النداء المجهول في جيبك.. وهل أنت إنسان؟

24 يناير 2026
24 يناير 2026

ما الهاتف؟ يقول ابن المعتز: بشّر بالصبح هاتفا هتفا صاح من الليل بعدَ ما انتصفا. 

وفي اللغة العربية يأخذ الهاتف معاني الصوت المجهول. وفي المعجم الوسيط نجد تعريف الهاتف: الصوت يُسمع دون أن يُرى شخص الصائح، و«التلفون»، أو من يتكلم به. 

في تاريخ الأدب العربي كثير من القصص والمرويات التي يرد فيها الهاتف بمعنى النداء المجهول، والنداء الغيبي الغامض، وفي الشعر أحيانًا بمعنى هتاف الطير، الحمام خاصة، والأصوات غير المفهومة. نسترجع كل ذلك في عصرنا فنرى وكأنما هتاف الهاتف ذاك ورنينه ينبع من هذا الحاضر والمستقبل الذي كان مجهولًا بالنسبة لذلك الماضي؛ ها نحن اليوم نحمل الهواتف في جيوبنا وحقائبنا، ونجعلها قربنا أينما كنا، في صحو ونوم، وكأننا رهائن نداء مستمر لا يتوقف حتى الممات، وإذا أغلقنا هواتفنا يومًا أو بعض يوم تعالى القلق فيمن يهمهم أمرنا، ويهمنا قلقهم، وإذا تعطل الهاتف تعطلنا نحن. 

خلال هذه العقود الثلاثة الأخيرة تمحورت حياتنا وارتبطت ارتباطًا لا ينفك بهذه الأداة الهاتفية، حتى كدنا نخشى أن نصبح عبيدًا للآلة، منسحقين أمام هذا الهاتف المعزز بالإنترنت، فكم مرة وجد المرء نفسه تائهًا يحاول الوصول لموقع يفترض أن تأخذه إليه الخريطة التي في هاتفه، واليوم أينما تمضي في المدينة ترى اللوائح التحذيرية من الاحتيال والابتزاز الإلكتروني المنتشر وضحاياه الكثر، ومؤخرًا يكتب الكاتب المعتصم الريامي في ملحق جريدة عمان العلمي عن ضحايا منصة لعبة روبلوكس وجلهم من الأطفال المنتحرين، فهل ما زلنا نظن أننا سادة الأداة والآلة؟ 

لقد تجاوزت علاقة الإنسان المعاصر مع الهاتف اليوم حدودًا لم تتجاوزها أي أداة أخرى من قبل، حتى صارت الشركات المصنعة لبقية الأجهزة الإلكترونية، على حجمها مقارنة بحجم الهاتف، تحاول أن تتقرب من هذا الجهاز وتتكيف معه، وترتبط به، ولا أدل على ذلك من تقرير معهد رويترز للصحافة المنشور منذ أسبوع والذي يؤكد أن الغالبية العظمى من البشر اليوم يستخدمون الهاتف لاستقبال المواد الإعلامية المختلفة، مكتوبة أو مصورة أو مسموعة، بينما تراجعت بقية الوسائط، بما فيها أجهزة «الكمبيوتر» وشاشات التلفزيون وسماعات الراديو، فضلًا عن الورق. 

هل يبدو القرن الحادي والعشرين مختلفًا؟ المسألة لا شك نسبية، فإذا كان أبناء وبنات النصف الأول من القرن العشرين أكثر تعلقًا بالمذياع «الراديو» والمسجلات ومن قبلها الصحف، حتى كان شائعًا أن نرى الشيخ والعجوز منهم نائمًا و«الراديو» قرب أذنيه، ففي النصف الثاني من القرن كان الناس أكثر تعلقًا بالتلفزيونات، حتى كان المشهد العادي المستهلك هو التلفزيون المفتوح في الصالة أو الغرفة الخالية. واليوم حلت الهواتف، وكثير من الناس يمسكون بهواتفهم حتى يغلبهم النوم، وأول شيء يفتحون عليه أعينهم الصبح هو شاشة هواتفهم. 

لا شك أن الهاتف اليوم قد تجاوز التلفزيون ومذياع الراديو بمراحل، خاصة حين ابتلع الهاتف البطاقة البنكية وبالتالي محفظة النقود، فبالنسبة لأي مسافر اليوم فإن ضياع محفظة نقوده بكل ما فيها صار أهون عليه من ضياع هاتفه، لا لشيء إلا لأن كل تذاكره وحجوزاته ومواعيده وخططه وبطاقته البنكية مرتبطة بهاتفه، هذا غير إمكانية طلب المساعدة بهاتفه، وما الذي يمكن أن تنفعه به محفظته مقارنة بهاتفه؟ وكم مرة وجدتني أحمل في سفري هاتفين أحدهما احتياط، بل بيننا اليوم من يحملون معهم هاتفين طوال الوقت، خاصة المرتبطين بأعمال خاصة، وكأن التشويش الذي يسببه هاتف واحد لا يكفي. 

أذكر منذ سنين خلت حين كنت أحاول مقابلة الشاعر التايلندي زكريا اماتايا في بانكوك، اكتشفت أن الرجل لا يستخدم الهاتف، وأن طريقة التواصل الوحيدة معه هي البريد الإلكتروني، وكان من المثير بالنسبة لي أن أجد شخصًا معاصرًا ومدينيًا مثله بدون هاتف، وحين سألته عن الأمر أجابني، على ما أذكر، بأنه لا يحتمل المقاطعة المستمرة؛ واليوم يزداد المنقطعون عن الهواتف، ولي أصدقاء فضلوا استخدام الهاتف النقّال العادي وهجروا هذه الهواتف الذكية، لكنهم مع مرور الوقت وجدوا أنفسهم مضطرين اضطرارًا لاستخدام الهاتف الذكي خاصة في السفر لسهولة وقلة تكلفة التواصل مع الأهل والأصدقاء في الوطن، هذا غير المعاملات الإلكترونية التي أصبحت إجبارية في بعض الدول، ومنها عمان، وكم من الأشخاص الذين يجدون أنفسهم مصنفين كأميين اليوم بسبب تخلفهم عن التقنية، ولولا مكاتب تخليص المعاملات المنتشرة لتعذّر عليهم إنجاز معاملاتهم؛ هكذا أصبح عصر الهواتف يحاصرنا، ونحن بلا خيار آخر غير الانصياع له والغرق أكثر فأكثر، لكن إلى أين؟ وهل ما زلنا سادة الآلة أم نحن عبيدها؟ 

العلاقات الاجتماعية تحولت إلى مجموعات إلكترونية على تطبيقات الاتصال كالواتساب، والصداقات أصبحت حضورًا إلكترونيًا على الواتساب، والسهرة أصبحت مع الهاتف، مع أن تقرير معهد رويترز الذي أشرت إليه يذكر أن شركة ميتا أفصحت في حيثيات إحدى القضايا المرفوعة ضدها أن غالبية الناس على الفيسبوك والانستجرام يقضون أغلب الوقت على منصاتها في متابعة منشورات عامة وليست منشورات أصدقائهم أو أفراد عائلاتهم كما يفترض؛ فأين هذا من رنين هاتف الاتصال الدولي القديم الذي كان الجيران يتحلقون لتلقيه، أو أين الرسائل اليوم من الرسائل التقليدية التي كان المرء منا يستلمها من مكاتب البريد ويتحيّن أفضل فرصة يخلو فيها إلى تلك الرسالة؟ وأين تلك المشاعر الخاصة التي تنتاب من يستلم رسالة بريدية؟ وأين الأغنية الحلبية لصبري مدلل وصباح فخري: ابعت لي جواب وطمنّي؟ وأين اختفى كل هواة المراسلة الذين كانوا يضعون أسماءهم وصورهم في المجلات؟ جرفهم الهاتف. 

أتتبع رابط موضوع يهمني من صفحة البحث إلى موقع إلكتروني، وتأتيني صفحة فارغة بسؤال واحد: هل أنت إنسان؟ ولا توجد غير خانة واحدة للإجابة بنعم؛ ألم يكن هذا السؤال يعتبر مسبّة مقذعة؟ لكني اليوم لا أملك غير الإجابة الإجبارية لمحاولة إثبات أني إنسان فعلًا، ولمن؟ لبرمجة إلكترونية. 

أذكر قبل أن أهجر الفيسبوك أنه في فترة ما كان يطلب من المستخدم تعيين الأشخاص الذين يمكنهم الدخول لحسابك بعد وفاتك، وكم توقفت طويلًا مع هذا الاقتراح الإلكتروني الذي يريد أن يجعل منفذ وصيتي برنامجًا إلكترونيًا، لأن كل بشري معرض للموت والمرض، بينما على ما يبدو تمتلك شركات التقنية ثقة متزايدة في مراكز بياناتها الضخمة، والموزعة بين الدول، أن مواقعها الإلكترونية أكثر ثباتًا من رحلة زوالنا القصيرة؛ أما الهواتف الذكية، خاصة مع خصائص التعرف على الوجه وبصمة العين فإنها على الأرجح ستنطفئ مع انطفاء أصحابها، أو بالأدق ستتظاهر بذلك، لأن البيانات داخلها ستبقى متاحة من الجهة الأخرى، وستبقى متاحة كذلك لبرامج التقنيات المتقدمة التي بمقدورها اختراق أغلب بياناتها. 

لا شك أننا في عصر يضع الإنسان أمام تحد وجودي جديد كما كان يقول الفيلسوف مارتن هيدجر، وأن هذا الجهاز الذي يفترض أن نتحكم نحن به أصبح من حيث لا نشعر يتحكم تدريجيًا بنا وفي أفكارنا وأحاديثنا وخيالاتنا، عدا علاقاتنا ومجتمعاتنا وأنظمتنا، ونحن منكشفون أمامه بكل الحميمي فينا والخاص والعام، ولعل التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسان المعاصر هو فعلًا كيف يحافظ وسط هذه الأتمتة المتسارعة وذكائها الاصطناعي القادم على إنسانيته؟ 

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني