الأفلام الوثائقية وسيرة الإنسان في عمان
19 يوليو 2026
19 يوليو 2026
حسنًا فعلت وزارة الإعلام، حين أنتجت ثلاثة أفلام وثائقية، عن «بيت العجائب» و«رحلة السفينة سلطانة» و«الدختر طومس»، وهي خطوة أولى نرجو لها الاستمرار نحو بناء أرشيف بصري يوثّق التجربة العمانية الثرية في أكثر من مجال، لأن الجيل الجديد أصبح جيلًا بصريَّا، مما يدل على وعي رسمي بأهمية الصورة في حفظ الذاكرة الوطنية، ونقلها للأجيال القادمة وإبرازها للعالم.
والحقيقة أن للعمانيين تجربة إنسانية ثرية تستحق أن تتحول إلى مكتبة بصرية كاملة؛ فقد كانوا روادًا في الأسفار والرحلات البحرية، وصلوا إلى الصين شرقًا في وقت مبكر، وامتد حضورهم إلى أعماق أفريقيا غربًا، وقد حملت تلك الرحلات قصصًا إنسانية تحمل في طياتها المغامرة والتبادل الثقافي والتأثير الحضاري، وأسهمت في بناء جسور بين الشعوب، ونقل قيم التسامح والانفتاح، وهو ما يجعل توثيقها ضرورة وطنية وثقافية.
والموقع الجغرافي لعُمان كان دائمًا عبر التاريخ، نافذة واسعة على العالم، جعل من العُمانيين روادًا في البحر والتجارة منذ قرون. فمن شواطئهم المطلة على المحيط الهندي والخليج العربي انطلقت أساطيلهم لتجوب البحار، وتتعرّف على ثقافات متعددة، وتبني جسورًا مع شعوب بعيدة، حتى تمكنوا من تحرير أجزاء واسعة من المحيط الهندي من السيطرة البرتغالية.
وهذه التجارب البحرية والتجارية جعلت الشعب العماني أكثر شعوب المنطقة احتكاكًا بالعالم، وأسهمت في تكوين شخصية متوازنة، منفتحة على الآخر، لكنها راسخة في هويتها، وهذا ما شاهدناه في ساحل الشرق الأفريقي، ونحن نتجوّل بين ممباسا وماليندي ولامو وباتي وفازا، وقبل ذلك في زنجبار وبيمبا.
واليوم، والمنطقة تشهد صراعات وتجاذبات، تظهر السياسات العمانية بتوازنها، امتدادًا طبيعيًّا لذلك التاريخ، فهي سياسات تستمد روحها من موقع جغرافي فريد، وتجربة تاريخية غنية، لتقدّم نموذجًا في التوازن والانفتاح في ظلّ ما نشهده في المنطقة من اضطرابات وقلاقل. والوساطات التي قادتها مسقط بين أطراف إقليمية ودولية، مثل دورها في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة، ودعواتها لبناء منظومة أمنية خليجية قائمة على الحوار، ليست إلا صدى لذلك الإرث البحري والدبلوماسي الذي صاغ الشخصية العمانية عبر القرون.
خطرَت على بالي أهمية توثيق رحلات العُمانيين عبر البحار، وأنا أقرأ كتاب «بين الأمواج والرمال» للصديق سيف بن سعود المحروقي، الصادر حديثًا عن مكتبة الروغة؛ إذ يتناول في فصل من فصوله، رحلة عودته وأهله ومجموعة كبيرة من العمانيين إلى عمان من الشرق الأفريقي، عام 1968، عبر سفينة من مدينة تانجا التنزانية إلى محوت في عُمان، ساردًا حكاية تلك الرحلة بالتفصيل، من لحظة الاستعدادات الأولى وحتى الوصول إلى عمان، والتي استغرقت ثلاثة أسابيع في البحر، قبل إكمالها عبر الصحراء من محوت في الوسطى إلى أدم في الداخلية. وجاءت تلك الرحلة بعد تسع سنوات فقط من غرق السفينة «سمحة» القادمة من أفريقيا، والتي تمثل مثالًا حيًّا على أهمية التوثيق؛ فهذه السفينة التي غرقت عام 1959 قبالة السواحل العمانية، وتسبّبت في مأساة إنسانية تحمل في طياتها أبعادًا درامية عميقة، استطاع الكاتب خالد المخيني أن يحولها إلى رواية أدبية، حملت عنوان السفينة نفسها «سمحة»، وثّق فيها أدبيًّا ذلك الحدث المأساوي في قالب أدبي مؤثر.
وعندما قرأتُ الرواية وعشتُ تفاصيل الحادث بما تحمله من حبكة إنسانية ومأساوية، قلتُ إنها تصلح أن تكون فيلمًا سينمائيًا ضخمًا، ينافس أعمالًا عالمية مثل فيلم «التايتانك»؛ فهي قصة عن البحر، وعن الفقد، وعن الإنسان الذي يواجه مصيره بشجاعة، وكلها عناصر تجعلها مادة سينمائية عالمية بامتياز.
إنّ تحويل مثل هذه القصص إلى أفلام وثائقية وسينمائية يجب أن يكون مشروعًا وطنيَّا؛ فكلّ فيلم يُنتج عن تجربة عمانية هو بمثابة جسر يربط الماضي بالحاضر، ويُعرّف العالم بعمان من خلال قصصها الإنسانية العميقة، وكما هو معلوم فإنّ الأفلام الوثائقية قادرة على أن تُظهر أنّ العُمانيين ما كانوا مجرد سكان على أطراف الصحراء، بل كانوا بحارة ومغامرين وتجارًا ومؤثرين في مسارات التاريخ الإنساني.
وإذا نظرنا إلى تجارب التوثيق العالمية، نجد أنّ البرتغال - مثلًا - وظّفت تاريخها البحري في إنتاج أعمال وثائقية وسينمائية ضخمة، جعلت من قصص البحارة والمستكشفين جزءًا من هويتها العالمية، ومعلوم للجميع كيف كان للعمانيين تجارب مريرة مع البرتغاليين قبل اندحارهم النهائي على أيدي العمانيين. فلماذا لا تفعل عمان الشيء نفسه، وهي التي تمتلك رصيدًا تاريخيًّا لا يقل أهمية ولا عمقًا؟
إنّ قصص العمانيين في رحلاتهم إلى الشرق الأقصى أو إلى أفريقيا تحمل من الدراما الإنسانية ما يجعلها مادة خصبة للسينما العالمية. ومن هنا، فإن الخطوة التي اتخذتها وزارة الإعلام ينبغي أن تكون بداية لسلسلة طويلة من المشاريع، تشارك فيها كلّ الوزارات والمؤسسات ذات الصلة بالتاريخ والثقافة العمانيَّين.
فنحن بحاجة إلى أفلام توثق الرحلات البحرية، وأخرى تسرد قصص القرى الساحلية، وثالثة تروي حكايات العمانيين في المهجر، ورابعة تتحدّث عن إسهامات العمانيين في المجالات الحضارية وهكذا. نحن بحاجة إلى أن تتحول الروايات العمانية مثل «سمحة»، وكذلك بعض السير الذاتية التي تناولت تلك الرحلات، إلى أعمال سينمائية ضخمة، لأنّ هذه القصص تحمل من القوة والثراء ما يجعلها قادرة على المنافسة في الساحة الدولية.
أذكر أني كثيرًا ما كنت أتحدّث إلى الزميل محمود بن عبيد الحسني رحمه الله، بعد أن شاهد فيلم «التايتانك» وأعجب به، أنّ تجربة الإنسان العُماني من الثراء بمكان، وأنّ كلَّ قصص الكفاح تحتاج إلى من ينبشها ويزيح عنها الغبار المتراكم، وكم مرة ردّدتُ له -ولغيره من كتاب الدراما في عُمان-، أنّ في قصص العُمانيين ما يصلح للروايات والأفلام والقصص والمسرحيات والشعر، وأنّ البحر كان صديقًا للعُمانيين، وتحوّل أحيانًا أخرى إلى خصم قاسٍ، وكلّ موجة من موجات البحر تحمل قصة إنسانية تستحق أن تُروى. وإلى الآن ما زلت أؤمن أنّ التوثيق البصري لتجربة الإنسان العُماني مسؤولية وطنية، فالأمم تُعرف بقصصها، وما لم نروِ نحن قصصنا، سيظل الآخرون يروونها بطريقتهم. ولذا فإنّ الاستثمار في الأفلام الوثائقية والسينمائية هو استثمار في الهوية والتاريخ، وفي المستقبل أيضًا.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.
