كيف يغيّر الإعلام الفردي فهمنا للعالم وأحداثه؟

18 يوليو 2026
18 يوليو 2026

بدأنا نشهد تحولا في آلية صناعة الأخبار وتحليلها وانتشارها، وفي عوامل انجذابنا إليها وإلى مصادرها. وقبل الولوج إلى التحولات الحالية، يمكننا -عبر خط الزمن- تتبع البداية التقليدية لظاهرة الإعلام بدءا من انتقال المعلومة شفهيا عبر مصادر بشرية تنقل المعلومات والأخبار إلى أطراف ومجموعات أخرى، وكان ذلك يتطلب فترات زمنية طويلة مقارنة بما نحن عليه اليوم، ولم يكن بالإمكان التحقق من دقة المعلومة أو تبيّن صحتها وما قد يعتريها من زيف.

انتقلنا بعدها إلى المشهد المؤسسي المعني بنقل الأخبار وفق ضوابط وأسس تنظم آلية التفاعل مع الأحداث وتحليلها؛ فتكون أداة بيد من يملكها سواء الحكومات أو التيارات السياسية والاقتصادية والدينية، ولتستعين بها في إيصال الفكرة وتشكيلها في عقول الناس والمجتمع وفق توجهاتها الخاصة بها، وهذا ما جعلها تُعرف بالطابور الخامس نظرا لقوة تأثيرها الجمعي، وبالتالي، صار الإعلام أداة قادرة على تشكيل العقل الجمعي في المجتمعات عبر ضخ الأخبار، بصحيحها وزيفها.

وأمكن لهذه المؤسسات الإعلامية بدءا من المكتوبة إلى المرئية أن تحشد كل قوتها ومهارتها لتقود المجتمعات عبر ضخ الأفكار إليها؛ فتكون إما وقودا وطنيا للدفاع عن الوطن وعن مبادئه أو نارا حارقة مثل ما حدث مع ما يُعرف بثورات الربيع العربي التي لم تنتج إلا خرابا للأوطان وشعوبها -إلا ما رحم ربي-.

كذلك عندما تبرز قضايا عامة، فإن هذه المؤسسات -بما تحمله من ميول سياسية وفكرية وثقافية- تحاول ترجيح كفة قرارات وأفكار بعينها لصالح توجهاتها، فتضخها إلى عقل المتلقي بكل ما تملكه من مهارة، وهذا ما أمكن أن نجده -عبر التاريخ الصحافي- في دور الصحف والمجلات التي ليست بالضرورة تابعة للحكومات؛ فتتبع كثير منها تيارات فكرية ودينية متعددة، ويشمل الأمر -بعد ذلك- الإعلام المرئي الذي تجسد في القنوات التلفزيونية التي حلت -في قوة تأثيرها- محل الصحف والمجلات.

انتقل العالم ونظمه الإعلامية بعد ذلك إلى مرحلة جديدة تتحكم فيها الأدوات الإلكترونية والرقمية، ولهذا باتت وسائل التواصل الاجتماعي -بمختلف صورها المكتوبة والمرئية والمسموعة- أدوات إعلامية مؤثرة تفوقت على الأدوات التقليدية السابقة التي ذكرناها آنفا.

وأصبحت هناك حسابات -سواء كانت فردية أم مؤسسية- على وسائل التواصل الاجتماعي، استطاعت أن تكوّن جماهير خاصة بها تثق فيها وبما تنقله من أخبار؛ فكثر في هذه الوسائل، وفي حساباتها المتعددة، الغث والسمين، وبات من الصعب الحكم على بعض ما تنقله من معلومات وأخبار بأنها صحيحة أو زائفة. وتفاقم الأمر مع التقدم الرقمي وخوارزميات التزييف التي واكبت ظهور الذكاء الاصطناعي وقدرته على إنتاج محتوى مزيف يصعب على البعض التمييز بين صحيحه وزيفه.

جعلتنا كل هذه التحولات خصوصا مع تسارع طفراتها الرقمية أمام معركة جديدة لصناعة العقل الجمعي وإعادة تشكيله التي أثّرت في الميول والتوجهات السياسية والثقافية والدينية، وفي الهوية التي لم تكن بمنأى عن هذا التأثير. ما جعل كثيرا من المجتمعات عبر أنظمتها الحكومية أو المجتمعية والفردية تواجه التحديات التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي.

وسبق أن طرحت مقالا في هذا الشأن، بينت فيه تأييدي لتوجه الحكومات التي بدأت تستشعر ناقوس الخطر الذي يدق مجتمعاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها حكومة سلطنة عُمان التي بدأت تبادر إلى اتخاذ إجراءات تحد من تأثير هذه الوسائل، وتحديدا على فئة الأطفال والمراهقين.

مع هذه التحولات الإعلامية التي يصعب التحكم بها وفرض رغباتنا على ما تحتويه خصوصا مع النماذج الإعلامية غير المؤسسية التي يمكن أن نطلق عليها بالإعلام الفردي سواء أكان مرئيا أم مكتوبا، أو جامعا بينهما، ورغم عدم إنكارنا لخطورة هذا النوع من الإعلام ومع وجود الأدوات الرقمية المتطورة، فإننا أيضا بحاجة إلى تناول الجانب الإيجابي لظاهرة الإعلام الفردي، وأستطيع أن أركز على ثلاثة نماذج على سبيل المثال.

أولها -في الغرب- ظاهرة الإعلامي الأمريكي «تاكر كارلسون» الذي قاده خروجه -أو بالأحرى طرده- من «فوكس نيوز» إلى أن يصبح أحد أبرز أعمدة الإعلام الأمريكي والغربي عموما، بفضل قدرته على نقل الأخبار وتحليلها، وتمكنه من بناء قاعدة جماهيرية كبيرة استطاع التأثير فيها.

وزادت شعبية «تاكر كارلسون» بعد تبنيه للقضية الفلسطينية، واصطفافه إلى جانبها، ومغايرته للسردية التي سعت الحكومات الغربية والأمريكية ومعظم وسائل إعلامها إلى ترسيخها عبر استثمار جهود كبيرة في تعزيز الفكرة الصهيونية داخل العالم الغربي، وكسب التأييد الجماهيري لها، وتشكيل عقل جمعي مؤمن بها؛ فكان «تاكر كارلسون» من أوائل الذين انتفضوا على هذه السردية وبدأوا في مهاجمتها.

والأمر اللافت أنه -وبعد أحداث طوفان الأقصى- اكتملت ملامح هذه الظاهرة الإعلامية لديه، واستطاع أن يشكّل حالة إعلامية فردية اجتاحت المجتمع الأمريكي والعالم الغربي، ووصل صداها إلى العالم العربي.

لدينا أيضا نموذج آخر يتمثل في الإعلامي المصري أسامة جاويش الذي امتلك أيضا أداة إعلامية مؤثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصا منصة «يوتيوب»، وقدرته على مخاطبة الجمهور العربي عبر نقل الأخبار الواردة من وسائل الإعلام العالمية وتحليلها، وخصوصا الغربية والأمريكية؛ فيقدم الصورة بسرعة ووضوح، مصحوبة بتحليل مختصر ودقيق. ورغم أن أسامة جاويش يبدو على خلاف مع بعض الأنظمة العربية، فإنه يتميز -في تقديري- بقدر من الموضوعية والقدرة التحليلية، وهذا ما أبعده عن إظهار الخصومة بصورة مباشرة في نطاق عمله الصحفي والإعلامي.

ولدينا أيضا حساب «حنظلة» على منصة «أكس»، وهو حساب يُعتقد أن القائم عليه فلسطيني، يركز على القضية الفلسطينية بشكل خاص وبعض القضايا الإقليمية وأحداثها الساخنة بشكل عام، ويحرص على نقل الأخبار بعد التحقق منها، ثم يعرضها مصحوبة بتحليل موجز.

واكتسب هذا الحساب شهرة واسعة، ربما بسبب اسمه المعروف، وأيضا بفضل ما يراه متابعوه من موضوعية، الأمر الذي أكسبه ثقة جمهوره، حتى بدأ كثير منهم يعتمدون عليه أكثر من اعتمادهم على بعض منصات الإعلام التقليدية.

وفي المقابل، أظهرت بعض وسائل الإعلام التقليدية بما فيها قنوات تُعد من أشهر القنوات العربية تراجعا في ثقة جمهورها نتيجة فقدانها للموضوعية، وانحيازاتها المتكررة مع كل تحول سياسي، بما تفرضه التوجهات السياسية التي تنتمي إليها أو تعمل في إطارها وتتأثر بها، وهذا ما جعلنا أمام ظاهرة إعلامية جديدة لا تحتكرها المؤسسات الإعلامية استطاعت أن تكسب جمهورا كبيرا تجاوز -في بعض حالاته- جمهور القنوات الإعلامية المؤسسية.

وعبر استعراضنا للنماذج الثلاثة -التي يمكن القول إنها تمثل صورة واضحة للإعلام الفردي- نجد أنها أثبتت قدراتها واستقلاليتها، وتمكنت من تتبع الأحداث وتحليلها بصورة موضوعية وسريعة ودقيقة، الأمر الذي أكسبها شعبية وثقة لدى جمهورها.

كذلك استطاعت -في حدود ما يبدو لنا- أن تعمل باستقلال نسبي بعيدا عن التأثيرات الخارجية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية وفكرية.

ورغم ما يمكن أن تمثله هذه الظاهرة من صورة جديدة للإعلام وما تظهره بعض نماذجها من إيجابيات تجذب كثيرا من الناس بسبب أسلوبها في التفاعل مع الأحداث، وقدرة بعض هؤلاء المؤثرين الإعلاميين الأفراد على اختراق المجتمعات والإسهام في إعادة صياغة العقل الجمعي، فإن هناك وجها آخر لهذه الظاهرة الإعلامية الفردية ينبغي أن نكون فيه أكثر حذرا؛ إذ إنها لا تخلو من مخاطر لا تقل عن تلك التي مثلتها بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية، ويمكننا القول إن الإعلام الفردي بات يمتلك تأثيرا أقوى بحكم سرعة انتشاره، وسهولة وصوله إلى الجمهور، وما يتمتع به من قدر أكبر من الثقة لدى كثير من المتلقين، وكما رأينا نماذج مشرقة استطاعت أن تقدم محتوى مهنيا وموضوعيا، فإننا نجد -في المقابل- نماذج أخرى توظف الإعلام الفردي في بث السموم، وإثارة الفتن، والطعن في الثقافات والأديان والرموز، ونشر المعلومات المضللة.

في ظل هذه التحولات الإعلامية واتساع نطاقها، نحتاج إلى تفعيل الوعي النقدي الذي يمكّننا من التمييز بين المحتوى الرصين والمحتوى المضلل، ولست بصدد حصر هذه النماذج السلبية؛ إذ إنها كثيرة، والعالم الرقمي يعج بها، ومن الضروري التنبيه إلى أن الإعلام الفردي ليس -بالضرورة- مرادفا للموضوعية والحيادية.

كذلك أن بعض هذه الأنشطة الإعلامية الفردية قد لا يكون مستقلا استقلالا حقيقيا؛ حيث إنه من الممكن أن يرتبط -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- بجهات حكومية، أو سياسية، أو ذات مصلحة ما، تتولى دعمه أو تزويده بالمعلومات بما يخدم أهدافها وتوجهاتها. لذلك، فإننا بحاجة إلى ممارسة التمحيص والغربلة للمحتوى الإعلامي الفردي، قبل التسليم بما يطرحه أو إعادة نشره، وذلك عن طريق التحقق من مصادره، واختبار مدى استقلاليته وموضوعيته وحياده ودقته.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني