثقافة قوة ناعمة؛ تشكل إحدى أكبر الاقتصادات المستديمة خلال القرن العشرين الميلادي، ولا تزال محافظة على قوتها الاقتصادية وحضورها الاجتماعي؛ الآتي:
- الابتكار.. كان البيبسي أسبق مشروبات فصيلته ابتكارا، فأصبحت المشروبات التي أضيفت إلى «كولا»؛ عندما تسوِّق لنفسها ضرورة تسوِّق له، فقل مثلا: آرسي كولا أو كوكا كولا أو بارسي كولا. تجد «بيبسي كولا» شاخصا في ذهنك؛ كأنَّما نُصُبٌ يُعبَد.. بل غدت المشروبات التي مِن فصيلته ولم تضف اسمها إلى «كولا»؛ كذلك تذكرنا بهذا المشروب السحري.
- الوهم.. وهو أعمق مِن كونه مخالفا للواقع ومقتضى العقل، إنَّه المادة التي تغذي الوجود الإنساني، فالإنسان العاقل.. ما كان له أنْ يبقى في الحياة لولا الوهم، فالعقل.. متركب على قاعدة صلبة مِنه، وكثير من معتقداتنا وتصوراتنا وهم، وكل يوم يكشف لنا العلم زاوية مِن زواياه، ونظل دهرا طوالا؛ ونحن لا نستوعب بأنَّه وهم، كل حسابات التقويم قائمة على تصورات واهمة للمواقيت الفلكية، ولكنها صحيحة، ونستعملها حتى اليوم. الزمن ذاته وهم؛ وهل يوجد في الحياة شيء خال مِن الزمن وتقديراته؟! لقد خلقت شركة بيبسي كولا وهما بأنَّه مشروب هاضمٌ، ومروٍ للعطش، ومانحٌ للحيوية، وربطته بنبتة بعيدة عن العالم الاستعماري، ربطته بنبتة إفريقية -إفريقيا العالم الذي استضعفه الاستعمار الغربي- لإيقاع التأثير على الناس؛ الذين مِن طبعهم أنَّهم يتعاطفون مع المستضعَف.
- الانتشار.. لقد انتشر البيبسي كولا انتشارا هائلا، فدخل في شرايين الاجتماع البشري؛ مِن الاستعمال اليومي حتى الصراعات العسكرية. وإنْ تعرض المشروب إلى نكسات الكساد كالدعوة لمقاطعته، فهي مرحلة محدودة زمنيا، ويبقى المشروب الغازي حاضرا في الثقافة، مواصلا قوته، محولا المشكلة إلى فرصة.
لقد دخل شبكات التسويق الاقتصادي وسلاسل التوريد التجاري، ولا تخلو مِنه ثلاجة بيع المشروبات.. بل ولا يكاد تخلو مِنه ثلاجات المنازل، فهو يصحبك أينما تذهب؛ في السيارة والطائرة والسفينة، في الصحة والسقم، في الراحة والتعب، في الهدوء والتوتر، تكرم به الضيف وتتصدق به على المحتاج.
- الدعاية المستمرة.. وهي أكبر مِن إعلان عابر، إنَّها بذاتها ثقافة يومية، فالبيبسي كولا في التلفزيون والسينما، وفي لوائح النيون واللافتات الرقمية، وعلى الأقلام والدفاتر، والأحذية والملابس، في النوادي الرياضية ومحلات السجائر، في دور العبادة ونوادي القمار، في حقائب الطلاب وزينة النساء.
إنَّ ما تميّز به البيبسي كولا مِن الممكن أنْ نسقطه على أي عنصر آخر نريد تحويله إلى قوة ناعمة؛ تجاريا أكان أم غير تجاري، ماديا أم غير مادي، بأنْ نجعله ثقافة تدخل في تشكيل الاجتماع البشري وشبكات تواصله، ولا يكفي التسويق وحده، فالتسويق ـ مع أهميته ـ يتحول إلى عبء ثقيل بمرور الزمن، يستهلك الموارد البشرية والمالية، مع الضعف المستمر لقوته بمرور الأيام. أما حين يتحول إلى ثقافة بين الناس؛ فهم مَن يكفونك عناء التسويق إلى ما شاء الله له مِن بقاء.
ختاما.. عندما نفهم الثقافة وآليات تشكلها وعملها وتأثيرها؛ حينها نمتلك القوة الناعمة، لا قوة ناعمة مثمرة وحقيقية دون أنْ تكون ثقافة تجري في عروق الاجتماع البشري، ينبض بها قلبه ويفكر بها عقله وتتحرك بها جوارحه.
علينا أنْ ندرك بأنَّ القوة الناعمة أكبر بكثير مِن فعاليات إجرائية وبرامج عابرة وإعلانات آسرة، إنَّها تصنع بذكاء وتنفذ بصبر وتقيّم بموضوعية.
خميس العدوي كاتب عُماني مهتم بقضايا الفكر والتاريخ ومؤلف كتاب «السياسة بالدين».
