أمريكا تتخلى عن الأخلاق
31 مارس 2026
31 مارس 2026
ترجمة: أحمد شافعي -
في الوقت الذي كان كثير من الأمريكيين يتهيأون فيه لبداية أسبوع العمل، أعلن الرئيس دونالد ترامب اعتزامه تدمير محطات توليد الطاقة الكهربائية في إيران ومحطات تنقية المياه إذا ما امتنع النظام الحاكم فيها عن رفع حصاره المفروض على مضيق هرمز.
إذ كتب ترامب عبر مواقع التواصل الاجتماعي في بواكير يوم الاثنين أنه «إذا لم يتم التوصل عما قريب، لأي سبب من الأسباب، إلى اتفاقية، وهو أمر مرجح الحدوث، وإذا ما لم ينفتح مضيق هرمز فورا للعمل، فإننا سوف ننهي إقامتنا اللطيفة في إيران بالتفجير والمحو التام لمحطات توليد الطاقة الكهربائية لديهم وآبار النفط وجزيرة خارك (وقد تضاف جميع محطات تحلية المياه) التي قصدنا ألا نمسها حتى الآن».
ويمثل إنذار الرئيس هذا انفصالا مشينا عن جميع ضوابط الحرب التي كافح الرؤساء من قبل للالتزام بها. فحملة القصف التي وصفها الرئيس ترامب كفيلة بالتأثير على ملايين المدنيين في إيران، وإلحاق أضرار بعيدة المدى بقدرتهم على الحصول على المياه والكهرباء وغيرهما من ضروريات الحياة. فلا ينبغي صدور مثل هذه الأمر بالضرب علنا أو سرا.
ومن شأن طرحه هذا، في حال العمل بموجبه، أن يرقى يقينا إلى مصاف جرائم الحرب. ذلك أنه من الأعمدة المركزية للقوانين الحاكمة للصراعات في العصر الحديث أن يعد استهداف المدنيين خروجا عن الحدود في الحملات العسكرية. كما إن أعراف مبادئ الحرب تحظر الاستهداف العمدي للبنية الأساسية التي توفر الخدمات الضرورية للمدنيين.
وفي حال عمل الجيش الأمريكي بموجب أمر الرئيس ترامب بالتدمير العام للبنية الأساسية في إيران، فإن هذا سوف يكون انتهاكا صارخا لقوانين الصراع المسلح والقانون الإنساني الدولي، حسبما قال روبرت جولدمان أستاذ القانون ومدير كلية (مكتب بحوث جرائم الحرب) في الجامعة الأمريكية الذي أضاف أن «هذا التدمير من شأنه أن يجلب آثارا كارثية متوقعة على المدنيين».
بوسع الجيش أن يبرر ضرباته للبنية الأساسية حينما يكون لهذه المنشآت ما يعرف بالاستعمال المزدوج لأغراض مدنية وعسكرية؛ فعلى سبيل المثال، من الواضح أن جسرا معينا يفيد الناس في حياتهم اليومية، لكن بوسعه أيضا أن يكون شريانا حيويا لتحريك القوات والإمدادات في منطقة حربية. فقد يبيح القانون الدولي تدمير جسر ويراه مشروعا إذا ما توافرت معايير معينة في طريقة استعمال القوات المسلحة له خلال الأنشطة القتالية، لكن لا يجوز للجيوش أن تدمر كل جسر تصادفه في بلد تهاجمه.
ولأن لجيش الولايات المتحدة الأمريكية الآن سيطرة شبه تامة على المجال الجوي الإيراني، فلا يبدو من احتياج ملح إلى محو كل محطة كهربائية قد تشغل المتبقي في البلد من رادارات الدفاع الجوي أو أجهزة الاستشعار أو غيرها من المعدات.
وبالمثل، قد توفر محطة تحلية الماء للقواعد والقوات الإيرانية، لكن قصف جميع محطات تحلية المياه لا يمكن أن يكون متناسبا مع الضرر الذي قد يلحقه بتسعين مليون نسمة تعيش في البلد.
وقد قال برايان فينوكين المحامي السابق بوزارة الخارجية الأمريكية المتخصص في قوانين الحرب إن «تشكيل محطة كهرباء هدفا عسكريا أو كيانا مدنيا أمر يعتمد على الوقائع والظروف، لكن تصريح الرئيس المطلق يمثل تهديدا باستهداف كل كيان مدني بغض النظر عن التمييز الواجب، وهو ما يمثل جريمة حرب»، وقال إن هذا ينطبق على آبار النفط ومحطات التحلية بحسب القانون الإنساني الدولي الذي يفرض اجتناب إلحاق الأذى بالمدنيين.
