الإعلام والحرب على إيران

31 مارس 2026
31 مارس 2026

من المعلوم أن للإعلام دورًا مهمًّا في الحروب، حتى إنه يُعد فرعًا أساسيًّا من فروع المؤسسة العسكرية يُعرَف باسم «الإعلام الحربي».

غير أن دور المؤسسات الإعلامية الكبرى في الحرب أصبح يتجاوز كثيرًا الدور التقليدي للإعلام الحربي المحلي، أعني المحدود والموجه من أجهزة إعلام دولة ما إلى شعبها؛ لأن تأثير الإعلام الآن أصبح عالميًّا، بمعنى أنه يتم إدارته وتوجيهه من خلال شبكات إعلامية دولية نافذة ومؤثرة في توجهات الرأي العام العالمي.

ويمكن أن نلاحظ هذا الدور بالتطبيق على الحرب الدائرة الآن بين المعسكر الصهيوني الأمريكي وإيران؛ لنتبين مدى مصداقية هذا الدور ومدى قدرته على التأثير في الرأي العام العالمي.

الإعلام النافذ في عصرنا الراهن هو إعلام الدول الكبرى في المعسكر الغربي، وعلى رأسه إعلام الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا الذي تديره شبكات تليفزيونية وصحفية كبرى يعرفها معظم الناس، وهي شبكات يسيطر عليها اللوبي الصهيوني.

تروج هذه الشبكات للسرديات الصهيونية الكاذبة، ومن ذلك ترويج الأكاذيب حول أهداف الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران من قبيل: ترويج القول بأن الهدف من الحرب هو حماية الشرق الأوسط من الخطر الإيراني، وكأن إسرائيل نفسها لا تشكل الخطر الحقيقي على المنطقة الذي ينبغي تحجيم أطماعه التوسعية المعلنة.

كما أن تصريحات ترامب التي يتم ترويجها يوميًّا، هي تصريحات كاذبة، ببساطة لأنها تتغير كل يوم، بل في اليوم الواحد نفسه، ولا يمكن لشخص عاقل أن يثق في مثل هذه الأقوال والتصريحات.

ويمكن القول بأن الإعلام الأمريكي في المرحلة الراهنة قد قدم لنا، لا وحسب صورة منحازة فجة للإعلام أفقدته كثيرًا من مصداقياته أو موثوقيته، بل قدم لنا كذلك صورة هزلية للإعلام من خلال تداول وترويج الأخبار التي يصرح بها الرئيس أو التي تأتي على لسان المتحدثة باسم الرئاسة، من دون تحري الدقة أو الحقائق أو حتى مساءلة الأقوال التي تُقَال؛ وكأن هذا العالم الأمريكي الذي يتباهى بالدمقراطية والشفافية يُرَاد له تغييب وعي الناس داخل موطنه وخارجها، باستثناء بعض الأصوات القليلة الواعية وبعض الأقلام الحرة التي تريد لعالمها أن يكون مثالًا للمصداقية وللتحرر من المواقف الانحيازية.

ولكن الشعوب سرعان ما تكتشف تلك الأكاذيب، وهذا ما نراه الآن في المظاهرات ضد مشروعية هذه الحرب باعتبارها حربًا من أجل هيمنة الكيان الصهيوني على الشرق الأوسط وتحقيق «مشروع إسرائيل الكبرى» المعلن؛ وهذا أيضًا هو ما رأيناه من قَبل في مظاهرات الشعوب المناهضة لأكاذيب الحرب على غزة.

ولا شك في أنه لا يمكن للإعلام في أي مكان أن يكون موضوعيًّا ومحايدًا تمامًا، بحيث يبدو مجردًا من أي نوع من الانحيازات؛ فمثل هذا التصور الطوباوي للإعلام لا وجود له على أرض الواقع، ولا يمكن وجوده أصلًا: فما يمكن وجوده إنما هو فقط إعلام يحظى بقدر ملحوظ من الموثوقية في تداول الأخبار والأحداث التي تجري على الأرض؛ وذلك بمنأى عن الحوارات والنقاشات التليفزيونية الموجهة، وتلك التي تستخدم أو تقوم بتوظيف صور مزيفة أو مبتورة من سياقها بحيث تبدو أحادية ومنتقاة بعينها للترويج لسردية معينة. وفي هذا الصدد، أود أن أشيد بدور قناة الجزيرة القطرية؛ لأن تأثيرها وإن كان أضعف من تأثير شبكات الإعلام الغربية الكبيرة، فإنها تبدو على قدر عالٍ من الموثوقية في نقل الأخبار المتداولة بأكبر قدر من الحيادية والموضوعية: سواء من خلال متابعة الأخبار لحظة بلحظة كما ترد على لسان المراسلين المدربين على تقصي الأخبار الحقيقية في كل مكان، أو حتى من خلال تحليل تلك الأخبار من خلال مناقشات حوارية تستضيف شخصيات معبرة عن كل التوجهات في الرأي.

فعلى الرغم من أن قطر نفسها التي كانت وسيطا في المفاوضات بين إيران وأمريكا المنحازة لحساب إسرائيل، قد طالها عدوان إيران على بعض منشآتها بحجة أن أنها منشآت عسكرية أمريكية- على الرغم من ذلك، فإن هذه القناة ظلت على حيادها قدر الإمكان إزاء أخبار الحرب الجارية، وإزاء المواقف من أطرافها.

وبمنأى عن الإعلام، فينبغي أن نشيد أيضًا بدور السياسة العمانية التي تخدم الموقف الإعلامي في الحرب التي لا تزال جارية حتى الآن: فعُمان هي الدولة العربية التي يمكن أن تسهم بقوة في حلحلة الصراع مع الوسطاء المعروفين الذين يسعون الآن هذا المسعى من خلال التفاوض بين أمريكا وإيران؛ ليس فقط لأن عُمان كانت تقود جهود الوساطة بين إيران والمعسكر الصهيوني أمريكي، وتشهد بأن الاعتداء الصهيوني الأمريكي تم في أثناء إجراء المفاوضات؛ وإنما أيضًا لأنها تقف موقفًا محايدًا من كل الأطراف العربية وغير العربية في الوقت الذي كانت تقوم فيه بجهود الوساطة.

ولهذا فقد أسميت هذه السياسة العمانية من قبل بأنها «سياسة الحياد الإيجابي»، أعني ذلك النوع من الحياد الذي يتخذ مواقف وقرارات نابعة من عدم انحيازه لطرف على حساب طرف آخر.

ولسنا نأمل سوى أن تُفضي كل هذه الجهود المخلصة -على المستوى السياسي والإعلامي-إلى تمهيد الأرضية نحو تسوية حقيقية شاملة ومستدامة للحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط باعتبارها حربًا عبثية من أجل تحقيق حلم المشروع الصهيوني الذي يتذرع بسرديات توراتية، وكأنها مبرر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط من خلال خرائط جغرافية جديدة تبدأ من النيل إلى الفرات!!

د. سعيد توفـيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة