تطورات الصراع من النووي إلى الخوارزمية
27 يونيو 2026
27 يونيو 2026
فاجأتنا وسائل الإعلام بخبر وفاة باحث إيراني في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو علي إحسانيان في فرنسا. وذكرت تقارير إعلامية أن هذا الباحث سبق له التعاون مع وزارة الدفاع الإيرانية. كذلك أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى أن علي إحسانيان توفي في ظروف غامضة في فرنسا، ورجّحت أن يكون ذلك نتيجة عملية اغتيال نفذها الموساد الإسرائيلي.
وسبق هذا الحادث حوادث مشابهة، فقد أعلنت وسائل إعلام إيرانية أن عالِمَين إيرانيين متخصصين في الذكاء الاصطناعي استهدفا في الحرب الأخيرة، وهما مجيد تيغين جاري الذي يُعد من نخبة علماء الذكاء الاصطناعي في إيران، ومؤسسا لمشروع ومنصة تعليمية متخصصة في هذا المجال، واستُهدف في منزله بطهران، وأما الثاني فهو سعيد شمقدري، أستاذ هندسة التحكم والهندسة الكهربائية في إحدى الجامعات الإيرانية، وله أبحاث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. طال الاستهداف أيضا مشروعات ومراكز إيرانية معنية بالذكاء الاصطناعي مثل مركز ذكاء اصطناعي في جامعة شريف للتكنولوجيا يحتوي على بيانات مهمة ونظام بحثي متعلق بتطوير خوارزميات باللغة الفارسية.
ويُعيدنا ذلك إلى مشاهد سابقة تتعلق باستهداف علماء الفيزياء النووية وبرامج نووية؛ حيث تتفق الأدلة أن الموساد الإسرائيلي كان وراء مقتل عدد منهم، ومن بينهم علماء مصريون وعراقيون وإيرانيون بارزون، ولعل من أشهر هذه الأسماء العالم المصري علي مصطفى مشرفة، الملقب بـ«أينشتاين العرب»؛ إذ جاءت وفاته في ظروف غامضة عام 1950، ورجّحت بعض الروايات وقوف إسرائيل وراء مقتله -رغم حداثة الكيان الإسرائيلي آنذاك- نظرا إلى مكانته العلمية الكبيرة في العالم العربي.
يبرز أيضا اسم يحيى المشد، وهو عالم نووي مصري أسهم في بناء البرنامج النووي العراقي الذي قُتل في أحد فنادق باريس عام 1980، ونُسبت العملية أيضا إلى الموساد الإسرائيلي. كذلك العالمة المصرية سميرة موسى التي توفيت في حادث سيارة بالولايات المتحدة عام 1952، وتوجد روايات عديدة تنسب الحادث إلى عملية اغتيال نفذتها جهات مرتبطة بالموساد.
إلى جانب ذلك، شهد العراق استهدافا لبرنامجه النووي وعمليات اغتيال طالت عددا من علمائه النوويين خصوصا منذ ثمانينيات القرن الماضي وإلى ما بعد سقوط النظام العراقي السابق عام 2003.
كذلك طالت الاستهدافات إيران عبر اغتيال عدد كبير من علمائها المرتبطين بالمجال النووي؛ فقُتل كثير منهم داخل إيران عبر عمليات تفجير أو تصفيات مباشرة نُسبت إلى الموساد الإسرائيلي.
ينقلنا مشهد استهداف علماء الذكاء الاصطناعي وتصفيتهم إلى مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز هواجس الانتشار النووي التي رافقت الكيان الإسرائيلي منذ تأسيسه خصوصا في ظل سعي الكيان المستمر إلى الحفاظ على تفوقه العسكري في المنطقة، ومن جانب آخر، ليؤكد لنا أهمية علم الذكاء الاصطناعي وقوته المتسارعة، ومدى ما يثيره من قلق لدى الدول وأجهزتها الاستخباراتية التي تدرك أهمية هذا النوع من التقنيات وقدرته على التداخل والتأثير في كثير من قطاعات الحياة بما فيها الأنظمة العسكرية والدفاعية.
وسبق أن تناولنا موضوع الذكاء الاصطناعي ومتلازمة القلق المرتبطة به في مقالات سابقة، وأوضحنا فيها الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة، واستعرضنا تطبيقاته العملية في الحروب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، وكذلك في الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان؛ فلمع نجم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة رئيسة ومؤثرة في هذه الحروب سواء عبر المسيّرات التي تعتمد عليه في جمع المعلومات ورصد الأهداف، أو عبر أنظمة تحليل البيانات وتحديد الأهداف، ووصولا إلى أنظمة الاستهداف المباشرة.
ولا يقتصر الأمر على المسيّرات فحسب؛ فيمتد إلى الصواريخ والأنظمة الدفاعية والهجومية الأخرى، وهذا موضوع يحتاج إلى شرح علمي مستقل ومفصّل يبيّن أبعاده التقنية والعسكرية المختلفة.
أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي في إيران والعلماء العاملين في هذا المجال، فأستحضر تجربة شخصية تعود إلى فترة إعدادي لرسالة الدكتوراه حين كنت أراجع الدراسات السابقة وأحللها في الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2018؛ إذ لفت انتباهي آنذاك أن عددا كبيرا من الدراسات الرصينة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كان من بين أبرز الباحثين المشاركين فيها باحثون من إيران والصين، ومنذ ذلك الوقت تحدثت في أكثر من مناسبة عن تركيز إيران على هذا النوع من التقنيات، وما تبذله من استثمارات كبيرة في بناء الكفاءات البشرية المتخصصة وفي تطوير المشروعات المرتبطة به.
ومن وجهة نظري، لا أستبعد أن تكون إيران قد أدركت مبكرا الأهمية الإستراتيجية لهذا المجال، وأنها رأت في الذكاء الاصطناعي مسارا علميا وتقنيا قادرا على تحقيق كثير من المكاسب التي كانت ترتبط سابقا ببرامج أكثر تعقيدا مثل البرامج النووية؛ فوجهت جانبا مهما من ثقلها العلمي والمالي والبشري نحو هذا القطاع، ولكنها -في المقابل - يتطلب منها أن تبذل جهدا مماثلا في حمايته وتحصينه. لذلك لا يبدو مستغربا -في ظل هذه المعطيات- أن يحظى الذكاء الاصطناعي بكل هذا الاهتمام خصوصا مع قدرته الهائلة على تطوير الأنظمة العسكرية والتقنيات الدفاعية والأمنية؛ حيث إن بعض الدول باتت تدرك أن التأثيرات الإستراتيجية للذكاء الاصطناعي وما يماثله من تقنيات متقدمة قد تتجاوز في بعض الجوانب تأثيرات برامج أخرى أكثر تقليدية؛ كون الدخول إلى مجال الذكاء الاصطناعي والبحث فيه وتطوير تطبيقاته لا يتطلب بالضرورة بنية تحتية معقدة أو مواد نادرة كما هو الحال في بعض المجالات العلمية الأخرى مثل البرامج النووية.
هذا ما نعتقد أنه يشكّل صدمة لإسرائيل التي بذلت -منذ تأسيسها عام 1948- جهودا كبيرة لمواجهة أي مشروع نووي عربي أو إسلامي يمكن أن يشكّل عامل قوة أو نهوض إستراتيجي في المنطقة؛ فسعت إلى إجهاض مثل هذه المشروعات بوسائل متعددة سواء عبر استهداف البرامج نفسها أو عبر استهداف العلماء المرتبطين بها مثل ما حدث في تجارب مختلفة ارتبطت بالعراق ومصر وليبيا وغيرها من الدول.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بأنه أحد المجالات ذات الأهمية الإستراتيجية والعسكرية العالية في العقود القادمة، وأن التطورات التقنية المتسارعة يمكن أن تجعل تأثيراته في بعض الجوانب أكثر اتساعا من تأثيرات كثير من البرامج التقليدية الأخرى بما فيها الفيزياء النووية، ولذلك فإن ما نشهده من أحداث مرتبطة باستهداف علماء الذكاء الاصطناعي ومشروعاته يدفع إلى التفكير بجدية في التحولات الجارية في مفهوم القوة والردع في العصر الرقمي.
وبناء على ذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الدول العربية هي أن المستقبل -وفق معادلة القوة والردع - لا يمكن أن يكون محصورا على البرامج النووية -السلمية والعسكرية- وحدها؛ إذ أصبح مفهوم الردع والقوة ذا طابع رقمي وأكثر اتساعا وانتشارا مما كان عليه في العقود الماضية، وبات الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم عناصر القوة العلمية والتقنية والاقتصادية والعسكرية في العالم المعاصر.
وسبق أن حذرنا في مقالات ومحاضرات عديدة من بعض المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي سواء فيما يتعلق بآثاره على العقل البشري أو قدرته على تكريس أشكال جديدة من الهيمنة الرقمية، ولكن الحديث هنا ينصرف إلى جانب آخر يتمثل في الفرص الإستراتيجية التي يمكن أن يوفرها هذا المجال للأمم الطموحة التي تحسن استثماره وتطويره.
لهذا فإننا ندعو الدول العربية إلى مضاعفة الاهتمام بالذكاء الاصطناعي، وقبل ذلك الاستثمار في العقل العربي، وتوجيهه نحو التخصصات العلمية والتقنية القادرة على تخريج أجيال من الباحثين والمتخصصين في هذا المجال، مع العمل على بناء منظومات وطنية قادرة على تطوير مشروعات الذكاء الاصطناعي وإدارتها واستدامتها. غير أن بناء القدرات لا يكفي وحده؛ فينبغي أن يترافق مع سياسات واضحة لحماية هذه الكفاءات والمشروعات على غرار ما نشهده من استهداف لهذا الحقل التقني ومن يعمل فيه، ويكون ذلك عبر توفير البيئة الآمنة للعلماء والباحثين، وحماية المعرفة المتولدة من أعمالهم، وتأمين البيانات والبنى التحتية الرقمية المرتبطة بهذه المشروعات من الاختراق أو التسريب أو الاستهداف.
كذلك من الضروري العمل على توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي ومشروعاتها داخل الدول العربية؛ فتُدار على أراضيها وبكوادرها الوطنية، وأن تُبنى قدر الإمكان على بنى تحتية محلية قادرة على حفظ البيانات وإدارتها وتأمينها. ومن الضروري كذلك أن تتجه الدول العربية مجتمعة إلى إنشاء مشروعات ذكاء اصطناعي مشتركة بدلا من المشروعات المتفرقة التي لا تصلح إلا للاستهلاك الإعلامي ولا تزيد كثيرا في ميزان القوة العالمية وتنافساتها المبنية على القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية، ولدى الأمة العربية بجميع دولها من الإمكانات البشرية والعلمية والاقتصادية الكافية لتنفيذ هذه القفزات التقنية؛ لتُسهم في بناء مستقبل أكثر قدرة على المنافسة والاستقلالية التقنية، ويمكن للمخرجات التي تأتي بها هذه المشروعات التقنية المتقدمة أن تعيد بناء معادلة القوة والردع العربية؛ فسارعوا قبل أن يأتي اليوم الذي تفرض فيه قوى العالم شروطها وقوانينها الأنانية على الذكاء الاصطناعي واستعمالاته على غرار ما حدث للفيزياء النووية.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
