في مواجهة ترامب.. العالم الحر بحاجة إلى خطة وقيادة جديدتين

21 يناير 2026
ترجمة: أحمد شافعي
21 يناير 2026

بالمقاومة، استقبلت طائفة أوروبية واسعة النطاق بقيادة كير ستارمر خطة دونالد ترامب للاستيلاء على جرينلاند بالقوة إن لزم الأمر، وشن حرب رسوم جمركية إن اعترضت أي دولة طريقه.

ولا مجال للشك في أن هذه هي اللحظة؛ فلو اتبعت خطة ترامب بوصفها مطلبا غير قابل للتفاوض فإنها تنهي أي بقية من الأمل في إمكانية بقاء النظام الليبرالي القائم على القواعد خلال الفترة المتبقية له في الحكم.

والسؤال الحقيقي الآن هو عن لو أن العشرينيات من القرن الحالي سوف تتسم بانهيار تام لأعمدة النظام المتداعية بالفعل وما يصاحب ذلك من أهوال، أم أن تحالفا دوليا ذا إرادة سوف يتشكل ويكون قادرا على إقامة إطار عمل عالمي يحل محل ذلك؟

ذلك أنه في تتابع سريع تخلت الولايات المتحدة عن مناصرتها الراسخة لسيادة القانون وحقوق الإنسان والديمقراطية وسلامة أراضي الدول القومية. وتبدد دعمها القديم للمساعدات الإنسانية وحماية البيئة.

وتبدد أيضا مبدأها المؤسس الخاص بتسوية ما بعد الحرب: وهو أن تؤثر البلاد الدبلوماسية والتعاون التعددي على العدوان والعمل الأحادي. ولم يعد بوسعنا أن نشك في أن الرئيس كان يعني ما قال حينما صرح بأنه لا «يحتاج إلى القانون الدولي»، وأن القيد الوحيد على ممارسته للسلطة هو أخلاقياته ورأيه.

الحق أن الأسابيع القليلة الماضية شهدت التخلي عن كل وعد تقريبا مما في ميثاق الأطلسي الذي قادته الولايات المتحدة، وكتبه فرانكلين روزفلت وونستون تشيرشل واستشرف ميثاق الأمم المتحدة ويتضمن «حرية أعالي البحار» وحرية التجارة والتحرر من التوسع الاستعماري. فالعالم بالنسبة لترامب، مثلما يقول لنا مستشاره السياسي ستيفن ميلر، «سوف تحكمه القوة، والقسر، والسلطة».

لكن لو أن جرينلاند هي علامة النهاية للعالم الذي يرى في الولايات المتحدة قائدة له، فهي أيضا اللحظة التي ترفع فيها أوروبا والبلاد الديمقراطية في جنوب العالم رؤوسها التي دفنتها في الرمل. فعليها الآن هي والبلاد الديمقراطية الأخرى أن تضع بيانا جديدا للقيم والقواعد يبين كيف سنناصر السلام والاستقرار والعدالة ونحقق تقدما ذا معنى في مجالات يتحتم فيها التعاون الدولي. وكما قال كير ستارمر، وأكده المدعي العام في الاحتفال بالذكرى الثمانين للأمم المتحدة في لندن يوم السبت، فإن هذا يعني إحياء القيم المشتركة الراسخة التي قامت عليها مؤسسات ما بعد عام 1945 من أجل عصر جديد تواجه فيه تحديات جديدة.

فكيف السبيل إلى المضي قدما؟ يجب أن تضع بلاد العالم الديمقراطية مسودة بيان قيم، يتردد فيه صدى مفتتح ميثاق الأمم المتحدة «نحن شعوب العالم...»، ونظهر فيه هذه المرة ما نعنيه.

يجب أن يؤكد قسمه الأول دعمنا الكامل لحق تقرير المصير واعتراف الدول القومية المتبادل ببعضها بعضا، وتجريم الحرب والإكراه، وإعلاء القانون، وحقوق الإنسان والمحاسبة الديمقراطية باعتبارها السبل الأساسية لتعزيز كرامة الإنسان.

ويحدد القسم الثاني قواعد التعاون اللازم لضمان الغذاء والماء والأمن والفرص الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والقدرة المناخية والصحة للجميع بما في ذلك الوقاية من الأوبئة.

يجب أن يوضح هذا الميثاق أنه لا ينبغي لأحد التقدم لملء فراغ القيادة في النظام العالمي؛ فالسلطة في عالمنا الجديد التعددي يجب اقتسامها بين البلاد، ولكل بلد تقاليده شديدة الاختلاف، وأعراقه وأيديولوجياته.

لكن العالم الجديد لا يمكن أن يقبل بما تهدد به الولايات المتحدة وروسيا والصين الآن، وهو الرجوع إلى حقبة مجالات النفوذ وهيمنة القوى العظمى كما في القرن التاسع عشر.

بل علينا أن نسأل عن الكيفية التي نستطيع بها تعزيز التعاون التعددي في عالم تعددي. لذلك ينبغي أن يأخذ الميثاق في أتم الحسبان ما تغير منذ أمد بعيد سابق على رئاسة ترامب، وما لم يؤخذ في الحسبان بجدية في دساتير عام 1945، وهو الطبيعة الوجودية لأزمة المناخ، والمطالب السليمة المتعلقة بالمساواة الجندرية، والخطر الحديث المتمثل في الإرهاب والفاعلين غير الدولتين، ومنهم من يمتلك ثروات طائلة وقوة تكنولوجية. وكذلك المطامح التي سبق تجاهلها وتصعد حاليا، أي مطامح جنوب العالم، ولعل الأهم على الإطلاق يتمثل في الحاجة إلى اجتياز الحدود بما يعكس اعتمادنا المتبادل على بعضنا البعض باعتباره أمرا لا فكاك منه.

ذلك أن شيئا واحدا يبدو واضحا، وهو حقيقة أن سياسة (أمريكا أولا)، أو سياسة (نحن ضد هم)، والسياسة الوطنية التي تزدري التعاون الدولي، لا تحظى بتأييد شعوب العالم. فالحقيقة أن الشعوب أسبق من قادتها في فهم مدى اعتمادها على بعضها بعضا بما لا يتيح خيارا آخر عدى العمل معا. وسواء تعلق الأمر بالسيطرة الخانقة من الصين عبر احتكار المعادن النادرة، أو بالنقاط البحرية الحيوية التي قد تغلق مضيق هرمز وغيره من الممرات التجارية، فإننا نعلم أنه للحيلولة دون استعمال اعتمادنا على بعضنا بعضا بوصفه سلاحا مشهرا لا بد للبقية منا أن تعمل مجتمعة.

لقد بلغنا لحظة الحقيقة في أوروبا؛ فلوقت طويل، كان صوتها مكتوما بينما تنتهك إدارة ترامب قواعد التبادل التجاري المتفق عليها دوليا، وتخفض بحدة المساعدات التنموية الدولية، وتهدد جيرانها كندا وبنما والمكسيك. وفي هذا الشهر، تنسحب الولايات المتحدة بقيادة ترامب من ست وستين منظمة دولية، معظمها أنشأتها الولايات المتحدة بنفسها، بينما تتخذ في الوقت نفسه قرارا تاريخيا بتشكيل بديل، هو «مجلس السلام»، الذي يتمتع بصلاحيات للتدخلات تتجاوز غزة بكثير، ويعرض عضويته على نحو ستين دولة مختارة، منها روسيا.

لكن لا يمكن لأي مبادرة عالمية أن تحظى بدعم واسع أو بشرعية لو أنها اقتصرت على اتفاق بين النخب على كيفية موازنة نفوذها. وأي ميثاق جديد يجب أن يربط بين تلبية الاحتياجات والتطلعات المحلية والتعاون العالمي الكفيل بتحقيق ذلك.

علينا أن نجدد التأكيد للجيل الجديد على ضرورة تكافؤ الفرص وعدالة النتائج، وعلى ما أسماه روزفلت بالحريات الأربع: حرية التعبير والعبادة، والتحرر من الحاجة والخوف.

بعد سنوات من الآن سوف تخبرنا كتب التاريخ أن ترامب كان بإمكانه إعلان نصر سريع في مفاوضات جرينلاند، بقبول العرض الدنماركي الذي يتيح قواعد عسكرية غير محدودة تقريبا، ويبيح معادن جرينلاند النادرة الخمسة والعشرين. ولكن، نقلا عن وزير الخارجية الدنماركي بعد محادثاته في واشنطن: «من الواضح أن الرئيس لديه رغبة في غزو جرينلاند». وبهذا، يكون ترامب قد أعلن نهاية عصر نظر فيه الناس في كل قارة إلى الولايات المتحدة بوصفها «المدينة المتألقة على التل».

لا يعني هذا أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تقود مرة أخرى. ففي خطاب توليته عام 1961، قال الرئيس جون إف كينيدي إنه يجب علينا بناء «عالم جديد يسوده القانون، يكون فيه الأقوياء عادلين، والضعفاء آمنين، والسلام مصانا». وعلى هذا الدرب يجب أن تمضي الولايات المتحدة والعالم كله مرة أخرى.