قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات والاقتصاد المعرفي

08 يونيو 2026
08 يونيو 2026

يعد قانون مكافحة تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني السامي رقم (61 /2026) نقلة نوعية لتأسيس مستقبل الاقتصاد العُماني من خلال تعزيز أدوات الاقتصاد المعرفي في سلطنة عُمان، فالقانون الجديد لم يقتصر على تجريم الاختراق، السباب والشتائم، والتصدي للاحتيال الإلكتروني وحسب كما نصّ في قانون مكافحة جرائم المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (12 /2011)؛ بسبب متطلبات حقبة الزمن حينها؛ تزامنا مع الثورة الرقمية، وانتشار المنصات الرقمية وانتقال بعض فئات المجتمع إلى العالم الافتراضي للتفاعل مع مستجدات الحياة اليومية، ومع تطور منظومة الاقتصاد العالمي بشكل عام كثيرا خلال السنوات الماضية، وهذا التطور يتطلب تحديث منظومة التشريعات والقوانين المرتبطة به، وبالتالي من المهم أن يتسق قانون مكافحة تقنية المعلومات ويتوافق مع توجه الاقتصاد نحو بناء الشركات التي تعتمد على الحوسبة السحابية في توفير موارد تقنية المعلومات مثل الخوادم، والتخزين، وقواعد البيانات، والبرمجيات عبر الإنترنت، وبالتالي ستكون المعرفة هي القوة التي تقود الاقتصاد العالمي بشكل عام خلال السنوات المقبلة من خلال التعامل مع بنوك رقمية وشركات توظف التقنية والحوسبة السحابية في أعمالها اليومية، وفي تعاملها التجاري مع الشركات الأخرى والمستثمرين خارج حدود الدولة.

إنّ قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد يبعث رسائل اطمئنان للمستثمرين بأن البيانات آمنة وأنّ القانون أوجد حماية قانونية وجرّم الممارسات التي كانت هاجسا للمستثمرين قبل الدخول في استثمارات وشراكات في سلطنة عُمان، فلم يعد القانون كما يظنه البعض يحمي الأجهزة (Hardware) لكنه أيضا يحمي القيمة والبيانات (Software)، وبالتالي فإن القانون جرّم الوصول غير المشروع للبيانات وأوضح عقوبة ذلك وربطها بجرائم الابتزاز، والتشهير بالذكاء الاصطناعي، وهنا نستطيع أن نطمئن المستثمرين بأن السيرفرات في حال تم بناؤها في سلطنة عُمان ستكون محمية قانونيا من القرصنة والاختراق وفقا لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد، وبالتالي هناك حماية للبيانات قانونيا وعقوبة رادعة وتجريم للممارسات الضارة غير المسؤولة للاستخدام غير القانوني للبيانات الخاصة بالمستثمرين واستثماراتهم، أيضا القانون الجديد لمكافحة جرائم تقنية المعلومات سيسهم في تقليل مخاوف المبرمجين ومطوري الأفكار إضافة إلى المبتكرين من الاعتداء على البرمجيات وقواعد البيانات وكذلك الأفكار المبتكرة من استنساخها بطريقة أو بأخرى بهدف إعادة تقديمها وتملكها.

إنّ نجاح الاقتصاد المعرفي في مجتمعاتنا يتطلب ثقة أفراد المجتمع في مبادراته وأدواته مثل الدفع الإلكتروني، والتوقيع الرقمي ولذلك عالج قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات هذه المخاوف من خلال العقوبات الرادعة التي نص عليها القانون في حق مرتكبي جرائم التزييف وانتحال الهوية حتى يبعث القانون رسائل اطمئنان لأفراد المجتمع وللمستفيدين من الاقتصاد المعرفي بأن البيانات التي تمثل اليوم القيمة في الاستثمار أصبحت محمية بموجب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وبالتالي فإن القانون جاء مواكبا للمتغيرات ومتوائما مع اقتصاد المستقبل. ونجاحه يتوقف على وجود قضاء متخصص للبت في جرائم تقنية المعلومات؛ لأن الاقتصاد المعرفي سريع في التحول والإنجاز والتطور لكن الجريمة التقنية أسرع في الوقوع والأثر، وبالتالي من الجيد الاشتغال على تأهيل قضاة متخصصين في المجال التقني ومكافحة جرائمها، أيضا من المهم أن تكون الاستجابة سريعة على بلاغات الجريمة الرقمية حتى يتم اتخاذ الإجراءات الاحترازية سريعا قبل توسّع أثر الجريمة، كما أن سرعة الاستجابة مهمة؛ لأن الأدلة الداعمة لوقوع الجريمة التقنية سريعة الاختفاء والتلاشي، وبالتالي يصعب تتبعها، وتفنيدها، والتحقق منها والتحقيق حولها. وفي المرحلة الحالية، من المهم تكثيف التوعية بجرائم تقنية المعلومات وكيفية التفاعل معها وتجنب الوقوع فيها؛ خاصة مع كثرة التعاملات الرقمية، وسهولة الوصول إلى البيانات الشخصية، وتوجه بعض فئات المجتمع خصوصا أصحاب الأعمال نحو الاستفادة كثيرا من أدوات الاقتصاد المعرفي في تطوير بيئة الأعمال وتعظيم الأرباح وسهولة الوصول إلى الزبائن عبر توظيف أدوات الاقتصاد الرقمي في مجالات التسويق والترويج للمنتجات والخدمات المقدمة. وأعتقد من الضرورة أن تشمل التوعية المجتمعية كيفية تجنب فتح الروابط الوهمية والمشبوهة، ووضع كلمة سر قوية غير قابلة للتنبؤ من قبل المحتالين، وعدم الانجرار خلف الترويج غير العقلاني الذي يعتمد على مخاطبة العاطفة بدلا من الواقعية في اتخاذ قرار الشراء والاستهلاك، وذلك عبر استخدام أدوات الاقتصاد السلوكي من خلال التأكد تماما من الأسعار الحقيقية للمنتجات من منافذ البيع الرسمية والمعتمدة؛ خصوصا مع انتشار المنصات الرقمية، وكثرة الإعلانات الوهمية، والمعلومات المضللة حولها، وتصيد المحتالين روابط الدفع الإلكتروني؛ للحصول على البيانات الشخصية للأفراد، واستغلالها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية، وبالتالي علينا أن نتحلى بالمسؤولية الوطنية في حماية الاقتصاد المعرفي وممكناته وأدواته للارتقاء بالاقتصاد العُماني إلى مزيدٍ من التطور والنمو والتوسّع للوصول إلى مستوى الاقتصادات المتقدمة.

راشد بن عبدالله الشيذاني باحث ومحلل اقتصادي