حتى لا تكون حربا طائفية
31 مارس 2026
31 مارس 2026
النّسيج الخليجي نسيج متنوع، ليس على صورة واحدة منذ القدم. تجانست على هذه المنطقة الجغرافيّة أديان وطوائف مختلفة على طول التّأريخ، وتداخلت فيها حضارات وثقافات وأعراق ولغات ولهجات وأنظمة سياسية متباينة ومتعدّدة.
هذه الصّورة المتباينة والمختلفة آثارها واضحة حتّى اليوم، رغم أنّ النّسيج الإسلامي والعربي هو الغالب حاضرا، لكن هناك مكونات عرقية ودينية ولغوية ومذهبية وثقافية متنوعة حتى الساعة.
جميع هذه المكونات تنتمي إلى هذه الأرض الواحدة، منهم من ينتمي إليها وفق أعراق لازمتها منذ القدم، ومنهم من هاجر إليها لمراحل مختلفة في التّأريخ، ومنهم من تجنس لاحقا، لكن جميعهم تحت مظلّة واحدة اليوم، يتعايشون في منطقة جغرافيّة مهمّة يطلق عليها دوليّا ومحليّا دول الخليج العربيّ.
منذ حادثة 7 أكتوبر 2023م بدأت النّبرة الطائفية تتمدّد على الأقل في بعض وسائل التّواصل الاجتماعي، وكما قلتُ في مناسبة أخرى أنّ هذه النّبرة الطائفيّة لم تكن معهودة بشكل واسع حول القضيّة الفلسطينيّة قبل 7 أكتوبر؛ حيث كانت هذه القضيّة هي الموحدة للبيت العربي خصوصا، والإسلامي عموما، يتحد حولها اليسار مع اليمين، والسّياسة مع المجتمع، والثقافة مع الدين، عدا أصوات نشاز بين فترة وأخرى، حتى مع تمدّد الصحوة الإسلامية من 1980-2000م، وظهور الصّراعات الطّائفيّة الماضوية؛ بيد أنّ القضيّة الفلسطينيّة كانت قضيّة واحدة بين هذه الطّوائف، وحتّى مع المسيحيّين العرب بطوائفهم، كانوا يعاقبة أم ملكيين، كانت هذه القضيّة توحد الجميع في الجملة.
بعد 7 أكتوبر وإن لم نعد نسمع عن مفترقات القوميّين والنّاصريّين والإسلاميّين وما بينهم، هنا أصبح الخطاب حول ما أفرزته الاتّجاهات الإسلاميّة من توجهات فكريّة، وهو شيء طبيعيّ؛ لأنّ دول المنطقة ككل، خصوصا دول الخليج، وغالب دول الطّوق لبست لباس الدّين متمثلا في الإسلام خصوصا للقضاء على الاتجاهات اليساريّة، واعتبارها خارج الدّين أصلا، هذا توافق مع الإرادة الأمريكيّة خصوصا، والغربيّة عموما، وكانت داعمة للاتّجاهات الإسلامويّة، ولقيت الاتّجاهات اليمينيّة من الدّعم المالي والإعلاميّ، ومن سهولة إنشاء الكليّات والجامعات الدّينيّة، حتّى توغلت في غالب مؤسّساتها الخدميّة والسّياديّة، وأجهزتها الأمنيّة والإعلاميّة.
بعد سقوط الشّاه –شرطيّ الخليج-، وكان الغرب داعما لسقوطه، مع السّعي لإفشال أيّ تجربة ديمقراطيّة وتنمويّة حقيقيّة في المنطقة، وإشعالها بالصّراعات والحروب، وكانت سقوط بغداد 2003م، حالها كسقوطها 656هـ/ 1258م، هي حالة من السقوط العربي عموما، والّذي أصبح ممزقا اليوم سياسيّا ودينيّا وثقافيّا؛ حتّى اتّحاد كتّاب العرب الّذي تأسّس في دمشق 1961م، لمّا دخلته السّياسة، والتّوجهات النّفعيّة؛ لم يعد له وجود وحضور، وأصبح متشرذما لا يحسب له أدنى حساب، بل إنّ الاتّحادات والأسر والجمعيّات الكتّابيّة في الجملة لم تعد جمعيّات مدنيّة تنتصر للإنسان والعقل العربيّ، وتحولت إلى كونها جمعيّات خدميّة، أو إعلاميّة ناطقة باسم حكوماتها.
بعد سقوط الشّاه 1979م، وما بعد حادثة الحرم، ثمّ سقوط الاتحاد السوفييتي، وضعف الحركات القومية واليسارية، لم تستطع دول الخليج بناء منظومة ثقافية حقيقية متكاملة تخلق توازنا فكريا وثقافيا، غلب عليها في الواقع الخطاب الإسلاموي الآنيّ، تارة يكون خطابا جاميّا، وتارة حركيا صحويا، وتارة معتدلا وسطيّا، حسبما تقتضيه المرحلة، كانت تستخدم كأوراق تضرب بعضها بعضا أحيانا، لم تتشكّل في صراعات طائفيّة عمليّة بينها؛ فدول الخليج في داخلها متماسكة أمنيّا وعسكريّا باعتبار حدودها الجغرافيّة، وهذا مع ظهور النّفط، فجعل حالة التّحديث والتّنميّة تتسع بشكل أكبر؛ فهناك استقرار سياسي وأمني في المنطقة لنصف قرن، جعلها قبلة سياحية واستثماريّة، وهذا ما لا يراد لها أن تتوسع فيه، وخشية أن يعود مفهوم الأمّة العربيّة الواحدة من جديد، لهذا كما تشكّل بعد الحرب العالميّة الثانية في 1949م الحلف الأطلسي أو النّاتو، بين أمريكا وكندا وأوروبا الغربيّة ضدّ الاتّحاد السّوفييتيّ، والّذي أثبت بمرور الزمن أنه تثبيت للهيمنة الأمريكيّة ضدّ القريب ذاته؛ هناك محاولة لهيمنة أمريكيّة – إسرائيليّة على الشّرق الأوسط باسم الشرق الأوسط الجديد، للقضاء على أيّ نفوذ قوة في المنطقة، وللتّصدّي للشّرق عموما، وعلى رأس ذلك الصّين.
منذ 7 أكتوبر نجد الثّنائيّة السّنيّة – السّنيّة (الجاميّة – الحركيّة) حاضرة، فهناك ثنائيّة واضحة بين من يدعم حماس و7 أكتوبر ليصنّف حركيّا حسب الاتّجاهات الحركيّة المختلفة، وبين من يقف ضدّها أو ينقد 7 أكتوبر ليصنّف جاميّا، وأحيانا يدخل في دائرة الصّهينة. ومع دخول حزب الله في المعركة بدأ الاتّجاه نحو ثنائيّة السّنّة والشّيعة، وهكذا تمدّد مع الطّوائف الأخرى ذات الأقليّة العدديّة، والّتي اقتربت من الاتّجاه السّنيّ الحركيّ، كان إخوانيّا أم صحويّا. التّمايز السّنيّ – الشّيعيّ يظهر بشكل أكبر بعد حرب (الاثني عشر يوما)، ثمّ الحرب الأخيرة بعد تمدّد شرارتها إلى دول الخليج ككل.
النّظام الإيرانيّ بطبيعة الاجتماع البشريّ في إيران؛ نظام شيعيّ اثنيّ عشريّ كلاما، جعفريّ فقها، عرفانيّ صدرائيّ سلوكا، يؤمن بولاية الفقيه حركيّا، هذا لا يعني أنّ غالب المجتمع الإيرانيّ فقط شيعة، ولا يعني أنّهم فقط مسلمون؛ فهناك أديان وعرقيّات مختلفة، ولا يعني أنهم جميعا صدرائيّون سلوكا، وليس جميع فقهاء إيران يقولون بولاية الفقيه، وليس جميع من يقول بولاية الفقيه يؤمن بتصدير الثّورة، ثمّ ليس الغالب في إيران العرق الفارسي الآري، فهذا نسبته لا تزيد عن أربعين بالمائة، وليست اللّغة الفارسيّة هي الوحيدة، وهي لغة فنيّة قديمة، يتكلّم بها اليوم أيضا بكثرة في أذربيجان، وفي أفغانستان يتحدّثون بكثرة الفارسيّة الدّريّة.
ثمّ لا علاقة للشّيعة بالمجوس؛ المجوس لفظة أصلها في البهلويّة القديمة مكوس، وتعني الرّاهب أو رجل الدّين، وهي مرتبطة بالزّرادشت، وهؤلاء ديانة لها عراقتها في القدم، سماهم القرآن المجوس من المكوس، لما للرّاهب من حضور في الدّيانة وطقوسها، وهم أقليّة في إيران حاليا.
هذا الأمر يراد خلقه في منطقة الخليج، لتحويل المنطقة إلى ساحة حرب متناحرة، إن لم يكن سياسيّا، فعلى الأقل دينيّا وطائفيّا، وهذا ما يراد زرعه في الشّرق الأوسط الجديد، فالتّحديث والحداثة لا يرتبطان بالطّوائف، ووجودهما حالة طبيعيّة، إنّما يرتبطان بذات المواطنة المتساوية بين الجميع؛ فالخليج منذ القدم دينيّا -كما أسلفت- ليس على صورة واحدة، وحديثا له مكونات متباينة؛ فشيعة الخليج ذاتهم متباينون بين الإماميّة والإسماعيليّة والزّيديّة، والإماميّة ليسوا على صورة واحدة، وليس جميعهم حركيين، ومنهم من له اتّجاهات أخرى داخل الأصوليّة كمدرسة الشّيخ الأوحد (الشّيخيّة)، أو خارجها (الأخباريّة)، وغالب الإماميّة في الخليج مقلّدون للسّيستانيّ وهو ضدّ نظريّة ولاية الفقيه، ويرى بالدّولة الوطنيّة المدنيّة الواحدة.
كما أنّ الاتّجاهات السّنيّة في الخليج ليست على صورة واحدة، فهم فقها متنوعون حسب المذاهب الأربعة المعروفة، وشاع عند بعضهم الظّاهريّة أو عدم التّمذهب أو مذهب الدّليل، وكلاميا مختلفون بين مذهب أهل الحديث والأشاعرة، وسلوكا العديد منهم متصوفة، وحركيا متباينون أيضا، منهم الصّحويّون والإخوان وغيرهم، كما يوجد في عُمان الإباضيّة.
هذه اللّوحة على المستوى المذهبيّ في الخليج متباينة، وهي لوحة جماليّة ينبغي أن تتحدّ وقت الأزمات، أمّا القراءات السطحيّة الّتي نراها تتكرّر في وسائل التّواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلاميّة مصدرها إمّا خارجيّ يريد لهذه المنطقة أن تتحول من الاستقرار والتّحديث إلى الصراع والتّخلّف، وإمّا مصدر هذه القراءات السطحيّة من رموز دينيّة أو ثقافيّة أو سياسيّة منتمية إلى الخليج ذاته، والسّبب كما ذكرت في مقالتي السابقة غياب المراكز البحثيّة العميقة المستقلّة، والّتي غايتها مصلحة الخليج ذاته. إذا على سياسات دول الخليج أن تعي أنّها في مرحلة قادمة لن تتوقف آثارها بعد توقف الحرب على إيران، إن لم تصنع إرادتها وقوتها من داخلها، سيصنع فيها ما يريده الآخر لها، وهو لا يريد خيرا لها، وعليها اليوم أن تنفتح بشكل أكبر على القراءات الإنسانيّة الجامعة، الحافظة للتّعدّديّة فيها، حتّى لا تنحرف البوصلة إلى صراعات ماورائيّة لا قيمة لها حقيقة وواقعا.
بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»
