أخيرا يرد العالم اللكمة!

24 يناير 2026
24 يناير 2026

جوناثان فريلاند 

ترجمة: أحمد شافعي 

يقوى الأمل في أن تكون العاصفة قد انتهت، وفي أن نصدق أن الأسبوع الذي بدأ بتهديد الولايات المتحدة بالاستيلاء على أرض أوروبية بالقوة أو بالابتزاز قد انتهى بوعد بالتفاوض ومن ثم بالرجوع إلى الوضع الطبيعي. 

ولكن هذا وهم خطير؛ فلا يمكن الرجوع إلى الوضع الطبيعي، لأن العالم الذي كنا نحسب أننا نعرفه انتهى. والسؤال الوحيد الآن هو السؤال عما سوف يحل محله، وسوف يترك هذا السؤال أثرا علينا جميعا، وهو حافل بالخطر، ولعله يحمل في ثناياه أيضا ما لا نتوقعه من بصيص أمل. 

دعكم من أن دونالد ترامب قد تراجع أخيرا عن تهديداته بغزو جرينلاند، وأعاد إلى الجراب مسدسه الاقتصادي الذي كان يصوبه إلى رؤوس جميع البلدان التي تعترض طريقه، ومنها المملكة المتحدة؛ فمحض إطلاقه التهديد من الأساس أكد ما كان ينبغي أن يكون واضحًا لنا منذ أن رجع إلى السلطة قبل عام، وهو أن الولايات المتحدة في ظل حكمه أصبحت حليفًا لا يمكن الاعتماد عليه، إن لم تكن أصبحت خصمًا فعليًا لمن سبق وكانوا أصدقاء لها. 

تكشَّف ذلك كله بأشكال ضخمة ومهينة. ويندرج في الفئة الثانية، أي المهينة، قوله أخيرا إن حلفاء الناتو كانوا «بعيدين بعض الشيء عن الخطوط الأمامية» في أفغانستان، فهذه إهانة بالغة لأسر 457 عسكريا بريطانيا ولرفاقهم من مختلف بلاد الحلف الذين ضحوا بأرواحهم في ذلك الصراع. 

وفي الفئة الأولى يندرج كشفه النقاب عن مغامرته الأخيرة: إذ قال سابقا لرئيس وزراء النرويج، الذي اتهمه زورًا بأنه حرمه من جائزة نوبل، إنه ضجر من السلام، وإنه قد جاء إلى دافوس ليطلق «مجلس السلام» الخاص به. 

وترامب أشبه بالكتب التي يمكن الحكم عليها من عنوانها، ومن ثم فقد قال شعار مجلسه كل شيء، فهو جوهريا كما أشار أحد الكتاب شعار الأمم المتحدة «لكنه ذهبي ومعدل بحيث لا يحتوي العالم إلا أمريكا». 

وفي ذلك تكمن النقاط الأساسية: وهي أن «مجلس السلام» محاولة للحلول محل الهيكل الدولي القائم منذ 1945، والتربح منه، وإزاحة الأمم المتحدة ليحل محلها نادي أعضاء مارالاجو الذي يبلغ اشتراك العضوية الدائمة فيه مليار دولار وتكمن سلطة اتخاذ القرار في أيدي ترامب نفسه، حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية. ومحض دعوة فلاديمير بوتين وعدم دعوة مارك كارني تنبئانكم بكل ما تحتاجون إلى معرفته. 

لقد كان حلفاء الولايات المتحدة لفترة من الزمن يواسون أنفسهم بالاعتقاد بأن ترامب استثناء مصيره الزوال يوما ما فيتسنَّى استرجاع الأيام الخوالي. وهذا الوهم أيضا بات حطاما. فحينما كان لا يزال يبدو أن ترامب عاقد العزم على تنفيذ تهديداته بشأن جرينلاند، لم تبد بادرة على أن أحدا أو شيئا داخل الولايات المتحدة قد يوقفه. وخلال الشهور الاثني عشر الماضية، أظهر ترامب أن القيود الرسمية الموضوعة لمحاسبة الرئيس الأمريكي يسهل التخلص منها. ولو أمكن حدوث ذلك مرة، فمن الممكن أن يحدث مرة أخرى. بما يعني أن ترامب ليس وحده الحليف الذي لا يمكن الاعتماد عليه. ولكن الولايات المتحدة كلها للأسف الشديد. 

ثمة دروس يجب تعلمها فورًا من هذا كله. الأول هو أن ترامب يظل يتقدم ما لم يقابل مقاومة؛ إذ قال مستشاره السابق ستيف بانون لمجلة أطلنطك هذا الأسبوع إن استراتيجية فريق ترامب في شتى المجالات هي «الحد الأقصى» أي المضي إلى أبعد ما يمكن إلى أن يوقفهم شخص. وقد أدت تحركات ترامب بشأن جرينلاند إلى حدوث انهيار في سوق الأوراق المالية ورفض محلي ـ إذ اعترض 86% من الأمريكيين على الغزو المسلح للجزيرة ـ لكنه أحدث أيضا جبهة موحدة وتهديدات اقتصادية مضادة وكبيرة من أوروبا. فقد صمد الأوروبيون وتراجع ترامب. 

وهذا يشير إلى درس أبقى وأهم بالنسبة لأصدقاء الولايات المتحدة على المدى البعيد. وهو أنه لا يمكن أن يصبحوا في موقف من يعتمد على الولايات المتحدة اقتصاديا أو عسكريا، بحيث يستجيبون مرغمين لمطالبها. 

وبعد إيضاحه هذه النقطة البسيطة تمام الوضوح، كوفئ مارك كراني بالتصفيق وقوفا في دافوس بعد خطبة تصلح لأن تكون النص الفارق في هذه المرحلة. قال رئيس الوزراء الكندي: إن «النظام القديم لن يعود. ولا يجب أن نأسى عليه. فالحنين ليس استراتيجية». 

ما دعا إليه كراني، وما تقتضيه اللحظة الراهنة، هو ترتيب جديد، وتشكيل جديد. ليس على القوى المتوسطة، أي بلاد الغرب الديمقراطي بعيدا عن الولايات المتحدة، أن تقبل في سلبية بأن نظام «المؤسسات والقواعد» القديم قد انتهى وحل محله عالم «الأقوياء والصفقات» الجديد على حد وصف الرئيس جهاز الاستخبارات البريطاني السابق. 

وبدلا من المنافسة فيما بينهم على الاستجابة لهيمنة الولايات المتحدة، والتزلف لإمبراطور البيت الأبيض راجين النجاة من غضبه، بوسعهم كما قال كراني أن «يتجمعوا من أجل إيجاد طريق ثالث». 

كيف يمكن أن يكون شكل هذا؟ الشكل الواضح هو تشكيل جديد من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا، ويكون في آن واحد كتلة اقتصادية ذات ثقل وتحالفا أمنيا ذا بأس. 

وفي النهاية، سوف يرمي إلى تقديم رد إيجابي على سؤال ظل مخيمًا على الأفق طيلة العام الماضي: هل بوسع أوروبا أن تدافع عن أوكرانيا، وعن نفسها، بدون الولايات المتحدة؟ في الوقت الراهن ما من إجابة واضحة وصريحة لهذا السؤال إلا النفي. فلم يخطئ فولوديمير زيلينسكي حينما قال إن أوروبا اليوم «تظل جميلة لكن متشرذمة إلى قوى صغيرة ومتوسطة» وهي «تبدو تائهة، تحاول إقناع رئيس الولايات المتحدة بأن يتغير في حين أنه لن يتغير». 

ومن ثم، فالهدف لا يقل عن تحالف جديد بين البلاد الديمقراطيات الغربية يتوقف عن الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عن نفسه. ولا يمكن أن يحدث هذا بين عشية وضحاها، فقد يستغرق عقدا أو نحو ذلك كي يتحقق. ولكن مثلما قال لي وزير الخارجية السابق جيريمي هانت هذا الأسبوع، سوف يكون «تقصيرا جسيما في أداء الواجب إذا نحن لم نقم الآن بما علينا القيام به» تحقيقا لهذا الهدف. 

ولأن الأمر سوف يستغرق وقتا، فمعنى هذا أنه لن تقع انفصالات فجائية عن الولايات المتحدة. 

وطالما بقي الحلفاء معتمدين على حماية الولايات المتحدة، فسوف يتعين على أمثال كير ستارمر أن يواصلوا التبسم في وجه ترامب وهم يصافحونه. وسوف يكون على مركبة الناتو أن تبقى على الطريق، وإن بقي أقوى أعضاؤها يمزق إطاراتها. ولكن في الوقت نفسه، سوف يعمل التكتل الجديد، الذي قد يقدم نفسه بتواضع باعتبار أنه «ذراع أوروبي للناتو»، على اكتساب القوة وترسيخ مكانته. 

والأمر الأساسي الذي لا غنى عنه لهذه الخطة هو الزيادة الهائلة في الإنفاق الدفاعي. فذلك سوف يعيد تشكيل سياسات جميع البلاد التي نعمت بثمار السلام منذ نهاية الحرب الباردة، فتمكنت من تقليل إنفاقها على الأسلحة وزيادة الإنفاق على المدارس والمستشفيات. وسوف يعيد تشكيل الجدال القائم منذ عقود على علاقة بريطانية بأوروبا. فسوف يدرك كلا الطرفين أن عليهما أن يتحركا، فتتخلى بريطانيا عن أوهام البريكست ويمنح الاتحاد الأوروبي بريطانيا شيئا قريبا من التجارة السلسة مقابل إسهام جاد تقدمه المملكة المتحدة في الدفاع عن أوروبا. 

ثمة فرص هنا، منها فرص لستارمر؛ فبوسعه أن يطرح زيادات ضريبية تخالف برنامجه الانتخابي باعتبارها مسألة أمن قومي. وبوسعه أن يطرح علاقات أوثق مع أوروبا بالطريقة نفسها. وبوسعه أن يترك نايجل فاراج غارقا في الجانب الخاسر من الرأي العام، مبهورا بالرجل الذي أهان موتى بريطانيا في الحرب. 

بوسع ستارمر أن يصور «الإصلاح» باعتباره الحزب الأسير لترامب، وخصوم «الإصلاح» باعتبارهم المدافعين الحقيقيين عن سيادة بريطانيا واستقلالها. 

«لقد بدأ العالم الذي عرفناه يحتضر، قتيلًا على يد امبراطور مزعوم في أمريكا. لكن شيئًا آخر بات واضحا هذا الأسبوع، وهو أن عالما جديدا يوشك أن يولد. 

ـ جوناثان فريلاند من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان