متوالية الرطب.. الطعم.. ورنين كلمة الإنسان
27 يونيو 2026
27 يونيو 2026
وزع الفلاح العُماني والعربي منذ قرون ثمار النخيل المختلفة بحيث تتتابع أنواع الرطب دون توقف لتواكب تقدم الصيف حتى نهايته، وكل ذلك الآن مع حدوثه يعيد تذكيري بالطعم.
أعني أن الطعم الحقيقي للرطب يعيد تذكيري بالطعم المفقود. ألا نفتقد الطعم في غمرات حياتنا العصرية بكافة ضغوطها وانفجاراتها وشراهتها التي لا تتوقف لجذب انتباهنا، انتباهنا الذي قد لا أبالغ بأن أقول إنه منهك من كثرة الشد والجذب.
في غمار متوالية الأحداث تأتينا كل صيف متوالية الرطب كأنما لتعيد ضبط درجات الطعم الأصلي لدينا، طعم الطزاجة المفقود، ذلك الذي لا يمكن للمنتجات التجارية مقاربته أو إدراكه.
تلك المنتجات ذات الطعم الشبيه، القريب نوعًا ما، كما نظن، حتى يحضر الطعم الحقيقي ليظهر لنا كم هو بعيد جدًا في الواقع.
ليس الرطب وحده بطبيعة الحال، بل كل الثمار الطازجة من المزارع التقليدية، بساتين الماضي، يأتي الموز فتعلق والدتي قائلة: كأننا لم نذق موزًا طوال السنة، ولديها حق؛ فرغم أن الموز المستورد لا يكاد ينقطع عن محلات الفواكه، إلا أن طعم الموز الطازج مفارق، وهكذا يبدو في المحصلة أننا وقعنا في أحبولة منتجات تجارية تعطيك نفس الشيء لكن مع اختلاف الطعم، والأدهى أننا اقتنعنا بذلك.
المنتجات التجارية لها قواعدها الخاصة لاعتبارات التسويق والتخزين والشحن حتى وصول المنتج إلى المستهلك، هكذا جرت تفضيلات مختلفة، وبالتالي نتائج مختلفة، مقارنة باختيارات الفلاح الذي زرع أشجاره ووزعها باعتبارات الوقت، مدة الصيف، موازنًا بين طبيعة الشجرة وطبيعة الزمن، موحدًا بين الاثنين في ثمرة وطعم.
الطزاجة مسألة تذوق، حساسية تختلف بلا شك من شخص لآخر، لكن بشكل عام يمكن لكل متذوق إدراك الفارق الطعمي، وكأن هناك عالمين مختلفين، ببشر مختلفين، كما كان دوستويفسكي في روايته الأبله يشير إلى بشر مختلفين مع تبدلات الأزمنة والعصور يقول:
«الإنسان الحديث أوسع (اطلاعًا) وأرحب (معرفة). وهذا هو ما يمنعه من أن يكون كتلة واحدة متسقة الجوانب كما كان إنسان القرون الخوالي» ت. سامي الدروبي -ما بين الأقواس زيادة منا-. فإذا كان دوستويفسكي الراحل قبل أكثر من مائة عام (ت ١٨٨١م) ينتبه لهذا الاختلاف في الاتساق والانسجام في عصره، فكيف بحالنا اليوم؟!
مرت هذه القرون الأخيرة فغيرت أشياء كثيرة في الإنسان، ولعل هذا ما يجعل إنسان اليوم أشد وأوضح حنينًا إلى قواعد وأركان الماضي المندثر، سواء في العقيدة أو في الثقافة أو في الاحتفال بالتراث وبالتاريخ؛ ربما لأنه يفتقد طعم كل ذلك على حقيقته وفي وجدانه، يفتقد الطعم الذي كان من البديهيات اليومية للناس قبل قرن أو قرنين، أما اليوم فكل شيء حولنا تحول إلى سلعة ومنتج وشكل وإعلان، والعالم برمته، وكل ما فيه من رموز وثروات وطبيعة، على منصة العرض، أو على الشاشة.
لا يعني هذا الكلام محاولة هدم العصر برمته، أو التغاضي عن مكتسباته، لكن المراد هو إعادة التذكير بما نسيناه أو افتقدنا في عصور السرعة في غمرة الأعمار المتسربة من بين الأصابع على الهواتف والأجهزة والآلات، كل هذا محاولة إنقاذ للانتباه المختطف، من سيول الأفكار المزروعة بخفة في أدمغتنا والتي تنطق بها أفواهنا دون تأمل أو حتى إدراك.
يأتيك مقطع فيديو يبدأ معك من مبدأ تتفق فيه مع قائله، ثم شيئًا فشيئًا دون أن تشعر يزرع بذرة فكرة داخلك، نوع من التلاعب، بوعي أو بدونه، قد تكون الفكرة برمتها مسروقة من مكان آخر، غربي عادة، وهكذا بالتدريج تجد نفسك تؤمن بقضية لم تشغلك من قبل، لم تبحث فيها ولم تفكر فيها ولم تستنتجها بنفسك، وقد جرى اقتيادك لاستنتاج تظن أنه استنتاجك الخاص، وما فقدته طوال تلك العملية هو طعم العثور على الفكرة الحقيقية، طعم استبيانها واستظهارها وملاحقتها وتقليبها، طعم اختبارها وتفنيدها ومناقشتها، طعم البحث عن مراجع في الذاكرة تعززها أو تنفيها، كل ذلك يجري اختصاره بدردشة سريعة على إحدى نوافذ دردشة الذكاء الاصطناعي.
لا شك أن قرننا هذا سيشهد الكثير من التطورات خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وحين يوشك القرن هذا على نهايته ستكون الكثير من العمليات الحاسوبية موكلة بالكمبيوترات لإدارتها، ومهما يبلغ الأمر من شأن فإن الخشية كلها تكمن في تحول الإنسان بدوره إلى مادة للتحكم والسيطرة.
أتأمل تجمع موظفي التوصيلات في إحدى المحطات، وأفكر بالعاملين في تطبيقات التوصيل سواء الركاب أو الطلبات والأطعمة، وكأنما يأتيني مشهد مستقبل الوظائف؛ حيث التطبيق هو مسؤولك المباشر، يتحكم في وظيفتك وتقييمك ومستحقاتك، ومن يدري لعل هذا هو يكون فعلًا مستقبل كثير من الوظائف، فماذا سيبقى حينها من طعم الحياة الحقيقي؟
مصادفة تمر علي في الملحق الثقافي قصة بديعة عنوانها (شاعر على خط الإنتاج) للكاتب الصيني شياو هاي، بترجمة أحمد شافعي؛ حيث يحاول الشاعر أن يكتب قصيدة لا تكتمل بسبب ضغط العمل والمناوبات الليلية في مصانع الأجهزة وغيرها لأكثر من عشر سنوات، وتعيدني القصة لمشهد دراجات وسيارات التوصيل الواقفة على خط إنتاج التطبيقات، وتذكرني بكل هذا الوضع البشري ومستقبله، أتذكر تكدس دراجات الطلبات وسائقي الأجرة خاصة في المدن الكبرى على إشارات المرور، وأفكر في أن الجميع أصبحوا تحت رحمة وتصرف التطبيقات الإلكترونية، ومع كل ما في ذلك من مكاسب وفوائد، فإنني أفكر في الطعم المفقود متسائلًا أين سيقودنا كل هذا؟
ليست الحياة البشرية مصممة للسخرة، بل بالعكس للحرية، ولعل تجارب التحرر التي شهدها القرن العشرين تشهد على ذلك؛ ولربما كان التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسان المعاصر اليوم وغدًا هو كيف يكبر على الحيّز الضيق الصغير المصمم لحبسه وسجنه واستغلاله، وهذا ما كان ينبه إليه المفكر الكيني اشيل مبيمبي في كتابه نقد العقل الزنجي.
تقع مسؤولية التحرر المنشود بنسبة كبيرة منه على عاتق الفكر والثقافة والفن، بوصفها الينابيع الكبرى التي ظلت ترفد الإنسان وتروي غليله ليصل أقصى حدود وجوده وإمكانياته كما كان رينيه شار يقول: «الإنسان قادر على ما لا يمكن تخيله، رأسه يعزق مجرة الغامض» ترجمة: شاكر لعيبي.
إن كل معضله أو مشكله هي تحد على الإنسان تجاوزه، بما في ذلك معضلات عصرنا هذه، ولعل التسارع والسرعة التي نذمها من جهة، تكون محمودة من جهة أخرى لأنها تختصر الزمن، فلا يتطلب الأمر قرونًا طويلة لتحرير العبيد، أو تحرير الشعوب المستعمرة، أو تحرير المرأة، أو حقوق الطفولة والأمومة، وربما يتحرر الإنسان من ربقة عمالته للأجهزة والتقنية بأسرع مما نظن، لكن ذلك رهن بكثير من العمل على الوعي من أجل إيقاظ الطعم الحقيقي للعيش والحياة داخل الإنسان.
انقضى ربع قرننا الأول، ولم يكن هينًا كل ما حدث فيه، ولا تزال أحداثه تتشابك وتنعقد وتترابط أكثر فأكثر، وكل العلامات الجديدة لها ظلال في القرون الماضية وأشباه، لكن المسعى البشري هو نفسه لا يتغير. وإذا كنا نذم فقداننا الطعم الحقيقي للأشياء فإنما للتذكير بالقيمة الحقيقية التي تقف في لب حياتنا، وبأن علينا اكتشاف أنفسنا ومصيرنا أكثر، مثلما كان فرانز فانون يذكرنا بطبيعة وطعم الإنسانية مرة في درس تحرر الوعي الأسود في كتابه بشرة سوداء أقنعة بيضاء (ترجمة: خليل أحمد)، وهو الدرس الذي علينا استحضاره خاصة فيما تبقى من هذا القرن: «الإنسان هو كلمة نعم رنانة بفعل نغماتها الكونية».
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني
