لماذا كان لزاما على جيروم باول أن يقول «لا»؟
21 يناير 2026
21 يناير 2026
لا توجد سابقة مباشرة للتهديد الصادر من وزارة العدل الأمريكية بتوجيه اتهام جنائي إلى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، أو توبيخ باول العلني له.
ولكن كما لاحظ مارك توين، بالرغم أن التاريخ لا يعيد نفسه، فإن أحداثه تأتي متشابهة غالبا. في الواقع، تقدم لنا واقعتان بعينهما فهما للمأزق الحالي ومستقبل استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
بدأت الواقعة الأولى قبل 75 عاما هذا الشهر. مع تجاوز التضخم السنوي 12% في الربع الأول من عام 1951، كان الاحتياطي الفيدرالي معرضا لضغوط شديدة لحمله على رفع أسعار الفائدة. لكن الحرب الكورية كانت على أشدها، ووزارة الخزانة أرادت أسعار فائدة أقل لتسهيل تمويل الديون المرتبطة بالحرب. في يناير من ذلك العام، بعد سلسلة من التبادلات المتزايدة الحِدة، تحدى الاحتياطي الفيدرالي وزارة الخزانة بخفض سعر السندات، الأمر الذي أدى فعليا إلى رفع أسعار الفائدة.
في سورة من غضب، دعا الرئيس هاري ترومان لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية إلى البيت الأبيض واتهم أعضاءها بتعريض الحرب ضد الشيوعية للخطر. ثم أعلن البيت الأبيض للصحافة أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية وافقت على «الحفاظ على استقرار الأوراق المالية الحكومية»، وأصدرت وزارة الخزانة بيانا قالت فيه إن ربط أسعار الفائدة المنخفضة بالسندات الحكومية سيستمر.
كان مارينر إس. إيكلز، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، جَسورا. فقد سرّب محضر اجتماع البيت الأبيض، الذي أظهر أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لم تفعل شيئا من هذا القبيل.
أعقب ذلك بضعة أسابيع أخرى من الجدال. ولكن في الرابع من مارس، أُعلِن عن اتفاق وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، الذي منح الاحتياطي الفيدرالي السلطة كاملة على السياسة النقدية. وسرعان ما انخفض التضخم. وأصبح إيكلز رمزا لنظام الاحتياطي الفيدرالي، حيث سُمي المبنى الذي يضم مكاتب مجلس المحافظين الرئيسية باسمه.
حدثت الواقعة الثانية بعد عشرين عاما. خوفا من ضعف الاقتصاد أثناء حملته لإعادة انتخابه، حاول الرئيس ريتشارد نيكسون إجبار الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية في صيف عام 1971. فسرَّبت إدارته سلسلة من المعلومات المفبركة التي أشارت إلى وجود خلاف بينه وبين رئيس الاحتياطي الفيدرالي آرثر بيرنز.
أوعزت الرسائل أن نيكسون كان يفكر إما في توسيع عضوية مجلس الاحتياطي الفيدرالي أو تقليص استقلاليته بإخضاعه للسلطة التنفيذية، وأنه رفض طلب بيرنز بزيادة الرواتب، برغم أن بيرنز لم يطلب ذلك قط.
لكن على عكس إيكلز، استسلم بيرنز، واتبع سياسة نقدية متساهلة إلى حد غير عادي في عام 1972. فأفضى التسارع الناتج في نمو الأسعار، إلى جانب صدمات أسعار السلع الأساسية، إلى أسوأ موجة تضخم في أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية.
تحمِل هذه الأحداث دروسا مهمة. بادئ ذي بدء، في بعض الأحيان يحتاج محافظو البنوك المركزية إلى الدفاع عن أنفسهم علنا.
من المرجح أن باول كان يفكر في سابقة إيكلز عندما قرر إصدار بيان يكشف عن تحقيق وزارة العدل في شهادته أمام لجنة البنوك في مجلس الشيوخ حول تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي (بما في ذلك، ومن عجيب المفارقات، مبنى إيكلز).
قال باول بصراحة: «إن التهديد بتوجيه تهم جنائية جاء نتيجة لتحديد أسعار الفائدة من قِـبَل الاحتياطي الفيدرالي بناء على أفضل تقييم لدينا بما يخدم المصلحة العامة، بدلا من اتباع تفضيلات الرئيس».
الدرس الثاني، الذي يبدو أن باول استوعبه أيضا، هو أن السماح للسياسيين بإملاء السياسات النقدية قد يؤدي إلى عواقب دائمة. كانت سياسة «التوقف والبدء» النقدية في سبعينيات القرن العشرين ــ وهي نتيجة مباشرة لإذعان بيرنز لنيكسون ــ سببا في ارتفاع توقعات التضخم. لم ينقلب هذا الاتجاه إلا بعد أن تولى بول فولكر رئاسة الاحتياطي الفيدرالي واعتمد على أسعار فائدة مرتفعة لفترة طويلة لإعادة ترسيخ مصداقية السياسة. وكانت تكاليف هذا التصحيح باهظة: فقد ساهمت «صدمة فولكر» في الركود الاقتصادي الذي شهدته الفترة 1980-1982، والذي بلغت خلاله معدلات البطالة خانة العشرات.
على النقيض من ذلك، يكاد يكون من المؤكد أن تثبيت توقعات التضخم طويلة الأجل عند 2% في الفترة 2021-2023 ساعد في التخفيف من ارتفاع التضخم وسمح بحدوث انكماش دون إضعاف شديد لسوق العمل. مع استمرار التضخم في الارتفاع بشكل طفيف ولكن بثبات فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي 2%، فإن الوقت الحالي بالغ الـحرج للتشكيك في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
لكن الأفق لا يخلو من تهديدات أخرى لهذه الاستقلالية، وقد يتطلب الأمر اتخاذ مزيد من الإجراءات. مثله كمثل نيكسون، قد يرغب ترامب في خفض معدل البطالة لدعم آفاقه السياسية. إذا تصور عامة الناس أن البنك المركزي سوف يتسامح مع تضخم أعلى قليلا لأغراض سياسية، فإن الشركات ستبدأ في رفع الأسعار بشكل سابق. والنتيجة لن تكون إلا التضخم الأعلى. كسر هذه الدورة السياسية-النقدية هو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الكونجرس إلى إنشاء بنك مركزي مستقل.
أدرك إيكلز، الذي لعب دورا مهما -وإن كان مترددا إلى حد ما- في صياغة قانون العمل المصرفي عام 1935 والذي أنشأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الحديث، الدور الحيوي الذي يجب أن يضطلع به الكونجرس في تأكيد استقلالية البنك المركزي التشغيلية. على حد تعبيره في خطاب ألقاه عام 1951، معترفا بدوره في تسريب محضر اجتماع ترومان، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي لديه «ليس فقط السلطة بل والمسؤولية» عن مكافحة التضخم. «إذا لم يعجب الكونجرس ما نقوم به، فبوسعهم أن يغيروا القواعد».
وهذا يقودنا إلى الدرس الثالث: إذا استهدف رئيس ما استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فيجب على الكونجرس الدفاع عنها. وتعد التعهدات الأخيرة التي قطعها أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ الأمريكي بمعارضة تثبيت أي من مرشحي ترامب ليحلوا محل باول أو غيره من أعضاء مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي إلى أن تُـحَلّ «المسألة القانونية» بالكامل خطوة في الاتجاه الصحيح.
لكن الكونجرس لديه مهمة ثانية، كما يتضح من الصدام الذي حدث في عام 1951. في تلك الحالة، لم تكن الضغوط الرامية لخفض أسعار الفائدة مدفوعة بالسياسة، بل بالحاجة إلى تمويل عجز مالي كبير. أثناء الحرب العالمية الثانية، أبقى الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة منخفضة لهذا السبب. وفي حين أن الإنفاق الفيدرالي الحالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يتضاءل مقارنة بما كان عليه إبان الحرب العالمية الثانية أو الحرب الكورية، فإن حجم الدين الفيدرالي ضخم بمقاييس التاريخ ومن المتوقع أن يستمر في النمو. وما لم يتخذ الكونجرس إجراءات لخفض عجز الميزانية، فسوف يصبح تمويل ديون الخزانة صعبا على نحو متزايد، وسوف تتفاقم التحديات التي تواجه استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
تأتي تحقيقات وزارة العدل في وقت صعب بالنسبة للسياسة النقدية. وسوف تستمر البيانات المفقودة، نتيجة الإغلاق الحكومي المطول في عام 2025، في إرباك تحليل أداء الاقتصاد. وتعمل حملة إدارة ترامب الصارمة ضد الهجرة على تشويه الصورة بدرجة أكبر، حيث قد تتحول أرقام نمو الرواتب، التي تشير عادة إلى ركود، إلى الوضع المعتاد الجديد. في الأوقات الصعبة، ينبغي لصناع السياسات في الاحتياطي الفيدرالي الترحيب بالخلافات السياسية الشريفة، وعدم التسامح مع أي انتهاك لاستقلالية المؤسسة. وقد يحتاجون إلى المساعدة.
غابرييل رايش أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، وباحث مشارك في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، وعضو في المجلس الاستشاري الأكاديمي لبنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس.
خدمة بروجيكت سنديكيت
