هل يتغير المجتمع في عُمان؟ «1»
بالنسبة لمختص في علم الاجتماع؛ تعتبر الكتابة عن مسألة التغير الاجتماعي منطقة تبدو في ظاهرها ميدان ممارسة، لكنها في الآن ذاته محفوفة بالمخاطر (المنهجية)، وذلك لعدة أسباب؛ أولها دقة مفهوم (التغير الاجتماعي)، ومعايير الحكم على مجتمع ما أنه في حالة تغير، إضافة إلى صعوبة تحديد مرحلة التغير التي يعيشها المجتمع، ومستوى سرعة التغير المحدد، والأهم من ذلك أن هناك فهما (شعبويا) لمفهوم التغير الاجتماعي؛ مؤداه أن التغير الاجتماعي يعني ظهور المشكلات الاجتماعية وشيوع الظواهر غير المرغوبة في السياق الاجتماعي، وفي الواقع فإن كثيرا عن الحديث عن التغير الاجتماعي يتم تناوله بأنه (أزمة)، والحقيقة أن التغير الاجتماعي مفهوم (نسبي) ويرتبط بقدرة النظم الاجتماعية والأفراد في التكيف والتعامل مع الأوضاع الجديدة التي تفرضها حالة التغير والاستجابة لها. ولكي نكون أكثر منهجية فالنظريات الاجتماعية تحدد ثلاثة معايير للحكم على التحولات الاجتماعية أنها (تغير اجتماعي)؛ وهي انتقال المجتمع من (قيم البقاء) لحالة (قيم التعبير عن الذات)، وتحقق مفهوم الدور الموضوعي للبنى الاجتماعية (Structural Differentiation)، والانعكاسية الاجتماعية (Social Reflexivity)، وسنحاول تبسيط هذه المفاهيم خلال الفقرات التالية.
فحين تتغير السردية الاجتماعية، وتلمس في قطاع واسع من المجتمع أنه يريد أن تكون له (بصمة في مجتمعه) بما يؤديه، وبطبيعة التمكين الذي يحظى به، ومساحات المشاركة التي يتمتع بها، ودوره في صناعة واقعه لا أن يفرض عليه، وينتقل المجتمع من الحديث عن قيم البقاء (بشكلها المادي) إلى قيم التعبير عن الذات (بشكلها المعنوي) والمتمثلة في الحقوق السياسية والاجتماعية والإعلامية، وحق العمل الحر، وحق التنافس الاجتماعي والمهني العادل، وغيرها من قيم معنوية معبرة عن الذات (كيف يرى الفرد نفسه في مجتمعه) فإن ذلك أحد أهم محكات الحكم أن المجتمع في حالة تغير اجتماعي أو في أحد أطواره.
وحين تتمتع النظم الاجتماعية بدورها الموضوعي في تشكيل المجتمعي، فلا يكون لدور الوجاهة أو القبيلة أو المكانة الاجتماعية تأثير على التنافس الاقتصادي أو الموقع السياسي أو الجدارة الوظيفية على سبيل المثال.
وحين تؤدي المؤسسات التعليمية دورها في معزل عن تأثير النظم الأخرى الموجهة في المجتمع، وحين يكون الوصول للموارد سواء كانت تلك الموارد اقتصادية أو مهنية أو سياسية متاحا للأفراد بعدالة بعيدا عن تأثير النظم الأخرى كالنظام الديني والوجاهي والقبلي وسواها تبدأ قيم الدولة الموضوعية في التحكم في الواقع الاجتماعي، ويبدأ امتثال الأفراد لها، فإن ذلك مؤشرا آخر يدل على حالة تغير اجتماعي ينتقل فيها المجتمع من تحكم النظم التقليدية (غير الموضوعية) إلى (النظم البنيوية)، وهو ما يعرف بتمايز النظم الاجتماعية.
أما الانعكاسية الاجتماعية، فهي الحالة التي يبدأ فيها المجتمع بممارسة الكشف والنقد الذاتي لأوضاعه وتحولاته وقيمه، ويبدأ تفنيد ما هو صالح لأوضاعه الراهنة، وما هو غير مرغوب، ويبدأ بتقنية القيم الاجتماعية المواكبة لعصره، والقيم النافية لتقدمه أو ديمومته، فيبدأ الأفراد في هذه الحالة في خلق حوار مستمر حول حالة المجتمع (فكريا وثقافيا وقيميا) وكيف تنعكس هذه الحالة على الوضع الذي يعيشه المجتمع في أنساقه كافة، في الاقتصاد والتعليم والتنمية ومختلف أوجه فاعليته ونشاطه، وهو ما يعكس بالضرورة انعكاسا واعيا في صورة المجتمع لدى أفراده، ويحركهم للنقاش الاجتماعي الواسع وبالتالي الانتقال لحالة الفعل والتغير الاجتماعي.
في حالة المجتمع في عمان، يمكن الحديث عن بعض ملامح ودلالات التغير الاجتماعي، فمحاولات الدولة للانتقال من نموذج (الريع) إلى اقتصاديات المساهمة شكلت تحولا وأهبة اجتماعية لتبني عقلية ريادة الأعمال والعمل الحر عند قطاع واسع من المجتمع، وأصبح تفضيلا لدى فئات واسعة منهم، وهذا المؤشر ليس موضوع التغير في ذاته، بل فيما يقف خلفه من تصورات اجتماعية، وتغيرات في الأدوار، وقيم للتعبير عن الذات الاقتصادية، واستعداد قطاع واسع من الأفراد لتحمل المخاطرة، وهي ملامح مهمة تشكل طورا من أطوار التغير الاجتماعي في المجتمع بسلطنة عمان.
ومن ملامح ومؤشرات التغير الاجتماعي كذلك التفضيل الناشئ لـ (الفردانية المسؤولة)، وهذه الفردانية لها وجهان: الوجه القيمي والوجه الممارس، يتشكل الوجه القيمي من خلال اعتقاد قطاع واسع من الأفراد، وخاصة الأجيال الجديدة، بأن ما يجب أن يوجه خياراتها الاجتماعية والمهنية والتعليمية والاقتصادية هو الموجهات والتفضيلات الذاتية، بعيدا عن تأثير أي سلطة أو مؤثر اجتماعي أو أسري، وبالتالي تصبح خيارات المهنة والفرصة التعليمية والزواج وتشكيل الأسرة والتموضع الاقتصادي للفرد موجهة بشكل فرداني، أما الوجه الممارس فهو الانتقال من الاعتقاد بذلك إلى ممارسته وطبيعة قدرة الأفراد على تحمل المخاطرة الاجتماعية لتلك المسؤولية، بالإضافة إلى ضمان أن تلك المسؤولية لا تشكل انتهاكا للقيم الاجتماعية أو لدور النظم الاجتماعية الضابطة، وهذه الفردانية تشكل مظهرا من مظاهر التغير الاجتماعي في عمان، ويلمسها الفاحص الدقيق مكانيا وعمريا تبرز بشكل واسع، ولا يمكن الحكم كذلك أنها حالة متوافقة مع المكون الاجتماعي أو خارجة عنه، لأن الأصل هو في محاكمة ما قد ينشأ عنها من تأثيرات، أو مخاطر، أو ممارسات.
ومن ملامح التغير الاجتماعي في عمان هو انسياب قبول منتجات العولمة المتجددة بشكل سلس وسريع في نسيج الثقافة والمجتمع، فإذا كانت منتجات العولمة في عقود سابقة تخضع لعملية مقاومة وعدم قبول اجتماعي قد يمتد آجالا زمنية طويلة؛ أصبح اليوم إدماج هذه المنتجات وتبنيها اجتماعيا ينساب بشكل سلس وتتقلص معه المقاومة الاجتماعية، كما كانت منتجات التلفزة أو الاتصالات مثلا تأخذ ليتم تبنيها اجتماعيا من الناحية الثقافية أو المادية، وكم أصبحت تأخذ المنتجات الجديدة في التقنية والأزياء والموضة ومختلف منتجات الثقافة اليوم ليسهل تبينها وشيوعها في المجتمع، هذا تحول ثقافي مهم ليس في ماديته، بل أيضا فيما قد ينشأ عنه من انعكاسات وآثار لذلك التبني، وهو أحد الأوجه المهمة للتغير الاجتماعي في عمان.
في الجزء التالي من هذه المقالة سنواصل تحليل أهم ملامح التغير الاجتماعي في المجتمع العماني، ومناقشة كيف يمكن التعامل منهجيا مع إفرازات التغير الاجتماعي من ظواهر ومشكلات اجتماعية غير مرغوبة في المجتمع.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان
