السلطان الذي أنقذ عُمان

21 يناير 2026
21 يناير 2026

نتحدث عن المقال الذي نُشر في مجلة: السياسة الخارجية (Foreign Policy) بعنوان «المدير الملك الذي أنقذ عُمان» في يناير من هذا العام، للصحفي والمحلل السياسي بوبي غوش.

المحلل قدم قراءة تحليلية عن جوانب التغيير خلال مدة تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه - مقاليد الحكم في البلاد.

المقال يقدم حججًا تتجاوز السرد التحليلي للأحداث السياسية التي تعودت عليها المجلة، إلى الإبحار في منهج الإدارة الاقتصادية حيث وصف الكاتب السلطان هيثم بأنه «المدير الملك».

هذا الوصف يسرد في طياته نمط انتقال إدارة الدولة من الحكم المستمد بالكاريزما الفردية في مرحلة حكم السلطان قابوس - طيب الله ثراه - إلى طريقة الحكم المؤسسي التي طبقها السلطان هيثم لمواجهة التحديات التي عصفت بالبلاد خلال المدة الماضية. تلك القيادة المؤسسية تتطلب تطبيق معايير الكفاءة والشفافية وقياس الأداء بعيدًا عن الشعارات والصخب الإعلامي.

بدأ الكاتب حديثه عن المدة التي تقلد فيها جلالته مقاليد الحكم قبل ستة أعوام وكانت تعصف بالبلاد تحديات اقتصادية جسام، من ذلك أن الدولة كانت تئن تحت وطأة الديون العامة التي تجاوزت نسبتها (70 %) من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن مع احتفال سلطنة عُمان بالذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان مقاليد الحكم، تبدل الحال وأصبحت المؤشرات الاقتصادية للنمو يتحدث عنها البعيد قبل القريب.

هنا سلطنة عُمان لا تستعرض عضلاتها ببناء الأبراج أو ناطحات السحب، كما يحدث في بعض الدول ولكن تعمل بهدوء ومتابعة الأداء عن طريق لوحة مؤشرات وطنية يديرها «المدير الملك»، حيث كان هناك عمل ملهم تم من خلاله تقليص حجم الدين العام إلى مستويات آمنة مع زيادة حجم الاستثمارات الأجنبية.

والآن تعمل سلطنة عُمان على أن تكون رائدة في المنطقة في مجال الهيدروجين الأخضر الذي بدأ يحدد معالم المرحلة القادمة حيث يعتبر بديلا من بدائل التنويع الاقتصادي. سلطنة عُمان بقيادة «المدير الملك» تعطي دروسا بأن العبرة ليس فقط بحجم الاحتياطيات النفطية والمالية ولكن بحجم إلهام القيادة الرشيدة التي لا تعرف المستحيل.

في المحور الاقتصادي، رسم الكاتب لوحة من أرض الواقع للفترات المفصلية التي مرت بها سلطنة عُمان، وأن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم أتقن بكفاءة دور القائد «المنقذ» لكي يحافظ على الاقتصاد الوطني في أوقات صعبة للغاية.

حيث أدار جلالته شؤون الدولة في ظل تداعيات جيوسياسية ومالية بالغة التعقيد، بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط وأزمة كوفيد - 19- التي أدت إلى الشلل الاقتصادي على المستوى العالمي. في تلك المدة برزت شخصية السلطان «المدير الملك» الذي لم يأخذ بالحلول الوقتية وزيادة معدلات الاستدانة غير المدروسة، ولكنه سلك مسار إصلاحي في تلك الفترة تمثلت في خطة «التوازن المالي».

تلك الخطة تضمنت قرارات حاسمة تمثلت في إيجاد ضريبة القيمة المضافة، وإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة بدمج بعض الوزارات والهيئات الحكومية مع تنظيم جوانب الدعم الحكومي للكهرباء وأيضا الإحالة للتقاعد المبكر.

تلك الإصلاحات وإن كانت صعبة في نظر المجتمع، فإن الكاتب يرى بأنها تدل على الشجاعة السياسية المنقطعة النظير حيث وضعت المصلحة العليا للدولة والاستدامة المالية ـ بتقليص الإنفاق الحكومي ـ فوق كل الاعتبارات.

تلك الإصلاحيات الاقتصادية وبعد ست سنوات من تنفيذها أصبح لسلطنة عُمان رؤية طويلة المدى وخطط استراتيجية متوسطة المدى وبرنامج للاستدامة المالية أكثر صلابة في مواجهة التداعيات الاقتصادية المستقبلية.

أما فيما يخص شخصية جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم كما يراها كاتب المقال، فهو نموذج فريد للقيادة الهادئة التي تفضل الأفعال على الأقوال وبالتالي، الخلفية الدبلوماسية والثقافية للسلطان من خلال الخبرات العملية التي اكتسبها أثناء إدارته لوزارة التراث والثقافة وعمله بوزارة الخارجية أعطته بعدا عميقا لفهم التوازنات الدولية التي تتسم بالتعقيد مع الحفاظ على الهوية الوطنية العمانية.

جلالة السلطان ليس مجرد حاكم، بل مخطط استراتيجي يعلم بأن قوة أية دولة تكمن في متانة اقتصادها وفعالية مؤسساتها. كما يشير الكاتب إلى أن السلطان مراقب دقيق للأحداث الدولية ومستمع جيد، لديه تنوع من المستشارين كما أعطى صلاحيات تنفيذية للوحدات الحكومية لتحقيق الأهداف الوطنية التي رسمها في رؤية «عُمان 2040».

صفات القيادة الرشيدة هي التي أعطت رسالة اطمئنان للمجتمع الدولي بأن سلطنة عُمان شريك اقتصادي موثوق بها نظرا لما تتمتع به من الاستقرار السياسي، حيث إن الدولة لديها رؤية واضحة للغايات التي تريد تحقيقها في المستقبل. كما أن الانتقال السلس للسلطة، وتطبيق نهج الإدارة بالأهداف والنتائج أعطى ارتياحا على المستوى الدولي بأن سلطنة عُمان، دخلت عهدا جديدا من النهضة المتجددة قائمة على منهجية مؤسسية في قيادة الدولة.

وإن كان الكاتب قدم حججه في المقال بناء على معطيات اقتصادية ومالية، إلا أنه لم يوفق بعض الشيء في جوانب أخرى.

فهناك مساحة واسعة للنقد المهني وحرية الرأي والتعبير في سلطنة عُمان في شتى وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يوجد تضييق أو ملاحقات قانونية طالما لم يخرج الكاتب عن مقتضيات القانون بالإساءة لأي فرد كان.

ولعل المحلل السياسي بوبي غوش لم يعايش الأحداث المحلية فهناك من أبناء الوطن ممن ـ غُرر بهم ـ قامت الدولة باحتضانهم، وعادوا إلى أهاليهم سالمين غانمين. فالدولة تسمو في تعاملها مع أبناء الوطن من قبيل العفو عند المقدرة.

أيضا في إشارته لملف الباحثين عن العمل، يكاد لا يخلو اجتماع لمجلس الوزراء إلا ويتم التطرق إلى المبادرات الحكومية لتسريع إيجاد وظائف للعمانيين بالقطاعات المختلفة وخير دليل ما تم الإعلان بالخطة الخمسية الحادية عشرة من توفير وظائف تصل إلى (60) ألف وظيفة سنويا.

الكاتب أشار إلى معدل الباحثين حيث أصاب في النسبة المتعلقة بالشباب من الباحثين عن العمل وهي في حدود (15 %) ولكن للتوضيح بأن تلك النسبة ليست النسبة العامة لإجمالي أعداد الباحثين عن العمل، وإنما للفئة العمرية من (15 إلى 24) سنة.

كما أن معدل الباحثين من الإناث (الشابات) ليس كما ذكرها الكاتب (30 %) ولكنها في حدود (17.7 %) لنفس الفئة العمرية طبقا لبيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. وبالتالي بعضا من تلك الإحصاءات التي ذكرها الكاتب، لا تعطي صورة صحيحة عن معدلات الباحثين عن العمل بصورة دقيقة.

هناك أهمية بالغة لهذا المقال المنشور في مجلة السياسة الخارجية، حيث يعتبر إشادة دولية من جهة محايدة للمنهجية العمانية التي على أساسها تتم بها إدارة شؤون الدولة الاقتصادية.

المجلة تعتبر مرجعًا للسياسيين وصناع القرار والأكاديميين. وتعطي رسالة إيجابية إلى الأسواق العالمية بأن البيئة الاستثمارية بسلطنة عُمان أصبحت أكثر أمانا وشفافية وأن الدولة لديها بيئة تشريعية متطورة.

على الصعيد المحلي فإن ما ورد في المقال يُسهم في معرفة التضحيات التي تم إنجازها في جوانب الإصلاح الاقتصادي حيث كانت محل إشادة وتقدير عالمي الأمر الذي يعزز الثقة في متانة الاقتصاد الوطني.

خلاصة القول فإن مقال، بوبي غوش في مجلة السياسة الخارجية يساعد على التعريف للعالم بأن هناك قيادة عمانية تجمع بين علوم الإدارة الحديثة وأن التوصيف الذي اختاره الكاتب ـ «المدير الملك» ـ الذي أنقذ عُمان في أصعب أوقاتها الاقتصادية، عبارة عن قصة نجاح ملكية سوف ترافق جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في السرديات الغربية باعتباره قائدًا فذًا، استطاع خلال ستة أعوام من تقلده الحكم، المضي بالدولة إلى بر الأمان مع تحويل التحديات إلى قصص من النجاح والنمو الاقتصادي وأيضا الإشادة العالمية.