لماذا تعجز العقوبات الأمريكية عن تغيير النظام في إيران؟

21 يناير 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظّفري
21 يناير 2026

محمد رضا فرزانغان - سفين فيشر -

في 12 يناير، بينما كانت إيران تعيش على وقع خسائر بشرية مأساوية وتقارير واسعة عن اشتباكات دامية، اختارت واشنطن أن تتحدث بلغة الضغط الاقتصادي.

إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة «تروث سوشال»، بفرض تعرفة جمركية «فورية» بنسبة 25 في المائة على أي دولة «تتعامل تجاريًا» مع الجمهورية الإسلامية، يمثل تحوّلًا جذريًا من استهداف شركات بعينها إلى معاقبة اقتصادات سيادية بأكملها.

وبينما قدّم البيت الأبيض هذه الخطوة على أنها «الضربة النهائية والحاسمة» للمؤسسة الدينية الحاكمة في إيران، فإن قراءة دقيقة لدوافع القرار وآثاره تكشف سياسة يُرجَّح أن ترتدّ بنتائج عكسية.

فعبر توظيف منظومة التجارة العالمية في الصراع السياسي، لا تخاطر واشنطن بأزمة قانونية ومالية داخلية فحسب، بل تُفرغ عمدًا الطبقة الاجتماعية الأقدر على دفع التغيير الديمقراطي ـ أي الطبقة الوسطى الإيرانية ـ من مضمونها.

لم يكن توقيت الإعلان عرضيًا؛ فإدارة ترامب تواجه حاليًا حكمًا محتملًا من المحكمة العليا قد يطيح باستخدامها لقانون «الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية» لفرض الرسوم الجمركية.

وكما اعترف ترامب نفسه، فإن حكمًا سلبيًا قد «يُربك» وزارة الخزانة الأمريكية، وربما يُجبرها على ردّ نحو 130 مليار دولار من عائدات الرسوم.

في هذا السياق، تبدو التعرفة الجديدة على إيران محاولة يائسة لتأكيد سلطة تنفيذية متآكلة، المتمثل في تكتيك «الصدمة والترويع» لعرض القوة، في وقت تهتز فيه الأرض القانونية داخليًا.

لكن بإضافة «عقوبة إيرانية» بنسبة 25 في المائة فوق الرسوم القائمة، تدفع الولايات المتحدة فعليًا التعرفة على السلع الصينية إلى نحو 72 في المائة. وهذا الإجراء ليس أداة سياسة خارجية فحسب، بل ضريبة استهلاكية ضخمة وغير عادلة تقع كلفتها على المواطن الأمريكي، المحتجز رهينة لاستراتيجية جيوسياسية أثبت التاريخ فشلها في إحداث تغيير للنظام.

الافتراض الاقتصادي السائد في واشنطن يقوم على أن زيادة الضغط تعني تسريع الانهيار. غير أن الأبحاث حول الاقتصاد غير الرسمي في إيران تشير إلى العكس، فالتجارة لا تختفي تحت الضغط، بل تغيّر مساراتها.

ومع انسحاب الشركات القانونيّة بسبب منعها من الوصول إلى السوق الأمريكية، تحل محلها شبكات من الوسطاء غير المنظمين و«أساطيل الظل»، وإيران بالفعل تتعامل بالعملة الصينية وتستورد مليارات الدولارات من الذهب للتحايل على الدولار.

وعندما تُعاقَب التجارة النظامية، توجد واشنطن ما يمكن تسميته «علاوة الوسيط»، وهي كلفة تعامل مرتفعة تؤدي إلى تضخم جامح يرهق المواطنين العاديين، بينما تُغني من يتعاملون بالقنوات السرية. دولة الظل لا تتضرر من هذه الرسوم، بل تزدهر بفضل الندرة التي تخلفها.

ويُظهر التاريخ أنه عندما تُغلق قنوات التجارة المباشرة، ينشأ «تحالف المُستضعَفين». فالدول ذات الروابط التجارية العميقة مع الولايات المتحدة قد تُجبر على تقليص تعاملها الرسمي مع إيران لتجنب العقوبات، بينما تتدخل دول ذات تعرض محدود للسوق الأمريكية لتعمل وسطاء، مستوعبة التجارة المُعاد توجيهها.

النتيجة ليست عزل إيران، بل إعادة تشكيل شبكة من الرابحين والخاسرين تدفع جزءًا متزايدًا من الاقتصاد العالمي إلى خارج دائرة النفوذ الأمريكي.

أخطر آثار سياسة «الضغط الأقصى» هو وجود الطبقة الوسطى تحت المقصلة، وهو ما لا تزال واشنطن تتجاهله. فقد أظهرت دراسة أكاديمية حديثة أن العقوبات أدت إلى تراجع متوسط حجم الطبقة الوسطى بنسبة تتراوح بين 12 و17 نقطة مئوية سنويًا بين عامي 2012 و2019.

الطبقة الوسطى هي المحرّك التقليدي للإصلاح. وعندما يُدفع المعلمون والمهنيون في القطاع العام والفنيون إلى خانة «الهشاشة» ـ غير قادرين على تأمين سلع أساسية كالذرة والأرز، اللذين يشكلان ثلث واردات إيران ـ يتحول تركيزهم من الفعل السياسي إلى مجرد البقاء.

وبتفريغ هذا الحاجز الاجتماعي، تُقوّض الولايات المتحدة، من حيث لا تقصد، القاعدة التي يحتاجها كلٌّ من حكومة الرئيس مسعود بزشكيان والمتظاهرون في الشارع لتحقيق انتقال ديمقراطي مستدام.

ثمة اعتقاد خطير مفاده أن البؤس الاقتصادي يقود تلقائيًا إلى انقلاب أو سقوط النظام. غير أن دراساتٍ اعتمدت إيران نموذجًا تحذّر من نتيجة معاكسة. فبينما تزيد العقوبات من «الاضطراب المدني» والاحتجاجات العفوية، فإنها تقلل احتمال اندلاع حرب أهلية منظمة أو انقلاب ناجح.

في نظام مستقر يمتلك قدرة عالية على القمع، يسمح الضغط الخارجي المفرط للنظام بتصوير المعارضة الداخلية بوصفها «تخريبًا مدعومًا من الخارج»، وبجعل التعرفة البالغة 25 في المائة عنوانًا عالميًا، قدّم ترامب للمرشد الأعلى علي خامنئي أداة دعائية قوية: يمكن للنظام أن يعزو تضخمًا بنسبة 50 في المئة وتداعي البنية التحتية إلى «حملة صليبية» تقودها واشنطن، لا إلى سوء إدارته، مولّدًا تأثير «الالتفاف حول النظام» الذي يحافظ على بقائه.

تظهر أرقام التجارة الأوروبية حجم الاعتماد الإيراني على الإمدادات الطبية الخارجية. ففي عام 2023، كانت هولندا شريانًا حيويًا للنظام الصحي الإيراني، إذ صدّرت أكثر من 124 مليون دولار من الأجهزة الطبية و76.5 مليون دولار من الأدوات الطبية التقويمية، لكن بحلول أكتوبر 2025، تراجعت الصادرات الهولندية إلى إيران بنحو 45 في المائة مقارنة بالعام السابق.

ألمانيا أيضا لديها وضع مشابه. ففي 2023 صدّرت ما قيمته 97.4 مليون دولار من اللقاحات ومشتقات الدم، و90.5 مليون دولار من الأدوية المعبأة. وبحلول أكتوبر 2025، انخفضت الصادرات بنحو 19 في المائة.

عندما تواجه الشركات عالية التقنية عقوبة عالمية بنسبة 25 في المائة بسبب وجودها في إيران، يصبح الخطر التجاري أعلى من أي نية إنسانية.

ولا يبدأ العبء الصحي عند أبواب المستشفيات. فبيانات «إيران أوبن داتا» تكشف أزمة غذائية غير مسبوقة، فقد انخفض استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء بنسبة 40 في المائة خلال عقد واحد، ليصبح متوسط استهلاك الإيراني أقل بنحو 50 في المائة من نظرائه في تركيا.

ومع تراجع استهلاك الألبان بنسبة 30 في المائة منذ 2010، يتشكل عجز بروتيني يضعف المناعة العامة للسكان.

أما على صعيد الصحة النفسية، فقد ارتفعت معدلات الانتحار الرسمية بنسبة 70 في المائة بين 2011 و2023، لتتجاوز سبع حالات لكل مائة ألف نسمة، وتصل في محافظات حدودية هشّة مثل إيلام إلى 16.8 حالة.

ويغفل كثيرون أثرًا سريريًا بالغ الخطورة للعقوبات وهو إحياء «الطاقة القذرة». فالأدلة تشير إلى أن العقوبات تخفض كفاءة الطاقة وتدفع الدول إلى الوقود الأكثر تلويثًا. وقد عادت إيران إلى حرق «المازوت» ـ وهو وقود عالي الكبريت ـ بمستويات تفوق المعايير الدولية بسبع مرات. وفي عام واحد حتى مارس 2025، ارتفع استخدام المازوت في محطات الكهرباء بنسبة 46 في المائة، وبنسبة صادمة بلغت 543 في المائة في بوشهر.

من السهل كتابة عبارة «نهائي وحاسم» على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن العيش مع تداعيات حرب تجارية عالمية وتدمير مستقبل أمة هو التحدي الحقيقي. على واشنطن أن تدرك حقيقة بسيطة وهي أنه لا يمكنك إنقاذ شعب بتدمير قدرته على الحياة.