الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي
21 يناير 2026
21 يناير 2026
أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شهر ديسمبر الماضي 2025 وثيقتها الجديدة الشاملة للأمن القومي الأمريكي والتي ركزت على مبدأ «أمريكا أولًا» وتختلف هذه الاستراتيجية عن سابقاتها، حيث تولي اهتمامًا كبيرًا بالمجال الحيوي للولايات المتحدة الأمريكية والمتمثل في أمريكا الجنوبية أو العودة إلى « نظرية مونرو» فيما يتعلق بالنصف الغربي من الكرة الأرضية الذي سيحتل الأولوية القصوى في التوجهات الأمريكية الجديدة.
وكان قد سبق صدور هذه الوثيقة تغيير مسمى وزارة الدفاع الأمريكية إلى «وزارة الحرب» ورفع ميزانيتها إلى ما يقارب تريليون دولار سنويا.
وتهدف هذه الاستراتيجية بشكل أساسي إلى ضمان بقاء الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأقوى اقتصاديا وعسكريا والأكثر ازدهارًا في تاريخ البشرية.
ومن أجل تحقيق هذا الطموح الكبير المتمثل في المحافظة على قوة الولايات المتحدة الأمريكية ومكانتها السياسية والاقتصادية وتفوقها العسكري ودورها الريادي في العالم، فقد تم وضع عدة أهداف في هذه الوثيقة، أهمها:
أولا: منع الهجرة عبر الشرعية والسيطرة على الحدود الأمريكية.
ثانياً: أن يكون جيش الولايات المتحدة الأمريكية الأقوى عسكريًا وتكنولوجيًا وأن يمتلك قوة ردع نووية حديثة وقدرات دفاع صاروخية قادرة على حماية الأراضي الأمريكية.
ثالثًا: أن تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية أقوى قاعدة صناعية عسكرية ومدنية في العالم مع تطوير الاقتصاد الأمريكي ليبقى محافظًا على مكانته الأكبر والأقوى عالميا.
رابعًا: تركيز عمل السياسة الخارجية الأمريكية على المصالح الجوهرية للولايات المتحدة الأمريكية.
خامسًا: المحافظة على القوة الناعمة الأمريكية وجعلها الأكثر تأثيراً في العالم.
سادسًا: استعادة وتجديد الصحة الروحية والثقافية للولايات المتحدة الأمريكية والتي لا يمكن دونها تحقيق أمن طويل الأمد.
المبادئ التي تقوم عليها هذه الاستراتيجية:
1 - سياسة خارجية تقوم على أولوية المصالح الأمريكية أو «أمريكا أولًا».
2 - المحافظة على السلام من خلال امتلاك القوة الرادعة لمنع تهديد المصالح الأمريكية والعمل على حل النزاعات الدولية سلميا.
3 - الميل إلى عدم التدخل المباشر في النزاعات ألا للضرورة القصوى.
4 - التعامل بمرونة وواقعية مع مختلف دول العالم والسعي إلى إقامة علاقات جيدة معها.
5 - قيام الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها في وجه أي تدخلات أو تهديدات عابرة للحدود وذلك باتباع مبدأ «فرض السيادة والاحترام».
6 - العمل مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها للحفاظ على توازن القوى على المستويين الإقليمي والدولي وعدم السماح لأي دولة بالهيمنة إلى الدرجة التي تهدد فيها المصالح الأمريكية.
7 - العدالة في التعاملات التجارية مع الدول الأخرى وعدم السماح باختلالات تلحق الضرر بالاقتصاد الأمريكي.
8 - الاهتمام بالكفاءات والعقول الأمريكية المبدعة.
وتتمثل أولويات هذه الاستراتيجية في التصدي للهجرة الجماعية غير الشرعية، وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطن الأمريكي، وكذلك تقاسم الأعباء والمسؤوليات مع الحلفاء وخاصة نفقات الدفاع في حلف شمال الأطلسي وذلك بتخصيص جميع الدول الأعضاء 5٪ من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، وأيضًا تعزيز النفوذ العالمي للولايات المتحدة الأمريكية وفتح أسواق جديدة للمنتجات الأمريكية، والعمل على إنهاء الصراعات في مناطق مختلفة من العالم، وإعادة دمج الدول التي تتم مساعدتها على استتباب الأمن والاستقرار فيها للتعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة.
وتضمنت الاستراتيجية الجديدة العمل على تقليص العجز التجاري مع الدول الأخرى، وتأمين الوصول إلى سلاسل الإمداد وخاصة المعادن والمواد الأساسية اللازمة للأمن القومي الأمريكي، وأيضًا توطين الإنتاج الصناعي على الأراضي الأمريكية، واستقطاب الاستثمارات الخارجية مع التركيز على القطاعات التكنولوجية النادرة، بالإضافة إلى تطوير الصناعات العسكرية والحربية لتوفير أسلحة منخفضة التكاليف ومتفوقة على بقية المنظومات في العالم وقادرة على هزيمة الأعداء ودحرهم.
تناولت الاستراتيجية كذلك ضرورة استعادة الهيمنة الأمريكية في مجال الطاقة العالمي (النفط، الغاز، الفحم، الطاقة النووية )، وقد اتضح ذلك جليًا بعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا واعتقال الرئيس مادورو، وما تلاها من تفاهمات بين الجانبين.
وفي القطاع المالي الأمريكي فقد أكدت الوثيقة على ضرورة الحفاظ على ركائز النفوذ المالي الأمريكي وخاصة في مجالات أسواق الأسهم والمال والسلع بما يخدم أهداف الأمن القومي الأمريكي، وتطرقت الوثيقة كذلك إلى الاهتمام بالدبلوماسية الاقتصادية من خلال تعاون الحكومة الأمريكية مع القطاع الخاص، وأن تقوم سفارات الولايات المتحدة في الخارج باستكشاف الفرص المتاحة في الدول التي تعمل بها لمساعدة الشركات الأمريكية للحصول على فرص استثمارية تنافسية وخاصة في النصف الغربي من الكرة الأرضية (أمريكا اللاتينية).
وفيما يتعلق بجمهورية الصين الشعبية فقد أكدت الاستراتيجية على أهمية إعطاء الأولوية للمعاملة بالمثل في التعاملات التجارية معها والحفاظ على علاقات ذات منفعة حقيقية متبادلة بين الجانبين، بما يحافظ على قوة الاقتصاد الأمريكي ومكانته كأكبر اقتصاد في العالم، وقد تؤدي هذه الخطة إلى نمو الاقتصاد الأمريكي من 30 تريليون حالياً إلى 40 تريليون دولار خلال عشر سنوات.
ولم يرد في الوثيقة ذكر الصين باعتبارها عدوا أيديولوجيًا وجوديًا للولايات المتحدة كما كان واردًا في إستراتيجية الرئيس السابق جو بايدن في عام 2022.
ولم تتطرق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إلى روسيا باعتبارها تشكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي، بل تناولت بشكل سريع أهمية تحقيق السلام في أوكرانيا.
ويعتبر التوجه الأمريكي الجديد تجاه الصين وروسيا بداية انفراجة في العلاقات الأمريكية معهما وقد يساعد ذلك من خلال الحوار على تحقيق استقرار استراتيجي في العالم إذا لم تحدث أية مفاجئات غير محسوبة.
وأبقت الوثيقة على ضرورة تعزيز التعاون الدفاعي مع أوروبا على قاعدة تحمل الشركاء الأوروبيين أعباء مالية أكبر في موازنة حلف الناتو مع أهمية دعم التعاملات التجارية بين الجانبين، وانتقدت الوثيقة بشكل لاذع تراجع الهوية الحضارية الأوروبية ووصفتها بانها قد تتعرض «لمحو محتمل» هذا بالإضافة إلى تراجع حصة أوروبا في الناتج الإجمالي العالمي من من 25٪ عام 1990 إلى 14٪ حالياً.
