كيف سيدير ترامب «مجلس السلام»؟
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
يبدو أن الجميع حرفيا تلقى دعوة للانضمام إلى ما أطلق عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اسم «مجلس السلام». المملكة العربية السعودية، وتركيا، ومصر، والمغرب، وعدد كبير من الدول الأخرى قبلت الدعوة، غير أن ترددا واضحا ما زال يخيم على مواقف الدول الغربية من المشاركة. هذا التردد لا يرتبط بغزة، وإنما بالشكوك الأوروبية العالقة إزاء سياسة ترامب بشأن جرينلاند وأوكرانيا.
ومع تحديد رسم دخول المجلس قدره مليار دولار، ومع الشكوك في أن المشاركة قد تعني الانخراط في مشروع مرتجل يهدف إلى تهميش منظمة الأمم المتحدة، فلا غرابة في أن هذه الدول لا تبدي استعجالا للانضمام.
يحظى «مجلس السلام» بدعم مجلس تنفيذي تأسيسي يضم مجموعة من الشخصيات التي أنكرت وقوع إبادة جماعية في غزة، أو ما زالت تنكرها، ومن بينهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر إضافة إلى شخصيات مثل مارك روان المموّل في وول ستريت الذي مارس ضغوطا على الجامعات الأمريكية؛ لدفعها إلى حظر التظاهرات المؤيدة لفلسطين. ويجمع هؤلاء أيضا افتقارٌ عميق للمعرفة بالشرق الأوسط.
الشخص الوحيد في المجلس التنفيذي الذي يمتلك خبرة في المنطقة – إذا كان يمكن وصف غزو العراق وإشعال حرب أهلية مدمرة استمرت سبع سنوات بـ«الخبرة» - هو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
غير أن بلير لا يمثل أحدا سوى نفسه، وقد حرصت الحكومة البريطانية على توضيح ذلك عبر النأي بنفسها عن رئيس وزرائها السابق.
في نوفمبر حين طُرح اسم بلير للمرة الأولى قال جوناثان باول مستشار الأمن القومي الحالي ورئيس ديوان بلير السابق في مقر رئاسة الوزراء في حديث خاص: إن بلير لا يمثل الدولة البريطانية. ووفق مصدرين مطّلعين تحدثا إلى صحيفة «ميدل إيست آي» بشرط عدم الكشف عن هويتهما؛ فقد مارس باول ضغوطا نشطة ضد ترشيح بلير. ويعكس موقف باول بدقة رؤية ما يُعرف بـ«الدولة العميقة» التي لا تُخفي ازدراءها لمحاولات بلير المتكررة للعودة إلى واجهة المشهد الدولي.
وقد قال مصدر مطلع على طريقة التفكير داخل وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية: «هذا توصيف دقيق تماما. المسألة ليست موضع نقاش أصلا. بلير لا يشغل أي منصب داخل الحكومة البريطانية. أنشطته في إطار معهد توني بلير تتم بصفته مواطنا. هذا لا يعني عدم وجود تواصل، لكنه لا يمثل الدولة البريطانية. كنت سأُفاجأ لو ادعى أحد عكس ذلك». وبحسب المصدر فإن «الحديث عن كون توني بلير داخل المنظومة أو خارجها يظل سؤالا ملتبسا؛ لأن نفوذه السياسي لم ينقطع فعليا بعد خروجه من رئاسة الحكومة. إلا أن المشكلة الأكبر في رأي المصدر أن بقية أعضاء المجلس أسوأ حالا منه، مثل كوشنر وويتكوف وروبيو؛ إذ يفتقر معظمهم إلى أي إلمام جدي بالقضية الفلسطينية».
كير ستارمر -الذي شارك قبل توليه رئاسة الحكومة في التظاهرات ضد حرب العراق وعدها غير قانونية حتى عام 2020- تجنّب تأييد بلير ليكون ممثل بريطانيا في مجلس ترامب. ووصف ستارمر بلير بأنه «قائد عظيم» وبأنه قادر على تقديم «إسهام كبير» في مجلس السلام، لكنه رفض مرارا تأييده لتولي هذا الدور. تواصلت صحيفة «ميدل إيست آي» مع مكتب رئاسة الوزراء بشأن تصريحات باول، لكنها لم تتلق أي رد حتى وقت النشر، كما رفضت وزارة الخارجية التعليق.
