في العقل المؤامراتي

19 يوليو 2026
19 يوليو 2026

«هذا أمر دُبّر بليل»

أبو الحكم بن هشام

قلنا في المقال السابق: إن المؤامرات موجودة، وإن التاريخ حافل بها، ولكن تحويلها إلى مبدأ كلي يفسّر كل شيء ليس تفسيرًا للعالم، بل هروب من تفسيره. وبقي السؤال: كيف يتكوّن هذا النمط، ولماذا يغوي العقول جميعًا، لا عقولنا وحدها؟

العقل المؤامراتي ليس الاعتقاد بمؤامرة بعينها، بل عادة ذهنية تميل إلى ردّ كل حادث كبير أو غامض إلى قصد خفي واحد. فالمؤامرة الحقيقية محدودة موثقة لها نطاق معلوم، وفاعلون يمكن تعيينهم، وأدلة تقبل الاختبار والتكذيب، أما العقل المؤامراتي فكلّي مغلق يحوّل الدليل المضاد إلى دليل على إحكام الحبكة. الأولى تفسر واقعة، والثاني يعفينا من النظر في شبكة الوقائع.

ولنأخذ مثالين: سوروس من الغرب، وسيفر وبلفور من تاريخنا القريب. حوّل اليمين الغربي المتطرف جورج سوروس إلى عقل مدبّر لمؤامرة كونية تحرك الهجرة والانتخابات والأوبئة. والحقيقة أنه مضارب مالي فذ، راهن عام 1992 على انهيار الجنيه الإسترليني فربح، لا بسحر خفي، بل بقراءة صحيحة لاختلالات سعر الصرف والتضخم والفائدة داخل آلية الصرف الأوروبية.

أن يكون مضاربًا جريئًا حقيقة، وممولًا سياسيًا مثيرًا للجدل أمر يحتمل النقاش، أما أن يكون محرّكًا خفيًا للعالم فأسطورة. والأسطورة تُبنى غالبًا من وقائع صحيحة تُنتزع من سياقها وتُلحم في تفسير كلي: يهودي ثري يمول منظمات. ومنها يُقام بناء من الوهم. والمغزى أن المؤامراتية بنية بشرية لا عاهة عربية.

أما المثال الثاني فيكشف أن إحكام المخطط لا يكفي. معاهدة سيفر وُقّعت بين تركيا والحلفاء عام 1920، ورفضتها الحركة الوطنية التركية بعدما رسمت تقويض تركيا وتقليص مجالها بين المنتصرين. بينما وعد بلفور عام 1917 تصريح سياسي لا يملك بذاته قوة معاهدة نافذة، وإن أدخلته الوقائع اللاحقة في صك الانتداب ومسار السياسة الدولية. فأيهما كان أدعى إلى التنفيذ لو كان مصير المنطقة رهنًا بإحكام المخطط وحده؟ سيفر بلا ريب.

ومع ذلك انهارت أمام حرب الاستقلال التركية، وحلّت محلها لوزان عام 1923، بينما مضى بلفور إلى أثر تاريخي بالغ؛ لأنه دخل في دينامية سياسية وسكانية ومؤسسية حملتها بريطانيا والحركة الصهيونية وموازين القوة، في حين لم تبلغ الفاعلية الفلسطينية والعربية درجة تكفي لنقض المسار؛ فالوثيقة الأقوى قد تُدفن، والوعد الأضعف قد يمضي في أثره بما يلقاه كل منهما من قوة تحمله أو إرادة ترده.

وقد يقال: أليس في هذا تهوين من التدبير الخفي؟ والجواب أن المقال لا ينفي التدبير، بل ينفي تأليهه. بين إنكار المؤامرة وردّ التاريخ كله إليها مسافة هي موضع النظر. من السذاجة أن نغفل عن المصالح والخطط والوثائق السرية، ومن العجز أن نجعلها علة كافية لكل نتيجة. فالمؤامرة لا تنجح لأنها أُريدت، بل لأنها وجدت شروطًا تحملها، وخصومًا يعجزون عن ردها، وزمنًا يسمح لها بالامتداد.

كيف تنشأ نظرية المؤامرة؟ تنشأ حين يلتقي غموض العالم بحاجة العقل إلى القصد. فالدماغ ينفر من الفراغ السببي، ويستثقل المصادفة في الأحداث الكبرى؛ فإذا وقع حدث صادم، وضعفت الثقة بالمؤسسات، واشتد الخوف، وتضررت صورة الجماعة عن نفسها صنع العقل من شذرات صحيحة قصة كلية باطلة.

ليست المؤامراتية جهلًا محضًا، بل اختصار موهوم لكلفة النظر تمنح صاحبها معنى وسيطرة وراحة، لكنها تفعل ذلك بإلغاء التعقيد، وتحويل المستفيد إلى صانع، والاحتمال إلى خطة، وغياب الدليل إلى دليل أعمق.

والأمر يعود إلى طبيعتين متناقضتين: واقع متشعب لا يسير في خط واحد، وإدراك بشري محدود يطلب الاختصار والقصد. في الاقتصاد لا يعمل السعر وحده، بل هو نتاج العرض والطلب والتوقعات والفائدة والسيولة والثقة والسياسة. وفي السياسة لا يعمل القرار وحده، بل يلتحم مع المؤسسات والنخب والجمهور والخصوم والمصادفات.

ولأن العقل تطوّر ليقرأ نوايا من حوله أكثر مما تطوّر ليحسب احتمالات الأنظمة المجردة، فهو يطلب لكل حادث قصة لها بطل وخصم وقصد. ومن هنا تعيد نظرية المؤامرة إلى العالم المعقد مؤلفًا واحدًا وقصدًا واحدًا، فتجعل التدبير علة كل شيء.

ومن علم الأحياء نتعلم أن النتائج البالغة التعقيد لا تستلزم دائمًا قصدًا مركزيًا. فقد تنشأ من تراكم فروق صغيرة، يعمل عليها الانتخاب الطبيعي عبر أزمنة طويلة، حتى تبدو وكأنها ثمرة تصميم محكم.

ولا يُفهم ذلك بحكاية عن فاعل واحد، بل بنموذج يزن الاحتمالات والتفاعلات والتراكمات. والسياسة، وإن اختلفت عن الأحياء لوجود فاعلين يقصدون ويدبرون، تشترك معها في شيء واحد: أن تفسيرها لا يكتمل بالحكاية الأحادية، بل بخريطة من القوى والمصالح والقيود والنتائج غير المقصودة. لذلك لا يكفي أن نسأل: من دبّر؟ بل نسأل: من هم الفاعلون؟ ما مصالحهم وقيودهم؟ من استفاد؟ ومن صنع؟ ومن ركب الموجة بعد وقوعها؟

ويبقى أن نسأل: لماذا يصمد العقل المؤامراتي رغم فساده؟ لأنه يؤدي وظائف نفسية لا معرفية؛ فهو على الصعيد الشخصي يمنح صاحبه راحة من عجزه عن فهم تعقيد الظواهر البشرية والطبيعية، وعلى الصعيد الجماعي يفسّر الهزيمة دون أن يحمّلنا مسؤوليتها، ويمنح الخصم قدرة خارقة تبرر عجزنا، ويعفينا من الفعل ما دامت الخيوط كلها في يد غيرنا. إنه عزاء يتنكر في زي تحليل. ولهذا لا يخطئ لأنه يفترض وجود قصد، بل لأنه يحوّل القصد إلى علة وحيدة، والمستفيد إلى صانع، والغموض إلى دليل، وغياب الدليل إلى دليل أعمق.

ومحكّ التمييز بسيط: اسأل عن النطاق، والفاعل، والآلية، والدليل، وإمكان التكذيب. فإذا حددت الدعوى فعلًا معلومًا، وفاعلًا ممكنًا، وآلية قابلة للوصف، ودليلًا مستقلًا، وقبلت النقض بدليل مضاد، فهي فرضية تستحق النظر. أما إذا اتسعت لكل شيء، وفسرت الشيء ونقيضه، وجعلت غياب الدليل دليلًا، ونقلت البرهان دائمًا إلى طبقة أعمق من السر، فليست تفسيرًا، بل عقيدة مغلقة.

إن نقيض العقل المؤامراتي ليس السذاجة التي تنكر كل مكيدة، بل النظر الذي يزن كل واقعة بميزانها. وعلى العارفين بتعقيد الأشياء أن يحذِّروا منه؛ لأن الفهم المشوّه لا ينتج إلا رد فعل مشوّهًا، والأمة التي تخطئ تشخيص دائها تجيد دائمًا اختيار الدواء الخطأ.

حمد الغيثي كاتب ومترجم عماني