نصف الكرة الأرضية هذا ملكنا جميعًا

19 يناير 2026
لويز إيناسيو لولا دا سيلفا
19 يناير 2026

ترجمة: أحمد شافعي

يمثل قصف الولايات المتحدة لأراضي فنزويلا واختطاف رئيسها في الثالث من يناير فصلا آخر مؤسفًا في تراجع القانون الدولي والنظام التعددي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية. 

عامًا بعد عام يزداد هجوم قوى كبرى على سلطة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها. وعندما يكف استعمال القوة من أجل حل النزاعات عن كونه الاستثناء ويصبح هو القاعدة يكون سلام العالم وأمنه واستقراره في خطر. 

ولو لم تُتبع القواعد إلا انتقائيًا فإن اليأس يسود، ولا تضعف الدول المنفردة وحدها، ولكن يضعف النظام الدولي بأكمله. ودونما وجود قواعد متفق عليها من الجميع من المستحيل أن نقيم مجتمعات حرة احتوائية ديمقراطية. 

من الممكن محاسبة رؤوس الحكم ـ في أي بلد ـ على الأفعال التي تقوض الديمقراطية والحقوق الأساسية؛ فما لزعيم أن يحتكر معاناة شعبه. لكن ليس مشروعًا لبلد أن ينفرد لنفسه بحق تحقيق العدالة؛ فالأفعال الفردية تهدد الاستقرار في أرجاء العالم، وتعوق التجارة والاستثمار، وتزيد من تدفق اللاجئين وتزيد من ضعف قدرة الدول على مواجهة الجريمة المنظمة وغيرها من التحديات العابرة للحدود. 

ومن المثير للقلق بصفة خاصة أن تسري هذه الممارسات في أمريكا اللاتينية والكاريبي، فتتسبب في العنف والاضطراب في جزء من العالم يكافح من أجل السلام خلال المساواة بين الدول في السيادة، ومن خلال رفض استعمال القوة والدفاع عن حق الشعوب في تقرير المصير. 

وعلى مدى أكثر من مائتي سنة من تاريخ الاستقلال هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها دولة في أمريكا الجنوبية لهجمة عسكرية مباشرة من الولايات المتحدة برغم أن قوات أمريكية قد تدخلت من قبل في المنطقة. 

إن أمريكا اللاتينية والكاريبي موطن لأكثر من 660 مليونًا من البشر، ولنا مصالحنا وأحلامنا التي ندافع عنها. وفي عالم متعدد الأقطاب لا تنبغي مساءلة أي بلد على علاقاته الخارجية بسبب سعيه إلى العالمية. فلن نخضع لمساعي الهيمنة، ولن يصلح لنا مبدأ إلا مبدأ إقامة منطقة تعددية سلمية مزدهرة. 

لا بد أن تكافح بلادنا من أجل أجندة إقليمية إيجابية تكون قادرة على التغلب على الاختلافات الأيديولوجية من أجل الوصول إلى نتائج برجماتية. 

نريد اجتذاب الاستثمار في البنية الأساسية المادية والرقمية، وتعزيز فرص العمل الجيدة، وتوليد الدخل، وتوسيع التجارة داخل المنطقة ومع الدول خارجها. والتعاون أساسي من أجل حشد الموارد التي نحتاج إليها أشد الاحتياج لمكافحة الجوع والفقر وتجارة المخدرات وتغير المناخ. 

ويعلمنا التاريخ أن استعمال القوة لن يقترب بنا أبدا من هذه الأهداف؛ فتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، والتوغلات الاستعمارية الجديدة من أجل الموارد الاستراتيجية أمور عفا عليها الزمن ولا تفضي إلا إلى الضرر. 

من المهم أن يفهم قادة القوى الكبرى أن عالم العداوة الدائمة غير قابل للاستمرار. ومهما بلغت هذه القوى من البأس فلا يمكن أن تعتمد فقط على الخوف والقسر. 

لا بد أن يبقى مستقبل فنزويلا، وأي بلد آخر، في أيدي أبنائه؛ فما لغير عملية سياسية يقودها الفنزويليون أن تؤدي إلى مستقبل ديمقراطي مستدام. وهذا شرط جوهري لكي يستطيع ملايين المواطنين الفنزويليين الذين لاذ كثير منهم مؤقتا بالبرازيل أن يرجعوا إلى وطنهم. 

وسوف تستمر البرازيل في العمل مع الحكومة الفنزويلية ومع الشعب الفنزويلي؛ لحماية أكثر من 1300 ميل من الحدود التي نشترك فيها، ولتعميق ما بيننا من تعاون. 

وبهذه الروح اشتركت حكومتي في حوار بناء مع الولايات المتحدة؛ فنحن أكبر البلاد الديمقراطية سكانًا في الأمريكتين، ونحن في البرازيل على قناعة بأن توحيد جهودنا على خطط ملموسة للاستثمار والتجار، ومكافحة الجريمة المنظمة هي السبيل للمضي قدمًا. 

فمعًا -ومعًا فقط- بوسعنا أن نقهر التحديات التي تعتري نصف الكرة الأرضي الذي نعيش فيه جميعا ونملكه جميعا. 

 لويز إيناسيو لولا دا سيلفا رئيس البرازيل 

 الترجمة عن ذي نيويورك تايمز