المونديال: جسور تواصل وحلبات صراع
19 يوليو 2026
19 يوليو 2026
خارج جناح العناية المركزة بالمستشفى كان الشاب المصري (موظف بالمستشفى) يتابع باهتمام بالغ تقدم مصر على الأرجنتين في المباراة التي جمعتهما، كان عاجزًا عن التركيز أو الثبات إلا في شاشة هاتفه التي يتابع خلالها المباراة، ومع تعب الانتظار في ذلك الموقف تلصصت على النتيجة لأدرك تقدم مصر الحبيبة على الأرجنتين المرشح الأول للفوز بالكأس كل مونديال.
أُخذتُ بفرح غامر أحسب العاطفة ووحدتنا العربية منطلقا له، لأقول للشاب: مبارك لنا جميعا تميز المنتخب المصري، ثم استدركت: الفوز مصري بإذن الله.
دخلت حينها على منصة إكس لتصدمني نتيجة مغايرة تحمل فوز المنتخب الأرجنتيني خلال دقائق.
تسللت هاربة من نظرات الأسى بعد حماس وفخر.
في الواقع كنت ما زلت فخورة بالأداء العربي رغم الخسارة (باختلاف أسبابها؛ حظا كانت أو تحيزا).
كل هذا التوتر لدقائق أسلمني للتفكير في الرياضة والفنون والآداب سبيلا لتشييد الجسور الإنسانية وبناء المشتركات التواصلية بعيدًا عن مشتتات السياسة ومُفرِّقات الصراعات الدولية.
استغرقت متأملة سعي الناس لمتنفس يقيهم هجير الصراعات السياسية إقليميا ودوليا، كنت أمر على كثير من المحتوى الرقمي متضمنًا عبارات شعبية مصرية ومغربية احتفاء عربيًا بوصول المنتخبين العربيين مرحلة متقدمة من المونديال، فتبهجني تلك الوحدة مقابل انقسامات الواقع السياسي والاقتصادي.
استضافة كأس العالم لم تعد مجرد نجاح تنظيمي أو إنجاز رياضي، بل هي مشروع استراتيجي تسعى من خلاله الدول إلى تعزيز حضورها الدولي وتقديم سرديتها الخاصة أمام العالم.
وفي عصر الإعلام الرقمي والبث العابر للحدود، أصبحت الملاعب ومنصات الجماهير فضاءات تواصل حضاري وترويج ثقافي وسياسي أحيانا، الأمر الذي جعل البطولة إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين، فهل الرياضة ساحة محايدة بعيدا عن السياسة ومعتركاتها أم أنها ميدان من ميادينها؟
كيف يمكن للرياضة أن تلبس رداء القوة الناعمة لصنع تأثير فكري سياسي موجه من قبل منظمي الحدث؟
لم تكن هذه الدورة من المونديال بطبيعة الحال بمنأى عن التأثيرات السياسية وتصدير سرديات الصراع، وإن شئنا التوسع فإن نسختي المونديال الحالية والسابقة كانتا مرآة لكثير من النقاشات السياسية العالمية.
فكما كان المونديال أول بطولة كأس عالم تُقام في دولة عربية في نسخته السابقة مما جعله منصة لإبراز الثقافة العربية والإسلامية أمام جمهور عالمي، ليتحول الحدث إلى نقاش واسع حول دور الرياضة في تعزيز المكانة الدولية للدول وإعادة تقديم هويتها الحضارية، نجحت قطر حينها في صنع الدهشة بتجاوز كل الصراعات الإقليمية والدولية وحتى الصراعات الفكرية، لتجمع ليس العرب وحسب بل كل شعوب الشرق مفتخرين بالمعروض خلال المونديال من رسائل إنسانية وثقافية، مؤكدة قدرة الفنون والرياضة على صنع وتوجيه وترويج كل حمولتها الدبلوماسية بناءً لمجتمع دولي يؤمن بالإنسان ويحترم الفكر ويقدر الحضارات.
كذلك حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تفعل في هذه النسخة من المونديال مع الاستضافة المشتركة بين أمريكا وكندا والمكسيك التي ربما خطط لها قبل الفترة الرئاسية للرئيس دونالد ترامب، رغم المراد بها ومنها من توسيع رقعة الاستضافة، توحيدا للجهود وتعزيزا للمشترك بين الدول الثلاث؛ إلا أن الرئيس دونالد ترامب لم يفوّت محاولة تقويض هذه الفكرة التوفيقية مهددا باستبعاد كندا والمكسيك في النسخة القادمة! كما لا ننسى أن التوسع في زيادة عدد المنتخبات خطوة لتعزيز التمثيل العالمي ومنح فرصة أكبر للمشاركة، وهو ما يحمل بعدًا سياسيًا متعلقًا بالعدالة التمثيلية في النظام الرياضي الدولي.
التلقي لم ينأَ كذلك عن التأثيرات السياسية من قبل الجماهير المتحمسة لقضايا سياسية شائكة تحت مبررات إنسانية أو قومية أو إقليمية، بينهم كل منتصر لما هو عدو لإسرائيل، فريقا كان أو لاعبا أو حتى قميصا قد يحمل رمزية مناصرة أو مناهضة.
وليس بعيدا عن السياسة ميل الكثير من العرب لانتصار إسباني، هذا التشجيع والدعم والميل ما هو إلا بطاقة شكر عربية إسلامية عالمية لموقف إسبانيا الأخير من القضية الفلسطينية، انتصارا للإنسان منفيًا في بلده، لا زهدا في الأرجنتين التي تملكت عقول الشباب العربي عبر دورات سابقة للمونديال.
ختاما: ينقضي المونديال وتأخذ الجماهير عالميا مدى زمنيا معينا لتهدأ انفعالاتها، سيخبو حماسها تدريجيا حتى النسخة القادمة، لكن كثيرا مما أوجده هذا الحدث الرياضي سيبقى حتى موعد المونديال اللاحق، من ذلك ما أوجد هذا الحدث الكروي العالمي من مساحات حوار ضاقت عنها منصات الساسة والحكومات.
ولا تخفى قدرة هذه الأحداث الرياضية العالمية على صنع وترويج شخصيات تاريخية تبقى بعدها مع إمكانية توجيهها سياسيا واقتصاديا وإنسانيا، مع استثمار طاقتها في التأثير على الجماهير المحبة المتابعة، ومنه بناء ذاكرة رياضية رحبة تتسع لتقدير المبدع بعيدا عن عداءات الصراعات السياسية والاقتصادية، حتى لا يكون النصر بعدها مرتبطا بجنسية أو قومية أو لون، لكنه مرتبط ارتباطا وثيقا بالإبداع مُنتَجا جديرًا بالتقدير، حريَّا بالبقاء.
حصة البادي
أكاديمية وشاعرة عمانية