ومن شأن هذه الأفعال أن تتناقض أيضا مع نظرة جيش الولايات المتحدة إلى نفسه باعتباره ممثلا لموقف أخلاقي يلتزم به منذ الحرب الثورية. إذ تنص ديباجة قانون دليل الحرب الخاص بالبنتاجون على أن «قانون الحرب جزء من إرثنا العسكري، والانصياع له هو الصواب» وتمضي الديباجة فتستدرك: «ولكننا نعرف أيضا أن قانون الحرب لا يمثل عقبة لإحسان القتال وتحقيق الانتصار».
قال الجنرال جوزيف فوتيل الذي كان قائدا للقيادة المركزية الأمريكية خلال ولاية الرئيس ترامب الأولى: إن اتباع المعايير القانونية يستقيم مع قيمنا الوطنية. وقال: «إنه يعطينا مصداقية أمام شركائنا، وأفراد قواتنا المسلحة، ومواطنينا، والمدنيين في المناطق التي يتحتم علينا العمل فيها».
وفي حين أن معاملة الولايات المتحدة للمقاتلين الأعداء والمدنيين في الحرب بعيدة عن المثالية، فإن القوات الأمريكية غالبا ما تمضي إلى مدى بعيد في تخفيف الخسائر المدنية. فأي غارة تقوم على ساعات لا حصر لها من تحليل المعلومات واشتراك القانونيين.
ومع ذلك تقع أخطاء، من قبيل ضربة الثامن والعشرين من فبراير المريعة لمدرسة ابتدائية في ميناب أسفرت عن مصرع ما لا يقل عن مائة وخمسة وسبعين طالبة.
ولا تزال هذه الواقعة رهن التحقيقات، ولعل محددي أهداف الجيش الأمريكي تصوروا أن المدرسة جزء من قاعدة بحرية قريبة منها في جنوب إيران. وتهديدات الرئيس ترامب بشن غارات عشوائية على البنية الأساسية في إيران ترقى إلى اتخاذ شعب مدني كامل رهينة بهدف إرغام الحكومة في طهران.
لقد كان تمجيد الموت والدمار سمة غالبة على ولاية الرئيس ترامب الثانية. فقد استنكر وزير الدفاع بيت هيجسيث علنا «قواعد الاشتباك الغبية» التي وضعها كبار الضباط والقانونيين في الجيش الأمريكي بهدف حماية القوات والمدنيين، ودعا بدلا منها إلى «عنف طاغ ضد من لا يستحقون الرحمة».
وكانت لتمجيد المجازر على هذا النحو أصداء في قنوات التواصل الاجتماعي التابعة للبيت الأبيض التي نشرت في الأسابيع الماضية سلسلة فيديوهات دعاية مثيرة للغثيان فيها مشاهد حقيقية من غارات إيران مع أعمال كارتونية ومشاهد من ألعاب فيديو وأفلام مصحوبة بألحان موسيقية صاخبة. فقد تبدو الحرب شديدة اللطف للعاملين في إدارة ترامب الذين يشاهدونها من مسافة ستة آلاف ميل بأعين متفرجي الثقافة الشعبية، لكن البقية منا يجب أن ينظروا إلى الواقع الإنساني، والتكلفة الإنسانية، للقتال. في إيران، لقي ما لا يقل عن 1443 مدنيا، منهم 217 طفلا على الأقل، مصارعهم منذ أن أطلق الرئيس ترامب وإسرائيل الحرب في الثامن والعشرين من فبراير بحسب تقديرات تقرير حديث صادر عن تحالف جماعات حقوق الإنسان.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى تشرد قرابة 3.2 مليون إيراني من منازلهم. وفي عموم المنطقة لقي 13 من الجنود الأمريكيين مصرعهم وأصيب أكثر من 300 من القوات الأمريكية. ولقي أكثر من 1110 أشخاص مصرعهم في حملة إسرائيل العسكرية في لبنان، ولقي أكثر من خمسين مصرعهم في بلاد الخليج الغربي وما لا يقل عن ستة عشر شخصا في هجمات إيران على إسرائيل.
وفي حال امتثال الجيش الأمريكي لهجمات الرئيس المقترحة، فمن المؤكد أن ذلك سوف يستهل فصلا جديدا أشد دموية. وسيكون ذلك تصعيدًا كبيرا يخاطر بمزيد من الانتقام الإيراني الموجه لمواقع الطاقة لدى الحلفاء في الخليج مما يؤدي إلى أثر الدومينو في معاناة المدنيين في عموم الشرق الأوسط.
وسيكون أيضا ضارًا بنا؛ إذ يتردد أن الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد دعيا عوام الإيرانيين إلى الثورة للإطاحة بالنظام. وما لحملة قصف للمنافع الحيوية التي يعتمد عليها أغلب الشعب في حياتهم أن تكون ملهمة للشعب بالتحرك، بل الأرجح أنها سوف تأتي بجيل جديد من الأعداء يقاتل الأمريكيين.
دبليو جيه هينيجان متخصص في الكتابة لصفحات الرأي بنيويورك تايمز عن الأمن القومي والسياسة الخارجية والصراعات.