ويوم الاثنين قال ستارمر: إن بريطانيا تُجري محادثات مع حلفائها بشأن «مجلس السلام». وبحسب ميثاق «مجلس السلام» الذي وضعه ترامب؛ فإن كل عضو في المجلس التنفيذي سيكون مسؤولا عن حقيبة محددة ما يمنحهم سلطة فعلية على غزة بخلاف هيئة تنفيذية ثانية أدنى بكثير في هرم القيادة، ولا تمتلك أي صلاحيات.
وتُعرف هذه الهيئة على نحو يثير الالتباس باسم «المجلس التنفيذي لغزة». وهي تضم أربعة من أصل سبعة أعضاء في المجلس التأسيسي مع إضافة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والوزير القطري علي الثوادي، واللواء حسن رشاد رئيس جهاز الاستخبارات المصرية. هؤلاء الرجال على دراية بغزة.
وقد حدّد بيان صادر عن البيت الأبيض مهمتهم على النحو التالي: إن المجلس «سيساعد في دعم حوكمة فعّالة وتقديم خدمات من الطراز الأول تعزز السلام والاستقرار والازدهار لشعب غزة». وهي صياغة يمكن أن تعني كل شيء، أو لا تعني شيئا.
لا يمكن تفسير دوافع تركيا والسعودية للبقاء داخل مظلة ترامب بأنه دليلٌ على الرضوخ؛ فمعارضتهما لسياسة إسرائيل القائمة على مواصلة الإبادة في غزة -وإن بوتيرة أبطأ- واضحة. كما أن شكوكهما في أن ويتكوف وكوشنر وترامب يتشاركون الرؤية الأيديولوجية نفسها مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم تتبدد. إنّ خطتهما تقوم على الإبقاء على موطئ قدم في غزة، والضمانة الوحيدة لوقف التطهير العرقي الإسرائيلي تكمن في وجود قوات تركية على الأرض، وهو أمر تعهّد نتنياهو مرارا برفضه.
وهكذا يبدو «مجلس السلام» بصورة متزايدة ساحة معركة جديدة ستُعاد فيها خوض القضايا القديمة.
ولترجيح كفة ميزان القوى لصالح إسرائيل يقف إلى جانب المجلس حشد من المستشارين الذين يحملون سجلات حديثة شديدة الإشكالية. يحمل هذا الترتيب تاريخا شديد الإشكالية. نيكولاي ملادينوف الدبلوماسي البلغاري سيتولى منصب «الممثل الأعلى» لغزة، وهو توصيف قد يعني -وفق مصطلحات الاتحاد الأوروبي- وزير خارجيتها. وإلى جانبه مجموعة من «المستشارين» الذين تحيط بسيرهم الحديثة إشكاليات عميقة.
ومن بين هؤلاء رجل الأعمال والحاخام آرييه لايتستون المدافع المتشدد عن المستوطنين، والذي كان منخرطا بقوة في إنشاء آلية توزيع المساعدات المدعومة إسرائيليا المعروفة باسم «مؤسسة غزة الإنسانية»، وهي آلية إغاثة أنشئت بإشراف إسرائيلي؛ حيث قُتل أكثر من ألفي فلسطيني بالرصاص الحي في مواقعها. وفي أسفل هذا الهرم يقبع ما يُفترض أنه «الحكومة التكنوقراطية» المكلفة بإدارة غزة. ولم ينجح من الأسماء التي طرحتها الفصائل الفلسطينية سوى اسمين فقط في الوصول إلى القائمة.
أما الشخصية الأكثر إثارة للمشكلات فهي الرجل المكلف بملف الأمن. سامي نسمان الضابط الأمني الكبير المتقاعد في أجهزة السلطة الفلسطينية حُكم عليه غيابيا بالسجن 15 عاما من قبل محكمة في غزة بتهمة التحريض على «الفوضى» والتخطيط المزعوم لمحاولات اغتيال قادة في حركة حماس بحسب ما أفادت صحيفة «الشرق الأوسط». ومنذ ذلك الحين يعيش نسمان في المنفى، ومن غير المرجح أن يعود في المستقبل القريب.ومع وجود هذه التشكيلة من الشخصيات يصبح من الصعب تصور أن تسير الأمور على نحو سليم.
أعلن ويتكوف المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بالطريقة نفسها التي أعلن بها وقف النار ذاته واضعا كامل المسؤولية على عاتق حركة حماس. وقال في بيانه: إن المرحلة الثانية تتعلق بنزع السلاح الكامل من غزة، «وخاصة نزع سلاح جميع الأفراد غير المخولين» مؤكدا أن الولايات المتحدة تتوقع امتثال حماس الكامل، ومضيفا أن «الفشل في ذلك سيترتب عليه عواقب خطيرة».
لم يتضمن البيان كلمة واحدة عن التزام إسرائيل بالانسحاب من «الخط الأصفر» الذي تواصل التقدم منه؛ إذ باتت تحتل الآن أكثر من 60 في المائة من أراضي قطاع غزة. كما لم يعترف ويتكوف بأكثر من ألف خرق لوقف إطلاق النار، ولا بمقتل ما يصل إلى 450 فلسطينيا منذ توقيع الاتفاق في أكتوبر. وجاء بيان توني بلير بنبرة مماثلة.
فخطة ترامب ذات العشرين نقطة لإنهاء الحرب في غزة وفق بلير تمثل إنجازا استثنائيا معلنا أن الحرب قد انتهت.
سيكون هذا خبرا جديدا على غزة التي تعاني إلى جانب الغارات الجوية الإسرائيلية اليومية ويلات لا تُحصى من فيضانات وأقسى شتاء تشهده منذ سنوات إلى تدمير أكثر من مائة ألف خيمة.
ولا تزال إسرائيل تحرِمُ غزة من الغذاء ومن مساعدات إعادة الإعمار التي تحتاجها. كما تواصل تشددها في منع حركة العبور الثنائية عبر معبر رفح إلى درجة أن مصادر أفادت بأن اللجنة التكنوقراطية الجديدة المسماة «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» ستضطر إلى عقد اجتماعاتها في القاهرة وليس داخل غزة.
إنها أشبه بعالم بديل؛ فقد انتهكت إسرائيل باستمرار شروط وقف إطلاق النار، سواء عبر غاراتها الجوية أو إخفاقها في الالتزام بالخط الأصفر. غير أن بلير يعيش في عالم آخر: عالم لم تقع فيه إبادة جماعية، ويُطلب فيه من حماس نزع سلاحها بينما يستمر الاحتلال قائما! وكما يعلم بلير جيدا؛ فإن جوناثان باول هو كبير مفاوضيه مع «الجيش الجمهوري الإيرلندي»، وهي منظمة مسلحة سعت لإنهاء الحكم البريطاني في إيرلندا الشمالية، ولم يكن ليقنع الحركة الجمهورية بإنهاء حملتها المسلحة من دون اتفاق لتقاسم السلطة في برلمان ستورمونت بإيرلندا الشمالية. لكنه اليوم يردد لحنا مختلفا تماما حين يتحدث عن حماس قائلا: «من أجل غزة وسكانها نريد إعادة إعمار غزة لا كما كانت، وإنما كما يمكن، ويجب أن تكون».
وبإملاءات مَن؟ بإملاءات إسرائيل التي ترى نفسها ملزمة بإبقاء غزة جحيما مفتوحا؛ لدفع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين إلى الخروج، ولعقد اتفاقات مع كيانات منشقة في الصومال لتسهيل ذلك.
بلير الوفي لإسرائيل لا يذكر في بيانه كلمتي «فلسطيني» أو «فلسطين» ولو مرة واحدة. لقد كان باول محقا تماما في سعيه إلى وضع أكبر قدر ممكن من المسافة بينه وبين هذه الخديعة. فالحقيقة أن شيئا لن يحدث، وستظل خطوط المواجهة على حالها في المستقبل المنظور.
إنّ نزع سلاح مقاتلي حماس أو حركة الجهاد الإسلامي في ظل هذه الظروف سيكون بمثابة انتحار. فالحصار سيستمر، وستواصل القوات الإسرائيلية احتلال أكثر من نصف غزة. ولن تصل أي قوات دولية لفرض النظام على هذه الفوضى. وسيواصل أكثر من مليوني فلسطيني العيش في الخيام.
إن دعوة الطاقم نفسه من الشخصيات التي سمحت لإسرائيل بالتوسع إلى الحد الذي انفجرت عنده غزة، ثم توقّع أن تُنهي هذه الشخصيات الصراع، يتجاوز حدود الجنون. إنه فعل إجرامي. وما يشابه دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -مهندس الإبادة في غزة- للانضمام إلى «مجلس السلام» دعوة الزعيم الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش، ورادوفان كارادجيتش، وراتكو ملاديتش منفذي التطهير العرقي في البوسنة ومهندسي إبادة سربرنيتسا؛ للتفاوض على اتفاق دايتون للسلام! كان بلير هو من صاغ الشروط الدولية التي استبعدت حماس من غرفة التفاوض ما دامت ترفض الاعتراف بإسرائيل. وكان ذلك الاتفاق الدولي الأساس الذي فرضت إسرائيل بموجبه حصارها على غزة عام 2006 حين فازت حماس في الانتخابات الوحيدة التي جرت في فلسطين. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف الحصار.
وخلال رئاسة ديفيد كاميرون للحكومة البريطانية كشفتُ كيف أن بلير حين كان مبعوثا للشرق الأوسط باسم اللجنة الرباعية أجرى محادثات مع خالد مشعل الذي كان آنذاك زعيم حركة حماس، ودعاه إلى لندن. ولم تسفر المبادرة عن شيء، غير أن مجرد إجراء تلك المحادثات شكّل اعترافا بأن سياسة بلير القائمة على إقصاء حماس من طاولة المفاوضات لم تحقق أي نتائج.
لقد دار بلير مرارا في هذه الدائرة، لكنّ أثرَه في كل مرة اقتصر على توفير غطاء للحصار الإسرائيلي الذي كان يزداد شدة بعد كل حرب. ولا توجد أي إشارة إلى أن بلير غيّر قناعاته، أو سيتصرف على نحو مختلف هذه المرة. بل إن تصريحاته بشأن الإسلام والإسلاميين ازدادت تصلبا. وعلى عكس خليفته النبيل غوردون براون حصد بلير جميع الامتيازات التي يمكن لرئيس وزراء سابق أن يجنيها.
أما ترامب فهو لا يتظاهر حتى بالاهتمام بالفلسطينيين، أو بالعدالة، أو بحقوق الإنسان، أو بالأطفال الذين يموتون من البرد في الخيام. ما يهم ترامب هو زرع أجزاء من «أرض ترامب» حول العالم، وشفط مبالغ طائلة من المال في الطريق. ومن خلال إنشاء مجموعته الخاصة من المستشارين المقربين وتسميتها «مجلس السلام» يحاول ترامب اليوم إدارة العالم بالطريقة نفسها التي يدير بها أميركا. إنه يطالب بالاحترام وبالدفعات المنتظمة. وإذا حصل على الأمرين معا فقد يقرر ترك صغار هذا العالم وشأنهم، وقد لا يفعل.
فترامب متنمر يستمتع برؤية قلة من الناس فقط تجرؤ على الوقوف في وجهه.
وإذا كانت أساليب ترامب لا تُخيف سكان غرينلاند فمن غير المرجح أن تُرهب الفلسطينيين الذين تجاوزوا الاستعمار، والانتدابات الدولية، والمنفى، والحكم العسكري، وجدران الفصل، والهدم، والحصار، والآن الإبادة، وهم لا يزالون يحتفظون بهويتهم الوطنية.
إن القضية الفلسطينية تخفق اليوم في قلب كل فلسطيني بقوة أكبر مما كانت عليه في أي وقت مضى. وسيلقي الفلسطينيون «مجلس السلام» في سلة مهملات التاريخ قبل وقت طويل من وصول ترامب نفسه إلى المصير ذاته.
ديفيد هيرست هو المؤسس المشارك ورئيس التحرير لموقع ميدل إيست آي. وهو كاتب ومحلل في شؤون الشرق الأوسط والسعودية. عمل سابقا كاتبا للشؤون الخارجية في الجارديان ومراسلا في روسيا وأوروبا وبلفاست.
الترجمة عن موقع ميدل إيست آي.
