الثقة الأمريكية تتآكل .. والعالم يتكيّف

19 يناير 2026
19 يناير 2026

ترجمة: بدر بن خميس الظفري

صُوّرت أوروبا، لسنوات طويلة، أنها قارة عاجزة عن الفعل، مترددة في اتخاذ القرار، ومائلة أكثر مما ينبغي إلى واقع لا تفكر فيه استراتيجيا؛ غير أن سلوكها خلال العام الماضي دحض هذه الصورة النمطية. 

ففي مواجهة الولايات المتحدة التي باتت تتسم باضطراب سياساتها، لم تنفعل أوروبا ولم تستسلم، بل اختارت التكيّف الهادئ. 

حين عاد الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وفرض أعلى رسوم جمركية تشهدها البلاد منذ ما يقرب من قرن، توقّع كثيرون أن ترد أوروبا بالمثل. وكان من شأن حرب تجارية عبر الأطلسي أن تغذّي التضخم، وتعطل سلاسل الإمداد، وتزيد هشاشة النمو الاقتصادي العالمي. لكن أوروبا قاومت هذا الإغراء، وامتصّت الصدمة، وتجنّبت التصعيد، وربحت الوقت، وكان هذا التحفّظ كفيلا بمنع انزلاق عالمي خطير. 

ثم، قبل أيام، تحركت أوروبا؛ فبعد خمسة وعشرين عاما من المفاوضات المتعثرة، وافقت دول الاتحاد الأوروبي على اتفاق تجاري واسع مع البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي. وإذا جرى التصديق عليه، فسيؤدي إلى إنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم من حيث عدد السكان، تضم أكثر من 700 مليون نسمة. 

وليس الانفتاح على أمريكا اللاتينية خطوة معزولة. ففي الأسابيع الأخيرة، أشارت بروكسل وبكين إلى أنهما تجاوزتا مجموعة جديدة من الخلافات التجارية التي كانت تنذر بمواجهة أوسع حول السيارات الكهربائية، والدعم الحكومي، وإمكانية الوصول إلى الأسواق. صحيح أن أوروبا لا تزال حذرة إزاء السياسات الصناعية الصينية ونظامها السياسي، لكنها باتت تنظر إلى الصين أنها شريكٌ لا غنى عنه. 

في الوقت ذاته، سرّعت أوروبا تحركاتها تجاه جنوب شرق آسيا. فالاتحاد الأوروبي يملك الآن اتفاقات تجارية نافذة مع سنغافورة وفيتنام، وقد أنهى مفاوضاته مع إندونيسيا، ويمضي قدما في محادثات مع دول أخرى في المنطقة، التي تُعد اليوم ثالث أكبر شريك تجاري له خارج أوروبا. 

هذا الميل إلى تنويع الشراكات لا يقتصر على أوروبا وحدها. خذ كندا مثالا. فعلى مدى ثلاثة عقود، راهنت أوتاوا استراتيجيا على اندماج أعمق مع الولايات المتحدة، اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا. وفي عام 2024، كان أكثر من 75 في المائة من صادراتها يتجه جنوبا. وقد عُدّ ذلك واحدا من أنجح نماذج التكامل في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. 

لكن هذه الثقة تكسّرت الآن. فالرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، وتهديداته بإعادة فتح الاتفاقات التجارية، وتصريحاته الغريبة بشأن ضم كندا، دفعت البلاد إلى مراجعة جذرية. رئيس الوزراء الكندي الجديد، مارك كارني، تحرك علنا للابتعاد عن واشنطن. وخلال زيارة إلى بكين الأسبوع المنصرم، قالت وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند بوضوح: «من الضروري أن ننوع شركاءنا التجاريين، وأن نزيد تجارتنا غير الأمريكية بنسبة لا تقل عن 50 في المائة خلال السنوات العشر المقبلة». هذا ليس تحوّطا، بل انقلاب استراتيجي. 

وتكشف بيانات التجارة الصينية أن العالم لا يفك ارتباطه ببكين، بل بواشنطن. فرغم التراجع الحاد في الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، واصلت الصادرات الإجمالية للصين الارتفاع. وبلغ فائضها التجاري نحو 1.2 تريليون دولار في عام 2025، مدفوعا بنمو الشحنات إلى أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأوروبا وأجزاء واسعة من آسيا. لم تعزل الرسوم الجمركية الصين عن العالم، بل دفعت كثيرين إلى مواصلة التعامل معها. 

ويعكس الرأي العام هذا التحول. فقد أظهر استطلاع جديد للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن نسبة من يفضّلون الانضمام إلى تكتل تقوده الولايات المتحدة -بدلا من تكتل تقوده الصين- تراجعت في دول صاعدة كالهند والبرازيل وجنوب أفريقيا بما بين 15 و19 نقطة مئوية خلال عامين فقط. 

وفي عشر دول أوروبية، لم يعد سوى 16 في المائة يصفون الولايات المتحدة بأنها «حليف»، رغم أن الغالبية لا تزال تراها شريكا مهما، في وقت بقيت فيه النظرة إلى الصين متحفظة لا ودّية. وكما قال وزير خارجية سنغافورة السابق جورج يو مؤخرا، فإن ترامب «يسرّع المستقبل... نحو عالم متعدد الأقطاب». 

المسألة هنا لا تتعلق بصورة أمريكا، بل بقوتها المستقبلية. فالصين تبني بهدوء واحدا من أكثر النظم الاقتصادية صلابة في التاريخ الحديث، مهيمنة على معالجة المعادن الحيوية، ومحققة حجما هائلا في البطاريات والسيارات الكهربائية، وموزعة أسواقها التصديرية بما يتيح لها امتصاص الصدمات والعقوبات والرسوم. 

الردّ الأمريكي الوحيد الذي يمكن التعويل عليه ليس فرض الرسوم - التي ترافقت خلال العام الماضي مع تراجع في فرص العمل الصناعية- بل بناء منظومة متكاملة موازية. فلا تزال الولايات المتحدة تملك ميزة استثنائية، وهي امتلاكها لشبكة واسعة من الحلفاء والشركاء يسيطرون مجتمعين على معظم التكنولوجيا المتقدمة، ورأس المال، والعمالة الماهرة، وقوة الشراء الاستهلاكية التي تحرّك الاقتصاد العالمي نظريا، كان بإمكان هذا التحالف أن يؤمّن المواد الحيوية من دول صديقة، ويوزّع التصنيع عبر شركاء موثوقين، ويتقاسم البحث العلمي، ويضمن أسواقا مفتوحة ومستقرة. 

لكنَّ عمليا، أهدرت واشنطن جزءا كبيرا من هذه الميزة، فبمعاملتها الحلفاء كزبائن مؤقتين، وتسليحها الرسوم الجمركية ضدهم، وتحويل التزامات طويلة الأمد إلى صفقات ابتزاز، دفعت الآخرين إلى التحوّط والابتعاد. والأكثر لفتا أن الولايات المتحدة لم تعد صانعة الاتجاه. فهي تنكفئ نحو الحمائية والقومية، في وقت يبحث فيه العالم عن مزيد من التجارة والتعاون. 

على مدى عقود، بُني النظام العالمي على منصة أمريكية، فالتجارة تجري عبر مؤسسات صممتها واشنطن، والأمن على ضماناتها، والأزمات تُدار ـ للأفضل أو الأسوأ ـ من خلالها. تلك المنصة لا تزال قائمة. لكن العالم لم يعد يبني فوقها، بل من حولها. 

 فريد زكريا يكتب عمودا في الشؤون الخارجية لصحيفة واشنطن بوست، وهو أيضا مقدّم برنامج على شبكة سي إن إن. 

 الترجمة عن صحيفة واشنطن بوست