وقد اعتبر عدد من المحللين في الاتحاد الأوروبي بأن ما ورد في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة يشكل تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية تجاه الاتحاد الأوروبي، ولم يعد الأوروبيون يثقون بالحماية العسكرية والمظلة النووية الأمريكية التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، بل وذهب البعض إلى دعوة دول الاتحاد الأوروبي للاعتماد على نفسها وبناء قوة عسكرية أوروبية مستقلة.
وفي حال نفذ الرئيس الأمريكي تهديداته بضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر وارد الحدوث لأسباب متعددة، فإنه سيزداد الشرخ بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية تعمقًا.
الشرق الأوسط في الاستراتيجية الجديدة:
تمت الإشارة في الوثيقة إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية منحت الأولوية في عملها لمنطقة الشرق الأوسط منذ ما لا يقل عن نصف قرن وذلك لأسباب معروفة أهمها التنافس بين القوى العظمى آنذاك على هذه المنطقة التي كانت الموّرد الرئيسي للطاقة في العالم.
حاليًا تراجع الاهتمام الأمريكي قليلًا بهذه المنطقة، حيث أصبحت الولايات المتحدة من مصدّري الطاقة في العالم، هذا بالإضافة إلى تغير موازين القوى العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
وترى الوثيقة بأن الأخطار في هذه المنطقة أصبحت اقل بعد حرب الـ 12 يومًا مع إيران والتي أضعفت بشكل كبير برنامجها النووي، بينما لا يزال الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي معقدًا مع وجود بوادر أمل بفضل مبادرة وجهود الرئيس ترامب بهذا الشأن وخاصة تجاه قطاع غزة، بالإضافة إلى الجهود الإقليمية والدولية لدعم استقرار سوريا لاستعادة مكانتها كطرف فاعل في المنطقة.
وأشادت الوثيقة بزيارة الرئيس ترامب إلى دول الخليج العربي في مايو 2025، ونتائجها المثمرة على التعاون بين الجانبين خاصة في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية والدفاعية بالإضافة إلى مجالات النفط والغاز، وتضمنت الوثيقة أهمية الشراكة بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة، واحترام الأخيرة لأنظمة الحكم في هذه الدول وتقاليدها المتوارثة، مع أهمية بقاء الممرات المائية مفتوحة للتجارة والعبور الآمن، وألا تقع هذه المنطقة تحت هيمنة أي قوى معادية للولايات المتحدة الأمريكية.
يرى العديد من المراقبين والمتابعين للشأن السياسي والاستراتيجي العالمي بأن هذه الوثيقة تعتبر تحولًا تاريخيًا واستراتيجيًا للأمن القومي الأمريكي وتركز على مبدأ جوهري وهو «أمريكا أولًا» من خلال تحقيق أكبر قدر من المصالح بأقل الخسائر والتكاليف الممكنة، وتبتعد هذه الوثيقة عن المفاهيم الأيديولوجية والفكرية التي سادت في العقود السابقة، وتعمل على التوازن بين القوة وضبط النفس انطلاقًا من مبدأ «السلام من خلال القوة» وتنظر هذه الاستراتيجية إلى الشرق الأوسط من زاوية الفرص الاستثمارية والاستقرار الإقليمي، مع بقاء الدعم الاستراتيجي لإسرائيل وضمان أمنها وتفوقها في المنطقة.
إن هذه الاستراتيجية الطموحة والواقعية (من منظور أمريكي) من المؤمل أن تعمل على الاحتواء وعدم الصدام ومحاولة حل النزاعات الدولية وتحقيق السلام والاستقرار والرخاء المنشود في المناطق الملتهبة من العالم ومنها الشرق الأوسط، الذي يحتاج إلى نظرة أمريكية مختلفة وعادلة لإطفاء نيران الحروب وتحقيق السلام العادل والشامل فيها، بعيدا عن نهج رئيس وزراء إسرائيل الحالي الهادف إلى إشعال المزيد من نيران الحروب والفتن الطائفية والمذهبية ودعم النزعات الانفصالية في عدد من دول هذه المنطقة لإضعافها وإعادة تقسيمها والهيمنة عليها.
ذلك النهج العبثي سوف يعرض هذه المنطقة للمزيد من الدماء والدمار ويهدد المصالح الأمريكية فيها.
