دافوس ونذير نهاية النظام العالمي
نشهد في هذه الفترة نهاية محتملة للنظام العالمي القائم الذي استند لعقود إلى منظومة من القوانين والضوابط التي تحكم العالم، وقامت معادلة هذا النظام على منظومة أممية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة التي تتولى فرض هذه القوانين وضمان استمرارها وتنفيذها.
لكن ما يحدث في الآونة الأخيرة يشير بوضوح إلى أننا أمام حالة انهيار متسارعة لهذا النظام العالمي، ويمكن القول: إن عدم فاعليته قد تأكد بصورة أكبر بعد الولاية الثانية للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»؛ إذ واصل «ترامب» منذ بدء ولايته الثانية مهاجمة خصومه والمنظومة الأممية ومؤسساتها والانفصال عنها، وأضاف معهم بعض أهم حلفائه، وانتقل بخطابه وسلوكه السياسي إلى مرحلة عنيفة ومتناقضة منها إعلانه تشكيل «مجلس السلام الدولي» الذي رشّح نفسه رئيسا له، وليحل محل النظام العالمي الحالي ومؤسساته الأممية؛ ليصف كثيرٌ من خصومه هذه المرحلة العالمية بما فيهم في الداخل الأمريكي بأنها أزمة «عظمة ترامب».
كذلك لا ننسى ـ بجانب توسيع دائرة الخصوم والانفصال العالمي ـ الممارسات السابقة والمستمرة مثل الدعم المطلق لإسرائيل، والهجوم العسكري على فنزويلا وقبلها إيران التي ثبتت اليد الأمريكية والإسرائيلية في فوضاها الدموية الأخيرة، ويهدد بكل جدية باحتلال جزيرة «جرينلاند» التابعة للدنمارك، ودخل في مناكفات ومواجهات متصاعدة مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
كذلك انخرط في صراعات وتهديدات اقتصادية كبرى مع الصين وروسيا، وهي صراعات تنذر بإمكانية اندلاع حرب عسكرية واسعة في المستقبل.
يتضح من مجمل هذه السياسات أن «ترامب» يسعى إلى تحويل شعاره الانتخابي «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» إلى تطبيق عملي يفتقد الحكمة والدبلوماسية، ويتضح -بكل حال- أن هذا الشعار يحمل نذير شؤم؛ إذ يبدو أنه يقود الولايات المتحدة الأمريكية نفسها إلى مسار من التآكل والانهيار؛ فتشهد الولايات المتحدة في الحقبة «الترامبية» أزمة خطيرة من الداخل والخارج، ويمكن أن تتطور إلى نزاع داخلي نتيجة السياسات والقوانين التي فرضها «ترامب»، ولا سيما قوانين الهجرة وغيرها.
كذلك برزت تحديات جديدة في علاقات الولايات المتحدة مع جيرانها مثل كندا، ومع دول أخرى في العالم.
تقودنا مجمل هذه المؤشرات إلى استنتاج مفاده أن الانهيار المرتقب لا يقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بحكم تقديمها لنفسها راعية للنظام العالمي وداعمة لمؤسساته الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية؛ فيمتد ليشمل دولا غربية كبرى أخرى مثل فرنسا وبريطانيا التي بدأت مصالحها تنفصل عن الطموحات الأمريكية، ويطال هذا الانهيار النظام العالمي برمته، وهو ما تؤكده المستجدات التي طُرحت في منتدى الاقتصاد العالمي في «دافوس».
نلحظ عبر ما شهدناه من معارك كلامية متصاعدة ـ تنوّعت بين التهديد والوعيد، وبين التلميح والإفصاح شبه المباشر ـ مؤشرات واضحة على انهيار النظام العالمي الحالي وإعلان شهادة وفاته عمليا.
يذكّرنا هذا المشهد ـ بالعودة بضع سنوات إلى الوراء ـ إلى لحظة تشكّل ما يُعرف باتحاد «بريكس» الذي يعمل على بناء نظامه الاقتصادي الخاص، ويضم دولا -بعضها- مناوئة للولايات المتحدة الأمريكية.
عند العودة إلى منتدى الاقتصاد العالمي في «دافوس»، وما طُرح فيه من نقاشات ومواقف في الأسبوع المنصرم، يتبيّن لنا بوضوح أن التركيز تجاوز الأزمات العالمية الهامشية المعتادة، وبات الحديث يدور عن صراعات وجودية بين دول كبرى، وأهمها الصراع الحالي بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى رغم أن الأخيرة تُعد تاريخيا -وحتى اللحظة- بمثابة العمود الفقري لهذا التحالف. غير أن القضايا المتراكمة توحي بأن هذا التحالف نفسه مهدد بالانهيار، خصوصا على خلفية الصراع المتعلّق بجزيرة «جرينلاند» الدنماركية؛ حيث استفز الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» حلفاءه الأوروبيين قبل فترة بتصريحاته الجادة التي أكد فيها عزمه الاستحواذ على هذه الجزيرة «بكل الوسائل» سواء عبر المفاوضات أو بالقوة العسكرية، وزاد من حدة هذا الاستفزاز ما نشره «ترامب» مؤخرا في إحدى تغريداته حين أرفق صورة ذات دلالة رمزية واضحة يُلمّح فيها إلى أن «جرينلاند» ابتداء من عام 2026 ستصبح ضمن الممتلكات الأمريكية.
أما ما ورد في «دافوس»، فيمكن اعتباره دلالةً على أن النظام العالمي يتجه بالفعل نحو الانهيار، وأن نظاما عالميا جديدا آخذ في التشكّل، وكما أشرتُ سابقا في مقالات نشرتها، لا أستبعد أن تكون الصين هي العمود الفقري أو القاطرة الرئيسة لهذا النظام القادم خصوصا مع تنامي التخبّط السياسي الأمريكي.
اللافت في هذا السياق أن «ترامب» نفسه أشار-بشكل مباشر وغير مباشر- إلى هذا التحول العالمي في خطابه الذي ألقاه في «دافوس»، والذي اتسم بقدر عالٍ من الاستفزاز سواء عبر توجيه اللوم الحاد، أو عبر لهجته المتعالية وتحقيره العلني لزعماء دول كبرى؛ فصرّح بوضوح بأن أوروبا لا تسير في الاتجاه الصحيح، ووبّخ الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» وسخر منه، كما وبّخ رئيس الوزراء الكندي وذكّره بضعف كندا دون الدعم الأمريكي، وجاء هجومه على خلفية تصريحات سابقة أدليا بها في المنتدى نفسه، وكانت ناقدة للسياسات الأمريكية، وتحديدا سياسات «ترامب»، ونجد ذلك -مثلا- في كلمة رئيس الوزراء الكندي الذي تبنّى -بقوة ووضوح- نهج المواجهة مع النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، والذي بات تحت رحمة «ترامب»، وجاءت كلمته مؤشرا بالغ الدلالة على هذا التحول؛ فشدّد على أهمية أن تبحث دول العالم عن وسائلها الخاصة لحماية نفسها، وتأمين مصالحها الاستراتيجية، مؤكدا أن التحالف مع الدول الكبرى -في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية- لم يعد مجديا، ولم يعد يشكّل ضمانة حقيقية للأمن والاستقرار، وانطلاقا من هذا التشخيص، لمح رئيس الوزراء الكندي إلى أن بلاده أضحت تبحث عن علاقات أقوى وأفضل مع الصين، في إطار سعيها إلى تنويع شراكاتها الدولية وحماية مصالحها الوطنية. كذلك عبّر بوضوح عن قناعته بأن النظام العالمي الحالي لا يسير في الاتجاه الصحيح، وأنه أصبح رهينا لمنطق القوة الذي تتحكم فيه الولايات المتحدة الأمريكية، وتفرض فيه قراراتها وفق شروطها الخاصة، من دون أي اعتبار حقيقي لمصالح الآخرين بما في ذلك مصالح حلفائها من الدول الكبرى.
يعكس مثل هذا السلوك حالة من الوضوح الغربي والإجماع المتنامي غربيا خصوصا لدى قوى أوروبية كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وكندا، على أن العالم يشهد انتقالا جذريا من مرحلة إلى أخرى، وإننا ننتقل من وضعية ما كان يُسمى بـ«الهيمنة القانونية»، والتي يمكن القول بصراحة إنها لم تكن يوما هيمنة عادلة؛ إذ ظل القانون في صميمه أداة بيد القوي، يفرضه متى شاء وعلى من يشاء. أما اليوم، فإن هذا النظام الدولي القائم على القانون -أو على وهم القانون- يتراجع ليحل محله نمط جديد من الهيمنة الظاهرة التي تعمل وفق مبدأ القوة؛ فتُوضع القوة في مقام القانون بشكل رسمي.
في المقابل، تبرز مؤشرات أخرى، تتمثل في احتمال إقدام «ترامب» على عقد صفقات غير معلنة مع قوى كبرى أخرى مثل الصين وروسيا تقوم على تبادل المصالح وتقاسم النفوذ - من دون إعلان صريح أو مواقف رسمية واضحة - ، ويمكن أن نستنتج ذلك من تسلسل الأحداث التي توحي بوجود تفاهمات ضمنية أو مقايضات كبرى في إدارة مناطق النفوذ العالمية؛ فنجد «ترامب» يعلن رغبته في الاستحواذ على «جرينلاند»، وترد روسيا بأنها لا شأن لها بهذه الجزيرة، وتلتزم الصين الصمت، وكذلك يُترك ملف فنزويلا معزولا عن التدخل الصيني والروسي الجاد، وفي ملف آخر، يصرّح «ترامب» بأن على الصين أن تفعل ما تشاء في تايوان، وقس الأمر على الأزمة الأوكرانية والطموحات الروسية.
لعل مثل هذه الملامح تشير إلى صفقة أمريكية كبرى مع هذه القوى بجانب تشكّل مجلس «ترامب الدولي للسلام»، تقوم على إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي بعيدا عن الحلفاء الأوروبيين الذين باتوا أقرب إلى فهم المعادلات الجديدة في النظام العالمي واحتمالات إقصائهم منه، ولهذا يجدون أنفسهم أمام خيارات جديدة ضيقة تخص منطلقات النظام العالمي وسبل إعادة تشكيله وضمان إعادة تموضعهم القوي فيه.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
