اتفاق ترامب مع إيران أفضل من استمرار الحرب
27 يونيو 2026
27 يونيو 2026
ترجمة: قاسم مكي
صارت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران «بينياتا» سياسية أمريكية تتلقي الضربات من كل ممثلي الطيف الأيديولوجي. (البينياتا، حسب قاموس كمبردج، لعبة محشوة تُعلَّق في المناسبات ويتناوب الأطفال على ضربها بعصا فتتساقط منها الحلوى- المترجم.)
حقا، تستحق سياسة ترامب تجاه إيران الفاشلة تماما منذ فترته الرئاسية الأولى وحتى الآن الكثير من النقد، لكن الاتفاق المؤقت هدف خاطئ لضرباته.
المشكلة ليست في الاتفاق، ولكن في الحرب الرعناء التي سبقته. ومذكرة التفاهم خطوة أولى ومتعثرة لمعالجة تبعاتها.
عيوب المذكرة كثيرة؛ فهي غير دقيقة وأثارت نزاعاتٍ. كما أن المدة الزمنية المحددة للاتفاق النهائي (60 يوما) غير واقعية وتسلسل الخطوات التي تقود إليه غامض.
هذا إلى جانب أشياء أخرى. مع ذلك نقد من يعيبونها مختلف (أي لا يركز على هذه العيوب ومُغْرِض- المترجم).
انضم بعض الديمقراطيين إلى الجمهوريين في وصف الاتفاق بالاستسلام الشائن. هذا حكم غريب ومشتط.
في هذه المرحلة تفعل مذكرة التفاهم أشياء قليلة فقط.
فهي تُنهي الحرب، وتعيد فتح مضيق، هرمز وتسمح لإيران بالحصول على بعض الأصول المجمدة وبيع نفطها مؤقتا، وترسم معايير للمحادثات في المستقبل.
كان عدم رضا الجمهوريين المتشددين متوقعًا؛ فنظرا إلى أنهم ما زالوا مقتنعين بأن النظام في إيران سينهار بعد العقوبة أو الضربة التالية لا يمكنهم القبول باحتمال رضا بطلهم الجديد ترامب بما هو أقل، وبالتالي إظهار أن أحلامهم تخيُّلات لا صلة لها بالواقع.
أما ردود أفعال الديمقراطيين فأكثر إثارة للحيرة؛ إنها كما يبدو ترتكز على فرضية غير معلنة، وهي وجود بديل أفضل. عقد بعضهم مقارنة غير منصفة باتفاق أوباما النووي في عام 2015 (خطة العمل المشتركة الشاملة) الذي انسحب منه ترامب بعد ثلاث سنوات لاحقا.
وكانت محاولات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس للتمييز بين الاتفاقين مدعاة للهزء، ولم تفعل شيئا سوى تقويض حججه، لكن المقارنة نفسها خادعة.
كانت خطة العمل الشاملة المشتركة فهما دقيقا ومتمهِّلا لمقتضيات تقييد البرنامج النووي الإيراني، وإعادة هندسة العقوبات الأمريكية والدولية.
أما مذكرة التفاهم فهي صفحة ونصف من مبادئ عريضة وُضعت لتوجيه المفاوضات حول تلك المواضيع. وسيأتي وقت المقارنة بينهما فقط إذا تم التوصل إلى الاتفاق الأوسع نطاقا (الاتفاق النهائي)
السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يمكن تحقيق نتيجة أفضل. ربما كان انتزاع شروط أفضل سيتطلب صمود ترامب لفترة أطول وفرض المزيد من الضغط على إيران أو استئناف الضربات العسكرية.
لكن القيام بذلك ربما كان سيفاقم الضرر، ويعزز المخاطر الاقتصادية على أمريكا، وتنشأ عنه عواقب وخيمة في بلدان أخرى. كما ليس من المرجح أن تتزحزح إيران عن موقفها مهما كانت المعاناة التي تتعرض لها.
شروط الاتفاق ليست خضوعا لطهران ولكن للواقع. إنها نتيجة فشل استراتيجي جعل إيران قادرة على تحمل حصار مستمر على نحو يفوق قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في فرضه.
للحروب تبعات، والحروب الخاسرة تبعاتها باهظة التكلفة. نعم تمثل مذكرة التفاهم تراجعا حادا من تعهد ترامب المتغطرس بفرض استسلام إيراني غير مشروط.
وهي يقينا تقريبا نتيجة أسوأ من تلك التي كان من الممكن تحقيقها قبل الحرب، لكن ما ليس له معنى وصفها بأنها عطاء من جانب واحد يترك واشنطن صفر اليدين وطهران ثريّة.
يركز منتقدو مذكرة التفاهم على احتمال التخفيف الشامل للعقوبات والوعد بمبلغ 300 بليون دولار لإعادة بناء إيران والتنمية الاقتصادية، وكلاهما لا يزيدان كثيرا عن طموحاتٍ ترتكز على التوصل إلى اتفاق نهائي قد لا يتحقق أبدا.
ما يمكن أن تكسبه طهران في الأجل القصير أكثر تواضعا. وكما علِمَت طهران يمكن التراجع عنه.
فهو تقريبا 5 بلايين دولار شهريا في شكل إيرادات نفطية زائدا إمكانية الحصول مع مرور الوقت على عشرات البلايين من الدولارات من أصولها المجمدة، وسيقتصر استخدامها غالبا على سداد مشتريات لأغراض إنسانية.
قد تبدو هذه الأرقام كبيرة إذا نظرنا إليها بمعزل عن أي شيء آخر، لكنها ستكون مختلفة بقدر ملحوظ مقابل الضرر الهائل الذي سببته الحرب.
فرض تدمير البنية التحتية الحيوية لإيران تكاليف تصل إلى مئات البلايين من الدولارات، وفقا لتقديرات محافظة، ويمكن أن ينتج عنها انكماش اقتصادي سنوي بنسبة 10%.
لن تحقق مذكرة التفاهم ما يقارب التعويض عن تلك الخسائر. إنها لطريقة محاسبية غريبة تلك التي تتجاهل التكاليف الكارثية للحرب على إيران لكي تصل بطريقة ما إلى أنها نَصَبَت على الولايات المتحدة.
خصوم الحرب الذين ينددون الآن بالاتفاق بسبب المنافع التي يُزعم أنه يسخو بها على إيران يفضحون افتراضا معيبا تفشى في السياسة الأمريكية لعقود. مفاد هذا الافتراض أن السبيل إلى مواجهة التحدي هو خنق اقتصاد إيران، وإذا فشل خنقها أكثر. هذه المقاربة أفقرت الإيرانيين دون أن تؤذي من هم في سدة الحكم. القرار الصائب الذي اتخذه ترامب منذ بداية هذه الحرب هو إنهاؤها، ولن يخدم استهجانه أي غرض مفيد.
روبرت مالي المبعوث الأمريكي الخاص لإيران في الفترة من 2021 إلى 2023 وهو الآن رئيس فخري ومدير برنامج الشرق الأوسط بمجموعة الأزمات الدولية
الترجمة عن الفاينانشال تايمز
