رؤية حول التغيير والحداثة

19 يوليو 2026
19 يوليو 2026

تظل الرغبة لاستكشاف المعرفة هاجسا حقيقيا لدى تلك الفئة التي تطرح أسئلة جوهرية حول مفاهيم جدلية كالتغيير والحداثة، ويشكل هذا الهاجس دافعا جوهريا لاستمرارية البحث عن الجديد من التجارب العلمية والعملية الأصيلة على مستوى الهدف والمنهج والنتائج والتي تحقق قيمة فكرية مضافة تساعد على تقريب الفجوة المعرفية بأطروحات أكثر عمقا.

إن البحث عن اتجاه جديد لتفسير جدلية مفهومي الحداثة والتغيير وأبعادهما العلمية والفلسفية، يتطلب وبشكل أساسي فهم التحولات التي حدثت في النتاج المعرفي العالمي وعلاقتها بمواقف عملية، سياسية وأخلاقية تتعلق بإشكالات الوجود الإنساني.

وهنا قد تفيد المقاربات التالية في تشكيل أرضية تحليلية من شأنها أن تساعد على فهم منطلقات جديدة لتفسير التغيير والحداثة:

أولا: إن صياغة المفاهيم تمثل حالة للنشاط العقلي الخلاق للفكر، ومن ثم يمكن أن يعبر هذا النشاط الخلاق عن إمكانية التحول في طبيعة المفهوم ذاته، وهنا قد تبدو مهمة الفلسفة الأصلية توضيح المفاهيم، ومن ثم تشق الفلسفة طريقها من الجزئي (مجال اهتمام المباحث والعلوم الإنسانية الأخرى) إلى الكلى أو الشامل.

ويعد الهدف الرئيسي لهذه العملية محاولة الفهم التام، وإن ظل هذا الأمر ضرباً من المحال، إلاَّ أنه من المفيد عبر تلك المحاولة الانتقال من حالة الاضطراب أو التشويش إلى الوضوح على نحو شمولي وعميق.

وقد أبانت التجربة الديمقراطية ضرورة وجود المفهوم؛ إذ إن الأسئلة التي طرحها سقراط من عينة ما الفضيلة؟ ما العدالة؟ ما الخير؟ ما طبيعة القانون؟... كانت تمرينا أولياً للتعرف على المفهوم من خلال البرهنة الجدلية Dialectical argument التي تستلزم تقديم مجموعة من التصورات عن العدالة، على سبيل المثال، ليتم العثور من بينها على المفهوم الأكثر شمولية.

ولذا يتطلب الأمر تقديم وجهات نظر خاصة حول كل تصور يؤكد أسبابه في رفض صحة التصورات الأخرى، ثم توضع هذه الأسباب محل الاختبار أو الفحص العميق في مقابل عرض أسباب تدحض التصورات الأخرى. وهكذا يتم حصر مجموعة التصورات الممكنة عن العدالة، ثم البحث عبر هذه المجموعة للوصول إلى المفهوم الملائم بشموليته، للصمود في وجه الدحض أو الإنكار.

ثانيا: تتعدد دلالات لفظ (الحديث) modern وفقاً للسياقات المختلفة التي يرد بها، إلاَّ أن من الشائع استخدامه للدلالة على (المعاصرة) أو (معاصر) contemporary والذي يعنى على وجه أكثر دقة (الآن) أو (اليوم).

ولكي يمكن تمييز (الحديث) عن غيره من الألفاظ أو المصطلحات المتداخلة معه في المعنى الشائع أو المتداولة يجب قصر معناه على ما يعد سمة تميز الحاضر أو الحالي أو الآونة الأخيرة في مقابل الماضي البعيد بمعنى نقيض (قديم) (وسيط).

وقد ظهر لفظ (حداثة) modernity للدلالة على المصدر من لفظ (حديث) الدال تاريخياً على عصر ما بعد العصور الوسطى (أو نهاية القرن الخامس عشر).

ومن (الحداثة) جاء مصطلح أو لفظ حداثي modernist. أما ما بعد الحـداثة post-modernity فإن البادئة الإنجليزية post (ما بعد..) تشير إلى الانفصال عن محتوى (الحديث) أو استمراريته وقد تعنى المزج بين الاثنين في صورة جدلية للانفصال والاتصال (بين الحديث أو الحداثة، وما بعد الحديث أو ما بعد الحداثة)، ومن الجدير بالذكر، إيضاح مصطلح (التحديث) modernization كدلالة على إمكانية وجود صياغة عقلانية لأسلوب الإنتاج الذي تعتمد عليه التكنولوجيا الحديثة، أو التنظيم المنهجي للأعمال الاقتصادية بصورة واعية، وهو أساس الرأسمالية الحديثة كما يراه ماكس ويبرز.

ثالثا: تشير القراءة العميقة لهذا الكم من المفاهيم المعاصرة وما لحق بها من تحولات عبر رؤى ما بعد الحداثة، إلى مسألة جوهرية وهي أن مفهوم أو تعريف ما بعد الحداثة نفسه يعد أمراً يستحيل تحديده؛ فلا يمكن وصفها وصفاً محكماً لا يقبل مناقشة، ومن ثم تقود استحالة التحديد لما بعد الحداثة إلى النسبية وعدم التحديد، وهكذا يكون عدم اليقين دلالة على (ما بعد الحداثة)، عاملا يضع قضية تشكيل المفاهيم المعاصرة على محك النظر والارتياب في آن معا. (فاهتمام ما بعد الحداثة في المقام الأول هو إزالة كل ما يمكن من سمات سائدة تشكل طابعاً لنمط حياتنا، وأن كل الكيانات التي يمكن النظر إليها بوصفها طبيعية ومن بينها الرأسمالية والنظام الأبوي والنزعة الإنسانية في صورتها الليبرالية هي كيانات (ثقافية) لم توجد بصورة طبيعية وإنما صنعت بأيدينا).

رابعا: من زاوية فكرية / فلسفية يمكن إدراك رؤية ما بعد الحداثة في تعارضها مع الفلسفة التقليدية، وذلك من موقف ما بعد الحداثة الرافض لمفهوم (الكلي) Totality. ولعل أفضل طريقة لفهم (الكلي) هي تأمل التضاد الثنائي binary opposition بين الذات subject (الوعي الذي يدرك العالم) والموضوع object (الظواهر الخارجية المدركة). إنه من المستحيل تصور ذات مدركة a perceiving subject ما لم يكن لدينا مفهوم شيء خارج الذات، ومن ثم يمكن أن تدركه. وبالمثل فإن مفهوم موضوع الإدراك سيكون خالياً من المعنى دون تصور لذات فاعلة active subject بوسعها القيام بالإدراك. وهكذا فإن مصطلحي الذات والموضوع هما متضادان في الحقيقة، لكن كل منهما يشكل الآخر، ويجعله ممكنا، إنهما متداخلان في وحدة أو كلية تتجاوز مجموع أجزائهما. ويمثل الهجوم الذي تتخذه ما بعد الحداثة على (الكلى)، صورة للذات الإنسانية معزولة عن سياقها التاريخي والاجتماعي؛ فالذات العارفة أو الوعي الذي يدرك العالم أو مفهوم الكائن الإنساني تَمّ اعتباره ماكينة رغبة نَهمة insatiable desiring machine باعتباره حيواناً محكوماً برغبات غير نهائية؛ ولذا فإن اعتقاد الناس أنه يمكن دراسة الأشياء والأحداث كأفضل ما يكون بصورة انعزالية بعيداً عن السياق الكلي للمجتمع والتاريخ سيعمل على ترسيخ الوضع الراهن إلى الأبد.

خامسا: إن ما ترفضه ما بعد الحداثة هو فكرة أن التاريخ يتحرك صوب غاية نهائية، وفي المقابل تطرح كون التاريخ ليس إلاَّ أحداثاً منفصلة لا تستهدف غاية أو هدفا، ومن هنا تشير (ما بعد الحداثة) إلى طبيعة مرحلة فكرية جديدة تستشعرها في إيقاعها المتلاحق، وبحثها الدؤوب عن الجديد والمختلف، لكنك لن تستطيع أن تمسك بزمام سماتها، لتحدد ملامحها بصورة واضحة، إنها ليست خروجاً على المألوف فحسب، بل تمثل انقلاباً جذرياً في المفاهيم؛ حيث حل (الشاذ) محل (المألوف).

سادسا: هل يمكن النظر إلى نشأة مفهوم (ما بعد الحداثة) كردّ فعل لحالة التشويش التي أعقبت الحرب العالمية الأولى؟ ما علاقة المفهوم بالفلسفة الوجودية بعد الحرب العالمية الثانية؟ (يمكن القول بأن سنوات ما بين الحرب العالمية الأولى والسنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة الفترة الفاصلة في التفكـير العلمي الاجتماعي (وأنماط التفكير الأكثر أيديولوجية المتصلة به) بالطريقة التي اقترحها المفكرون التقدميون في القرن التاسع عشر وكتاب نهاية القرن أوائل القرن العشرين، ولا نبالغ إن قلنا: إن الحرب الطويلة التي دامت من عام 1914م حتى عام 1945م انطوت على صراع أيديولوجي حول مزايا تشخيصات الماضي والدلالات التي تولدت في السجال بشأن التحول إلى الحداثة، الذي بلغ ذروته للمرة الأولى خلال السنوات السابقة لعام 1914م). ولعل ما يلفت الانتباه في الفقرة السابقة إمكانية تولد (ما بعد الحداثة) من رحم تشخيصات الماضي وما تمثله من دلالات التحول إلى الحداثة، ويحيلنا هذا إلى أهمية فكرة وعى الإنسان المعاصر بحركة الزمن مهما تزايدت سرعة هذه الحركة، في مقابل حراك فكري لا يسعه اللحاق بتنظير كاشف لطبيعة الحركة، ولا بأهدافها أو غاياتها (لكن بعد أن تم إقرار الحداثة، في الاستقرار الذي أعقب الحرب وما صحبه، بدا نوع من الموافقة الأكاديمية المتواطئة تمثل في الافتراض التالي: ما دامت الحداثة هي الآن هنا، في هذه المرحلة أو الفترة المحددة فلا شيء وراءها.. أصبحت الحداثة هي محطة النهاية. وأي شيء بعدها خارج سياق التطور، إنه (بعد) ولابد أن يقضى عليه في مهده.

سابعا: من وجهة نظر موازية يأتي مفهوم (التغيير) ليقود إلى طرح تساؤلات عن أيديولوجيات امتدت من القرن التاسع عشر حتى القرن العشرين بين الانفصال عن الماضي (الزمن) أو الواقع (الحالة) وهذا ما يخلق معه إشكالية من نوع خاص: هل التغيير هو تأسيس لحالة جديدة مختلفة عما قبلها أم هو انفصال تام عن ذلك الواقع وبالتالي يحاول تفكيك ثوابتها بأخرى، معنى هذا أن التغيير قد يشكل حالة تشمل متغيرين في آن واحد، استمرار وانفصال، تشابه واختلاف، وحدة وتمزق، أو تبعية وتمرد.

إن التغيير إذن هو بنية تمتد في الزمن وتتشعب في لحظة معينة فيه.

لقد حاول البعض التطرف عند إدارة تغيير من خلال التأكيد على فكرة التخلي عن ماض استنفد أغراضه لدينا، بل صار معوقا؛ إذ يعبر عن فترة زمنية تاريخية مقيدة مكانياً، ومن ثم يجب تجاوزها.

أوجدت جدلية التغيير والحداثة مفهوما عالميا (غربي المنشأ) تعبر عنها عمليات (العولمة) وآلياتها لتحديد الهوية ونتاجاتها الثقافية من منظور عالمي بعيد عن القطر والإقليم والقبيلة، وقد طرح التغيير بمداه العولمي في السياقات الفكرية التالية:

1 - التغيير عملية ثورية a revolutionary process: تنشأ على نحو مباشر من التباينات بين المجتمع الحديث والمجتمع التقليدي.

2 - التغيير عملية معقدة a complex process تتطلب تغييرات عملية في كل جوانب الفكر والسلوك الإنساني.

3 - التغيير عملية نسقية a systemic process أي أن التغيرات في عامل واحد مرتبطة بالتغيرات في عناصر أخرى.

4- التغيير عملية مطولة a lengthy process: إن إجمالي التغيرات التي يتطلبها التحديث يمكن أن تتحقق من خلال الوقت فقط.

5 - التغيير عملية متدرجة في مراحل a phased process: يمكن التمييز بين المستويات المختلفة أو بين أطوار التحديث التي سوف تنتقل معظم المجتمعات من خلالها.

6 - التغيير عملية لا يمكن عكسها an irreversible process : إن مجتمعا قد وصل إلى مستوى معين من التحضر والتعليم والتصنيع في عقد واحد لن ينحدر عملياً إلى مستويات أدنى في العقد الذي يليه.

7 - التغيير عملية تقدمية a progressive process إن التحديث يدعم على المدى البعيد سعادة الإنسان على نحو حضاري ومعنوي ومادي.

إن الصورة المتخيلة لمفهوم (التغيير) بعيداً عن سياقه (الغربي) الذي نشأ من خلاله، وقريباً من سياقه (غير الغربي) يكشف عن عملية (تهجين) تبدو واسعة النطاق من حيث انتشارها؛ حيث تختلط فيها أنماط ثقافية ومعاني وألفاظ مختلفة من مصادر متعددة على المستوى التاريخي والواقعي.

وبلا شك أن التعامل مع جدلية التغيير والحداثة يشكل أزمة معاصرة للفكر الإنساني من خلال إبرازها لإشكالات خلافية معقدة في المفاهيم والأيديولوجيا نتجت عنها أزمات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، تتطلب معالجتها التعامل مع الجذور الحقيقية لمسببات الخلاف وعدم الاتفاق وليس التجاهل والاستمرار إلى رحلة لا خارطة طريق لها.

د. خالد الحمداني كاتب عماني