بقايا المطبعة السلطانية في زنجبار

21 يناير 2026
21 يناير 2026

أعادتْني صورٌ عن بقايا المطبعة السلطانية في زنجبار، وهي مهملة ومرمية على شاطئ البحر، إلى كلمات نقلها لي الصديق عبد الوهاب بن سليمان البوسعيدي، الذي كان يستمع إلى شرح لأحد المرشدين السياحيين في زنجبار لمجموعة من الشباب الخليجيين عن مآثر العُمانيين هناك، فعلق أحدُهم: «لو أننا زرعنا هنا مجرد شجرة، كنا شغلنا العالم بها، لكن الغريب أنّ العُمانيين صامتون»!.

أظنُ أنّ تعليق هذا الشاب الخليجي لم يذهب بعيدًا عن الواقع، وقد لخص الكثير ممّا يجب أن يقال، فكم من أثر عُماني تُرك ليواجه مصيره دون اهتمام، مثل بيت «مامبو مسيجي» التاريخي، الذي اشتراه أحد المستثمرين. والمطبعةُ السلطانية في زنجبار إحدى هذه الآثار التي أهملت، وهي من أهمِّ آثار النهضة الثقافية والحضارية، وبصمة من بصمات السلطان برغش بن سعيد، ورمزٌ لمرحلة من الوعي والتنوير، ومحاولة جادة من السلطان لإرساء دعائم المعرفة في شرق إفريقيا.

تأسست المطبعة السلطانية في زنجبار عام 1882م. جاءت خطوة تأسيسها في سياق مشروع ثقافي طموح هدف إلى تعزيز التعليم ونشر المعرفة في زنجبار والمناطق المجاورة. وكانت المطبعة الأولى في شرق أفريقيا، وأسهمت في طباعة الكتب الدينية، والوثائق الرسمية، والمراسلات الحكومية، وبعض الصحف والمجلات التي شكلت نواة للصحافة العُمانية، ممّا يدل على الرؤية الحضارية والسياسية والثقافية لدى السلطان برغش لترسيخ الهوية العربية، وتوسيع دائرة الوعي، وربط زنجبار بالعالم العربي والإسلامي من خلال الكلمة المطبوعة، وهو الذي تحقق فيما بعد بالفعل.

منذ عام 1882، وحتى عام 1964، أي على مدى اثنين وثمانين عامًا، طبعت المطبعة العديد من الكتب والمراسلات السلطانية، ولم تتوقف عن العمل إلا بعد الانقلاب، لأنّ الكتب العربية كانت محظورة ومكروهة من قبل الانقلابيين.

وخلال توقفها عن العمل لم تحظ بأيِّ عمليات صيانة أو توثيق كافٍ، إلى أن انتهى بها المطاف كقطع متناثرة على الشاطئ بالقرب من بيت المرهوبي، عرضة للتآكل والنسيان، وبقي بيت المطبعة في المدينة الحجرية، فارغًا من كلِّ شيء، كما شاهدتُه ورفيق رحلتي إلى زنجبار سيف بن سعود المحروقي، في شهر ديسمبر 2025، في غياب تام عن الوعي بقيمة الرموز الثقافية والتاريخية، وبما مثلته المطبعة بالذات. قد يرى البعض أنه لا فائدة للاهتمام ببقايا المطبعة الآن، لكن الواقع يخبرنا أنّ هناك العديد من المطابع التاريخية حول العالم، حوفظ عليها وحولت إلى متاحف متخصصة في تاريخ الطباعة، ومن أبرزها في العالم العربي مثلا، مطبعة الخنشارة في لبنان والتي تقع في «دير القديس يوحنا الصابغ» في بلدة الخنشارة، وقد تحولت الآن إلى متحف يضم الأدوات والآلات الأصلية التي استُخدمت في الطباعة حينها، ومطبعة دير قزحيا في لبنان أيضًا التي تضم أقدم مطبعة في العالم العربي تعود لعام 1585. وفي مصر هناك مطبعة بولاق التي تُعرف رسميًّا بـ «المطبعة الأميرية»، أنشأها محمد علي باشا عام 1820. توجد مقتنياتها حاليًّا في متحف تاريخ الطباعة بمكتبة الإسكندرية، الذي يضم آلات طباعة أصلية تعود لعهد محمد علي.

وعالميًّا هناك متحف بلانتين- مورتوس في بلجيكا، والذي يقع في مدينة أنتويرب، وهو الموقع الوحيد في العالم المخصص للمطابع، الذي أُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وهناك متحف غوتنبرغ في ألمانيا يقع في مدينة ماينتس، ويُعدّ واحدًا من أقدم متاحف الطباعة في العالم، حيث يضم نماذج لآلات الطباعة القديمة. أما في اليابان فهناك متحف الطباعة في طوكيو الذي يضم مجموعة هائلة تزيد عن 70 ألف قطعة، تشمل أدوات وآلات طباعة من مختلف العصور والثقافات، بما في ذلك أقدم المواد المطبوعة في العالم.

عندما زار رئيس تحرير جريدة عُمان الأسبق الأستاذ حمود بن سالم السيابي مبنى صحيفة «دي فيلت» الألمانية في الخامس من يونيو 2025، كتب أنّ أحد موظفي الاستقبال في فندق «رينيسانس» الذي ورث مبنى «دي فيلت» أدخله ونجليه مازن والهيثم قاعة فسيحة بالدور الأرضي كانت تتوسطها مطبعة «دي فيلت»، التي تحولت اليوم إلى زوايا وجلسات وكؤوس وأطباق، بعد أن انتقلت المطبعة وجريدتُها لحواضر ألمانية أخرى، إلا أنّ حيطان المنزل الأول لـ«دي فيلت» احتفظت بصناديق حروف الطباعة وبمختلف الأحجام والأشكال لتشير لبداية «دي فيلت» وهي ذات بدايات الزمن الصحفي الأول، والتي تعتمد على النضد اليدوي للأحرف. يقول إنه جلس قبالة طاولة وعليها بعض الأحرف والأشكال لزمن صحفي آفل، واقترب من الصناديق ليتحسس الصدأ الذي استبقاه الزمن على حروف كرَّرتْ أسماء المنتصرين والمنهزمين من قادة الحرب العالمية الثانية.

هذه نماذج عربية وعالمية للاهتمام بالمطابع التاريخية، تدعونا إلى أن نحذو حذوهم في الحفاظ على بقايا المطبعة السلطانية في زنجبار، التي ترقد الآن على شاطئ البحر، كقطع معدنية صدئة لا تلفت انتباه المارّة، - كما أشرتُ سابقًا -.

ومن سيقول إنها مجرد خردة مهملة، سأرد عليه بأنها تحمل بين طياتها قصة من صفحات التاريخ العُماني في شرق أفريقيا، فماذا لو رأينا هذه القطع في متحف عُمان عبر الزمان أو في أيِّ متحف عُماني آخر مثلًا؟! وما الذي يمنع أن نهتم بها - حتى وهي هناك - للحفاظ عليها وعلى تاريخها؟

لدينا في عُمان متاحف وجهات عدة مهتمة بالتراث والثقافة، والأمر لا يحتاج إلا إلى عزم وجهد بسيط جدًا يعيد تسليط الضوء على هذا الإرث الثقافي والحضاري للحفاظ على بقاياه، خاصة وأنّ هناك علاقة جيدة تربط بين عُمان وزنجبار.

إذا كان صحيحًا أنّ الفرد وحده لا يستطيع أن يفعل شيئا، فإنّ الصحيح أيضًا أنّ الشرارة قد تنطلق من مجرد فكرة وتنبيه، وهذا ما نرجوه من القائمين على أمور التراث والثقافة في عُمان، بل إنّ الأمر لا يجب أن يقتصر على الجهات الرسمية فقط، فدورُ الأفراد مطلوبٌ أيضًا لأنّ بقايا تلك المطبعة السلطانية شاهد حي على مرحلة مهمة من تاريخ العُمانيين الثقافي والسياسي في زنجبار، والذي يختزله البعض في تجارة للرقيق.

يبقى أنّ نقول إنّ ترك بقايا تلك المطبعة فريسة للإهمال هو تفريط في إرثنا وهويتنا، بينما العناية بها وفاء للماضي واستثمار في المستقبل أيضًا.