القوة الناعمة العمانية 2026

24 يناير 2026
24 يناير 2026

منذ ثمانينيات القرن الماضي دعا جوزيف ناي إلى أهمية القوة الناعمة في قدرة الدول على التأثير في الآخر؛ ذلك التأثير الذي يطور العلاقات السياسية ويسهم في دعم الاستثمارات الخارجية، حيث ترتكز هذه القوة ـ حسب ناي ـ على ثقافة الدولة، وقيمها السياسية والحضارية، وسياساتها الخارجية وعلاقاتها المتعددة القائمة على تبني الممارسات والقيم الداعية إلى ترسيخ مبادئ السلام والتعايش وتبادل المصالح. 

إن للقوة الناعمة دورا مهما في التأثير وفعل الجاذبية؛ إذ مثلت الثقافة أساسا لهذه القوة ومرتكزا يعمل بوصفه جوهرا جاذبا للاقتصاد وبناء العلاقات السياسية الدولية، ولأن العالم اليوم يشهد تطورات ومتغيرات عدة سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، فإن الحاجة إلى ترسيخ مفاهيم هذه القوة وتمكين دورها يزداد بناء على تلك المعطيات التي دفعت الحكومات إلى إيجاد سياسات قادرة على ضبط مرتكزات القوة الناعمة وتوجيه دورها نحو تحقيق الأهداف الوطنية. 

ولقد كرس جوزيف ناي حياته لدراسة هذه القوة وتطوير آفاقها وممارساتها بناء على تلك التطورات، حيث قدم في كتاباته قبل رحيله في مايو 2025، مرتكزات جديدة تتواكب مع تلك المتغيرات منها (الثورة الرقمية)، ودور البرامج التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي في إحداث توجهات جديدة وتشكيل الرأي العام على المستويات الوطنية والدولية، إضافة إلى (شرعية المعلومات)، خاصة في عصر (التضليل المعلوماتي) الذي يعاني منه العالم، حيث أصبح الصدق قيمة ضعيفة في قياس مؤشرات القوة الناعمة. 

ومع تطور المجتمعات وتبدل المعطيات وتغيرها المتسارع فإن العالم اليوم لا يتحدث عن القوة الناعمة وحسب، بل عن القوة الذكية التي تربط بين مجموعة القوى (القوة الصلبة، والقوة الاقتصادية، والقوة الناعمة)؛ بحيث تمثل في تكاملها قوة الدول وتأثيرها في الآخر، وإمكاناتها التي تهدف إلى النهوض بالمصالح الوطنية وتعزيز مواردها البشرية والطبيعية واستدامتها؛ فالقوة العسكرية وتعزيز التحالفات يرسخ الأمن الوطني ويشجع على بناء منظومة اقتصادية واستثمارات آمنة، إضافة إلى الدور الرئيس الذي تقوم به الثقافة والعلاقات السياسية المتوازنة في بناء تلك المنظومة وفق مبادئ السلام والتعايش والتبادل العادل للمصالح المشتركة. 

ولأن القوة الناعمة هي القدرة على التأثير الإيجابي من خلال الثقافة والتبادلات التجارية والعلاقات الدبلوماسية، وفق التصورات التي تدعم تعزيز الأمن، وجذب الاستثمار والتجارة وتمكين المواهب والسياحة وغيرها، فإن عمان إحدى الدول التي سعت منذ القدم إلى تأسيس تلك العلاقات والتبادلات ورسخت مفاهيمها الثقافية والحضارية، حتى أصبحت ذات سمات عامة معروفة بين دول العالم؛ حيث عرفت بحضارتها الضاربة في القدم، وتمسكها بمبادئ الحوار والسلام والتعايش، وهذا ما جعلها بين خمسين دولة حول العالم تقود القوة الناعمة وتسعى إلى تحسين رتبتها بتقدمها المستمر خلال السنوات الأخيرة الماضية. 

يكشف مؤشر القوة الناعمة العالمي للعام 2026، الصادر عن مؤسسة (Brand Finance)، عن اتجاهات واسعة تؤثر على دول العالم، مما أدى إلى انخفاض عام في الإيمان بدور القوة الناعمة في ظل التداعيات والتوترات الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي، والضغوط الاجتماعية التي تحدثها التقنيات الحديثة، مما شكل مخاوف على مستوى الأمن وضغوطات المعيشة و(المضاربة حول فقاعة الذكاء الاصطناعي في أسواق الأسهم) ـ حسب تقرير المؤشر ـ. 

إن حالة الانكماش في نتائج المؤشر ترتبط بالقدرة على التكيف والمواءمة الاستراتيجية والتأثير، ولهذا فإن تعزيز ركائز القوة والحفاظ على المصداقية والاستفادة من الأصول الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية، يعد السبيل الأكثر قدرة على دعم القوة الناعمة وتمكين دورها الاقتصادي، واستدامة مواردها وإدارة حوكمتها، من خلال تعزيز دور القوة الناعمة في اتباع نهج متوازن في الأعمال التجارية، والدبلوماسية والابتكار، والقدرة على الاستجابة الفاعلة للتحديات التي تواجه المجتمع. 

يصنف المؤشر ركائز القوة الناعمة وسماتها في 193 دولة حول العالم، تتصدرها الولايات المتحدة بهيمنتها في مجال الترفيه واستكشافات الفضاء والتأثير الدبلوماسي على الرغم من تراجعها في الكثير من الركائز بسبب مواقفها السياسية، تليها الصين ذات القوة الاقتصادية والجاذبية الثقافية. ثم اليابان باعتبارها رائدة في مجال التعليم والاستقرار الاقتصادي وإمكانات النمو في المستقبل، ثم المملكة المتحدة فألمانيا. 

تأتي عمان في المؤشر في المرتبة (51) بعد أن كانت في المرتبة (49) في العام الماضي، منخفضة في بعض الركائز وفي التصنيف العام؛ حيث انخفضت في ركائز الثقافة والتراث والتواصل سبع مراتب، وفي ركيزة الناس والقيم تسع مراتب، بينما ارتفعت في عدد من المراتب منها التعليم والعلوم التي قفزت فيها إحدى عشرة مرتبة، وكذلك العلاقات الدولية التي ارتفعت مرتبة واحدة، وكذلك ركيزة المستقبل المستدام، إضافة إلى ارتفاعها في ركيزة الأثر الصافي مرتبتين. 

وعلى الرغم من أن الانخفاض العام في مؤشر القوة الناعمة العالمي يمثل سمة عامة بين دول العالم سواء في الترتيب العام أو الانخفاض في الركائز، إلا أنه يحتاج إلى مراجعة من حيث الأسباب والنتائج ، خاصة بما تقدمه الثقافة والإعلام والتواصل من دور، والجهود المبذولة وأهمية دعم هذه القطاعات وتمكينها بما يخولها للقيام بأدوار أكثر قدرة على تفعيل القوة الناعمة وتأسيس شبكات ثقافية وإعلامية قادرة على دعم توجهات الدولة لاستقطاب الاستثمارات الاقتصادية ودعم الأعمال التجارية، وتيسير السياحة وترويجها، بما يعزز دور هذه القطاعات في استدامة مستقبل الاقتصاد في الدولة باعتبارها قوة ناعمة. 

لقد مثلت الثقافة العمانية والتراث والقيم عبر التاريخ أساسا لقوة عمان الناعمة، وقدرتها على التأثير وتكوين صورتها الذهنية التي تأسست وفق سياقات حضارية، لذا فإن انخفاض ركيزة (الناس والقيم) لتسع مراتب يشكل هاجسا قلقا خاصة لما تحدثه وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج التقنيات المختلفة وتطبيقاتها من أثر بالغ الأهمية على أفراد المجتمع، الأمر الذي يستدعي الاهتمام بهذه الركيزة ليس باعتبارها أساسا اجتماعيا وحسب، بل أيضا بوصفها قيمة قادرة على التأثير في الآخر، وتشكيل صور ذهنية تكشف القيم الحضارية للمجتمع العماني. 

إن قياس القوة الناعمة اليوم لا يعتمد على ما تقدمه الحكومة وحسب، بل أيضا ما ينتجه المجتمع المدني والأفراد سواء على مستوى التعليم أو الثقافة أو الصور التقنية والأنماط المختلفة التي تؤثر تأثيرا مباشرا في القوة الناعمة التي تعكسها الدولة على الآخر، والأثر الذي تحدثه؛ ولهذا فإن المجتمعات مؤسسات وأفرادا مسؤولة عن إنتاج سياقات الثقافة وأنماط القيم السياسية التي تربطها بالآخر، وبالتالي تشكيل القوة الناعمة وقدرتها على التأثير. 

لذا فإن ما نقدمه في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي البرامج التقنية المختلفة، لا يعبر عنا كأفراد، بقدر ما يعكس صورة عن وطننا ذات تأثير على الآخر، وهذا التأثير يتعدى الأثر العاطفي أو الاجتماعي العابر إلى الأثر الاقتصادي أو السياسي أو غير ذلك، الأمر يلزم الانتباه إليه باعتباره قوة ناعمة مؤثرة سلبا على الصورة الذهنية، وبالتالي علينا تمثيل الدولة بما يعكس الواقع الحضاري والتنمية المستمرة ويواكب التطلعات ويقدم صورة حقيقية لعمان، فلنسعَ جميعا لتكون عمان في مصاف الدول المتقدمة. 

عائشة الدرمكية باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة