معارض الكتب في الخليج العربي وغياب معارف الأقليّات العربية

07 يوليو 2026
07 يوليو 2026

استخدامي لمصطلح الأقليات من باب الشائع في الدراسات أو المقالات المعرفية في دراسة الظواهر أو المكونات على المستوى العام، أو على مستوى الدولة القطرية، أما من حيث المواطنة المرتبطة بالذات الإنسانية الواحدة فلا توجد أكثريات وأقليات، وإنما هناك مواطنة متساوية بين الجميع، وأشرت إلى هذا في كتابي: «لاهوت الرحمة»، «وأنسنة الدولة».

من يدرس عالمنا العربي الكبير من المحيط الأطلسي إلى بحر العرب والخليج العربي يجد تنوعا لغويا وعرقيا ودينيا ومذهبيا كلاميا وفقهيا وغنوصيا، فضلا عن الاتجاهات المعاصرة فكريا وحركيا واجتماعيا. الذي يهمني هنا بحكم اشتغالي حاليا التنوع الديني الضارب في القدم، والمشترك معنا لمئات السنين، كما والحال في العراق ودول الشام ومصر وشيء من دول المغرب، وهناك خصوصيات دينية في الخليج العربي لقربها من الجانب الهندي والفارسي الكبير قديما، وعموم دول الشرق حديثا، مع الهجرات المشكلة لتنوع ديموغرافي وثقافي لسبب العمل في المنطقة.

ثم من خلال تأملي لمعارض الكتب في الخليج العربي لبرهة من الزمن أجد فقرا في الانفتاح على نتاج هذه المكونات، وخصوصا المسيحية المشتركة في أجزاء كبيرة من وطننا العربي، وأقصد بنتاج هذه المكونات أي ما تنتجه هذه المكونات ذاتها في التعبير عن خصوصيتها ورؤيتها اللاهوتية والطقوسية والاجتماعية، إلا ما يكتب عنها، أو ينشر عنها في بعض الدور المتنوعة ضمن نشراتها العامة، وبعض الكتب قد لا يسمح لها بالبيع لاعتبارات أصولية مخالفة أو بدعوى الخوف من الأفكار المختلفة لهوية الدولة القطرية، وقد يتسع هذا حتى داخل المذاهب والتيارات الإسلامية المختلفة.

كنت أتصور سابقا أن بعض هذه المكونات الدينية مقصرة في التعريف بذاتها، ومن سبل قصورها عدم المشاركة في معارض الخليج العربي للكتاب، ومن خلال حضوري لمعرض بغداد الدولي للكتاب الذي يقام في سبتمبر، ومعرض القاهرة الدولي للكتاب الذي يقام في يناير، كان لدي بعض الحديث مع بعض الدور المتعلقة بهذه المكونات، وحسب كلامهم أنه لا يسمح لهم بالمشاركة، أو لا يتلقون ردا إيجابيا من قبل بعض الجهات المنظمة، لهذا نجد فقرا واضحا في الانفتاح على هذه المكونات في معارض دول الخليج، وبشكل واضح، كان بسبب الهويات المنغلقة لدينا، أو خوفا من التيارات الأصولية الرافضة للآخر، أو بسبب القصور في التعريف بالآخر المختلف حتى على المستويات السياسية والثقافية.

هذا الانغلاق سببه - في نظري ثلاثة أمور، الخوف من الآخر المختلف، والهويات المغلقة، وعدم الفصل بين المواطنة وبين الانتماء. وأما الخوف من الآخر المختلف، حيث يتصور بعضهم أن مجرد السماح للمختلف، أو فتح مساحة له ولو عابرة؛ يحدث بذلك فسادا فكريا وعقديا واجتماعيا في المجتمع. نحن لا نتحدث هنا عن مؤسسات تقترب من المختلف، كانت مؤسسات دينية أو ثقافية، بحيث تشجع على الاندماج مع المختلف، وإنما معارض عابرة تقودنا إلى فتح مساحة نفهم بها الآخر، أو ترك المجال للآخر لكي يعرف نفسه للباحثين ومحبي المعرفة، حيث المعرفة اليوم بذاتها مشاعة رقميا، كتابة وسماعا، فلا معنى من الخوف منه في تظاهرة سنوية عابرة، أو فعالية ثقافية أو دينية منفتحة على المختلف في يوم عابر أيضا.

والسبب الثاني الهويات المغلقة، فليست الإشكالية في الهويات فهي حالة طبيعية، كما أنه لا يوجد ابتداء مشكلة في انغلاق الهويات على ذاتها أيضا، إنما المشكلة عندما تريد هوية ما لاتكاء السلطة عليها، أو بسبب كثرتها، أو لأسباب لاهوتية، أو لمنافع اجتماعية ومالية؛ تريد هذه الهوية المنغلقة على ذاتها أن يكون المجتمع جميعه على صورتها. فإذا كانت تخاف من الهويات القريبة المتباينة عنها، فطبيعي أن تخاف من الهويات المختلفة والبعيدة عنها أيضا، فحضور مثل هذه الهويات المتباينة في تظاهرة معرفية يسبب لها قلقا بسبب انغلاقها على ذاتها، ويزيدها قلقا عندما تحصر ذاتها في ثنائية مغلقة، كالأنا والآخر، المؤمن والكافر، الولاء والبراء، يسقط مثل هذا في حراك ثقافي واجتماعي لا يتحمل مثل هذه الثنائيات المغلقة أبدا.

والسبب الثالث عدم الفصل بين المواطنة وبين الانتماء. المواطنة أوسع بكثير من الانتماء أيا كانت صورته، حيث المواطنة مرتبطة بماهية الفرد، وهي الأصل في نظام الدولة ودساتيرها، والناس أحرار في انتماءاتهم أيا كانت طبيعتها. والفصل بين المواطنة وبين الانتماء يقودنا إلى الفصل بين المعرفة والانتماءات أيضا، فالمواطنة عابرة في الدولة القطرية، وأما المعرفة فعابرة في فضاء العالم كله، ولا يمكن حد المعرفة بحدود جغرافية تشكل دولة وطنية ما، الأمر ذاته لا يمكن حدها بهويات انتمائية محدودة لا تساوي شيئا في فضاء الوجود.

وعليه ما يتعلق بمعارف المكونات الدينية أو الانتمائية الأخرى تدخل في فضاء المعارف الواسعة، والأمم الراسخة في وطنيتها لا تخاف من الانفتاح على الفضاء المعرفي الأوسع، بل يزيدها قوة في وطنيتها وانتماءاتها، فمعرفة الآخر المختلف والاقتراب منه وفهمه والتدافع معه معرفيا يجعل الدولة أكثر رسوخا وتقدما وتطورا، وينقلها إلى دائرة التعايش الحقيقي بفهمها للمختلف، خلاف الدولة المتوجسة والمنغلقة على ذاتها، يؤثر هذا في انفتاحها على الآخر حتى على المستوى الاقتصادي والاستثماري بسبب الأحادية المنغلقة عليها.

بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»