من ترامب إلى نتنياهو.. ليكن 2026 عام الحساب

03 يناير 2026
03 يناير 2026

ترجمة: أحمد شافعي -

ليس هذا أحد قرارات العام الجديد بالضبط، وهو بالقطع ليس نبوءة. اعتبروه بدلا من ذلك رجاء أرجوه من الشهور الاثني عشر القادمة أو مناشدة لها. عسى أن يشهد العام القادم على الأقل أن يستدعى للحساب أولئك القادة الذين فعلوا الكثير في تخريب بلادهم وغير بلادهم. فليكن عام 2026 عام الحساب.

ولنبدأ بالرجل الأطول ذراعًا بما لديه من قوة هائلة. بطبيعة النظام الانتخابي في الولايات المتحدة، سوف يواجه دونالد ترامب ـ الذي عاد إلى السلطة قبل أقل من عام ـ حكم الناخبين في غضون عشرة أشهر. لن يكون اسمه في أوراق الاقتراع بلا شك، لكن انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر سوف تكون حكمًا على ولاية ترامب الرئاسية الثانية.

سيكون عدد ضخم من هزائم الترشح للكونجرس إذ يمنى بها حزبه أمرًا مرضيًا في حد ذاته، وجرحًا يثخن نرجسيته الهائلة، لكنه سوف يكون أيضا أمرًا ذا أهمية عملية.

ولا يتوقع كثيرون أن يخسر الجمهوريون سيطرتهم على مجلس الشيوخ الذي يحتاج فيه الديمقراطيون إلى قنص ما لا يقل عن أربعة مقاعد لكي يتولوا السيطرة، وهو أمر شبه مستحيل في ضوء التوزيع الجغرافي للمقاعد الخمسة والثلاثين التي سيجري التنافس عليها في نوفمبر.

لكن في الظروف الطبيعية ينبغي أن تكون الرهانات السياسية المضمونة هي ألا يبقى مجلس النواب في أيدي الجمهوريين في غضون عام من الآن.

وسوف تؤدي هذه الانتكاسة إلى تبديد هالة الحصانة المحيطة بترامب منذ أن فاز على كمالا هاريس فاستقوى على العديد من المؤسسات الأمريكية وأرهبها، ومن هذه المؤسسات الكثير من المؤسسات الإعلامية، لإرغامها على التنازل له عن كثير من السلطة التي لا تحق له. وذلك ما سيحوله إلى رئيس مكبل، عاجز عن تمرير قوانين جديدة من خلال برلمان يعاديه.

ويعلو على ذلك كله، أن ترامب سوف يواجه أخيرا كيانًا حريصًا وقادرًا في الآن نفسه على محاسبته: فمن شأن مجلس نواب ديمقراطي أن يمتلك الشهية والقدرة على الرقابة الجادة. ونظرا لتسلحه بسلطة الاستدعاء للمثول، فإن بوسعه التحقيق في كل شيء، بدءا بتكلفة رسوم ترامب الجمركية على دافعي الضرائب الأمريكيين وحتى نمط الفساد والتربح الآثم والمذهل الذي اتسمت به إدارته. فيظل كامنا طوال الوقت تهديد بمحاولة ثالثة للعزل.

لذلك قد يأتي نوفمبر فعلا بمحاسبة لترامب، ولذلك فإن شيئا لن يردعه عن تفادي هذه النتيجة. ولذلك تحوطت في ما سبق بعبارة «في الظروف الطبيعية». لأن ترامب سيجعل الظروف غير طبيعية لو أن ذلك ما لا بد منه للاحتفاظ بمجلس النواب. وهذه الجهود جارية بالفعل، سواء على هيئة تلاعب بخرائط الدوائر الانتخابية في تكساس أو خطوات لزيادة صعوبة التصويت في مناطق الديمقراطيين في شتى أرجاء البلد.

وثمة بوادر مشجعة على شروع بعض المؤسسات في المقاومة، وانظروا في هذا المقام إلى قرار المحكمة العليا في الأسبوع الماضي بتقييد قيام ترامب بنشر قوات أمريكية في شوارع المدن ذات القيادات الديمقراطية، وسيكون هذا من معارك 2026 إذ يبذل الرئيس كل قواه لاجتناب المحاسبة من جراء هزيمة قد يمنى بها في الخريف القادم.

وهو في هذا لديه توأم روح يتمثل في الرجل الذي استضافه في مارالاجو قبل أيام في لقائهما السادس والأخير لعام 2025، أي بنيامين نتنياهو. غير أن الخطر الانتخابي الذي يواجه نتنياهو ـ وهو الذي بدأت ولايته الأولى لرئاسة الوزراء سنة 1996 ـ أشد وضوحا ومباشرة: ففي مرحلة ما بين يومنا هذا وأكتوبر القادم، سوف يذهب الإسرائيليون إلى مراكز الاقتراع في انتخابات قد تطيح به من السلطة تماما.

وسيكون محورها محاسبة نتنياهو. ولسوف يرغب كثيرون في أنحاء العالم أن تكون المحاسبة على قتل عشرات آلاف الفلسطينيين في غزة، وعلى القصف الجوي المستمر الذي جعل القطاع خرابا، وعلى منع المساعدات الإنسانية، لكن المحاسبة المنشودة بشدة في الداخل الإسرائيلي هي المحاسبة على الإخفاقات المميتة في السابع من أكتوبر سنة 2023، وعلى التراخي، وعلى الأخطاء الاستراتيجية التي تسببت في تعرية ظهر المجتمعات الجنوبية والمئات من حاضري مهرجان موسيقي أمام هجمة حماس.

لقد دفع مسؤولون إسرائيليون من شتى المستويات، مدنيون وعسكريون، ثمن تلك الكارثة من وظائفهم، إلا واحدا. فنتنياهو وحده هو الذي لم يعترف قط بأوهى قدر من المسؤولية، وبالطبع لم يعتذر، عن حقيقة أن أدمى يوم في تاريخ البلد قد وقع تحت سمعه وبصره. وهو يرفض تشكيل لجنة تحقيق كالتي كانت تتشكل بسرعة عقب كوارث سابقة، مؤثرا على ذلك تحقيقا صوريا أجراه موالون له، فجاء شبيها ـ على حد وصف والد أحد الرهائن ـ بسؤال جبل الجليد عمن أغرق سفينة تايتانيك. فما من فرصة للإسرائيليين لمحاسبة الرجل الذي حكمهم على مدى ثمانية عشر عاما من السنين الثلاثين الماضية إلا في صندوق الاقتراع.

ولا مجال لأن تكون الرهانات أعلى مما هي عليه. فكثير من الناشطين الإسرائيليين يخشون من احتمال أن تكون تلك الانتخابات هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ مؤسسات ديمقراطية أساسية تعرضت للهجوم المستمر الطويل في ظل حكم نتنياهو. فشأن ترامب في الولايات المتحدة أو فكتور أوربان في المجر ـ وهذا أيضا يواجه انتخابات خلال العام الحالي ـ يخوض ترامب حربا تصعيدية ضد القضاء والإعلام المستقل، فيعتصرهما اعتصارا، راجيا خنقهما. وشأن صاحبه في واشنطن، لن يتوانى نتنياهو عن منع الانتصار الانتخابي عن خصومه: ففي ظل محاكمته في اتهامات بالفساد يحتاج نتنياهو إلى البقاء في السلطة من أجل البقاء خارج السجن. ولذلك أيضا فهو مرتاع من أي محاسبة سياسية أو قانونية.

وهو ليس القائد الوحيد في المنطقة الذي يخشى غضب شعبه. فالإيرانيون حاولوا مرارا وتكرارا، ودونما جدوى أن ينفّسوا عن غضبهم على النظام الحاكم لبلدهم منذ سبعة وأربعين عاما، فلم يلقوا في ذلك إلا القمع، والقمع الغاشم في كثير من الأحيان. وقد اندلعت المظاهرات مرة أخرى خلال الأيام الأخيرة، ولجأت السلطات إلى القوة القاتلة بسرعة تفوق المعتاد في الماضي، برغم وجود بوادر مشجعة تتمثل في عزوف البعض في قوات الأمن عن الانخراط في القمع المعتاد.

على مدى سنين، يئس كثيرون في إيران من إصرار النظام الحاكم على أن يكون قوة إقليمية من خلال رعاية الإرهاب والفوضى في الشرق الأوسط وخارجه، مع دفع عوام الإيرانيين الثمن في هيئة عقوبات وأوجاع اقتصادية. والمحاسبة على ذلك مرجأة، وأرجئت أكثر من مرة. لكن المطالبة بالتغيير جهيرة ويقول باحث الشؤون الإيرانية علي أنصاري إن «في الطريق شيئا ما، عاجلا أم آجلا».

وفي الشوارع أم في صندوق الاقتراع، قد تأتي المحاسبة في 2026. في بريطانيا ثمة سبب وجيه لخوف حكومة العمال من ذلك، فهي بصدد خسائر فادحة في كل اتجاه، سواء أمام حزب بلايد سيمرو في ويلز، أو الحزب الوطني الاسكتلندي في اسكتلندا، أو حزب الخضر في لندن بصفة خاصة، أو حزب الإصلاح البريطاني في كل مكان تقريبا. وفي عالم عادل، يحق لنايجل فاراج أن يخشى الناخبين الحريصين على محاسبته لا على ماضيه المظلم وحده بل بوصفه الشخص الذي كان الداعية الأساسي للقرار الكارثي الأسوأ في التاريخ منذ ميونخ، وهو استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي يمر على إجرائه عشر سنوات في يونيو من العام الحالي. وإنني أسلّم بأنه من المستبعد أن يشهد عام 2026 دفع فاراج ثمن دور البطولة الذي لعبه في هذا الإيذاء المستمر للنفس. لكن في نهاية المطاف، ترامب ونتنياهو وأوربان والبقية لا بد أن يواجهوا محاسبة عن الألم الذي تسببوا فيه والضرر الذي أحدثوه. فليكن العام الحالي عام الحساب.

جوناثان فريلاند من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان.