بناء نظام القوى المتوسطة العالمي

31 مارس 2026
31 مارس 2026

لم يكتفِ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بالتحذير من حدوث «صدع» في النظام الدولي خلال خطابه في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يناير الماضي، بل رسم أيضًا ملامح بديلٍ محتمل، وفي توقيتٍ لا يمكن أن يكون أكثر إلحاحًا.

فقد لحقت الولايات المتحدة الآن بروسيا في شنّ حربٍ عدوانية في انتهاكٍ صارخٍ للأمم المتحدة.

إن الدولة ذاتها التي قادت إنشاء النظام الدولي القائم باتت اليوم تعمل بنشاط على تقويضه، فهل يمكن لهذا الصدع أن يشكّل دافعًا لتحوّلٍ منهجي؟

يرى مارك كارني أن «القوى المتوسطة» (مثل كندا) قادرة على «بناء نظامٍ جديد يجسّد قيمنا، مثل احترام حقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، والتضامن، والسيادة، وسلامة أراضي الدول المختلفة».

لكن ماذا قد يستلزم ذلك؟ تتمثّل الخطوة الأولى في تقديم تقييمٍ صادق لإخفاقات النظام القائم ونفاقه؛ عندها فقط يمكننا «أن نبني ما نزعم أننا نؤمن به» وأن نُنشئ «مؤسساتٍ واتفاقيات تعمل كما يُفترض لها أن تعمل».

قد يشكّك البعض في قدرة مجموعة من القوى المتوسطة على أن تصبح قوية بما يكفي لردع الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، وربما الصين وكوريا الشمالية، عن استخدام القوة متى وكيفما شاءت.

لكننا نعرف بالفعل كثيرًا من المبادئ التي تجعل التعددية فعّالة: مهمة واضحة وموارد كافية لتحقيقها، ونظام تصويت بالأغلبية المُرجّحة، وقواعد تُطبَّق بالتساوي على جميع الأعضاء.

بطبيعة الحال، فإن مهمةً واضحةً وجذابة تتطلب رؤيةً للعالم الذي نريده ويمكننا بلوغه. وكما لاحظ منظّر الإدارة بيتر دراكر عام 1980، فإن الخطر الأكبر في أزمنة الاضطراب ليس الاضطراب نفسه، بل النزعة إلى اتباع منطق الأمس.

وبدلًا من الاستمرار في العمل وفق افتراضاتٍ وأهدافٍ واستراتيجياتٍ عفا عليها الزمن، نحن بحاجة إلى «منطقٍ جديد» للسياسة العالمية، يهدف إلى الحدّ من الصراعات العنيفة، وتحقيق ازدهارٍ أكثر عدالةً في تقاسمه، وبلوغ الاستدامة على مستوى الكوكب خلال هذا القرن.

إن منطقًا موجّهًا نحو المستقبل يجب أن يعترف بحقيقتين متلازمتين: الاعتماد المتبادل عالميًا، والتعددية القطبية المتنوعة.

كما ينبغي له أن يتخلى عن التمركز حول الإنسان لصالح تقديرٍ أشمل لكل أشكال الحياة على كوكبنا، وسيُقرّ بمزايا توزيعٍ أكثر عدالةً للسلطة، وبمفهوم السيادة التعاونية.

كذلك سيُفضّل حلولًا ذات مكاسب متبادلة، ويُعزّز اقتصادًا يقوم على رفاه الإنسان والكوكب معًا. وأخيرًا، سيُعلي من شأن التعاطف الاستراتيجي بدلًا من النرجسية الاستراتيجية.

من شأن رؤيةٍ كهذه أن تجتذب دعمًا من شعوبٍ حول العالم، كما أنها ستعود بالنفع بالتأكيد على القوى المتوسطة. ففي نهاية المطاف، ظلّ الباحثون والدبلوماسيون وخبراء السياسة الخارجية والنشطاء يدعون منذ سنوات إلى شكلٍ ما من أشكال تحرّك القوى المتوسطة. ومع ذلك، فإن تحقيق ذلك ـ أو حتى الشروع في التخطيط له—يتطلب أن نعرف بدقة من هي «القوى المتوسطة».

تُدرج ويكيبيديا 53 دولة صنّفها خبراء على أنها «قوى متوسطة» في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

ويعرّف كليف كوبشان من مجموعة أوراسيا القوى المتوسطة بأنها الدول ـ باستثناء الولايات المتحدة والصين ـ التي تمتلك نفوذًا معتبرًا في الجغرافيا السياسية، لكنه يركّز تحديدًا على ست «دول متأرجحة»: البرازيل، والهند، وإندونيسيا، والمملكة العربية السعودية، وجنوب أفريقيا، وتركيا.

أما في معهد مونتين، فيركّز الدبلوماسي الفرنسي السابق ميشيل دوكلوس على «القوى المتوسطة غير المقيّدة»، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وتركيا والهند ( التي يصفها بأنها قوة متوسطة فائقة).

واللافت أن العديد من هذه التحليلات يركّز بدرجة أكبر على القوى الصاعدة مقارنةً بالديمقراطيات الصناعية المتقدمة. ويُحتمل أن يعود ذلك إلى أن القوى المتوسطة في أوروبا أو آسيا كانت تُعدّ تقليديًا جزءًا من الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي أو ما يُعرف بـ«ناتو بلس».

علاوة على ذلك، قد لا تكون المملكة المتحدة وفرنسا ندًّا لكلٍّ من الصين أو الولايات المتحدة، لكنهما مع ذلك تدّعيان مكانة القوى الكبرى بوصفهما دولتين تمتلكان أسلحة نووية، ولهما مقاعد دائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

على أي حال، ومن منظور كندي يتبنّاه مارك كارني، يمكن اعتبار معظم دول الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والنرويج، وسويسرا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا جميعها قوى متوسطة لأغراضٍ معيّنة. وعلاوة على ذلك، من المرجّح أن يرى الاتحاد الأوروبي نفسه ركيزةً لنظامٍ تقوده القوى المتوسطة، على الأقل من الناحية العسكرية.

لكن تنظيم المبادرات يكون دائمًا أصعب من إعداد القوائم؛ فما لم تلتزم مجموعة صغيرة من القادة ذوي التوجّه المتقارب التزامًا كاملًا، فإن «لحظة القوى المتوسطة» الراهنة ستضيع. وربما يكون النهج الأفضل هو صياغة ميثاقٍ يستند إلى «المنطق الجديد»، إلى جانب تصميم منظومةٍ مؤسسية متكاملة تتلاءم مع التحديات العالمية في هذا القرن. وعندها يمكن للدول الأخرى أن تقرر ما إذا كانت مستعدة للانضمام.

إن الرهانات مرتفعة؛ فالقوى المتوسطة باتت تمثّل حصةً متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسيطر على موارد طبيعية مهمة. وقد أثبتت مهارةً في التفاوض داخل المؤسسات متعددة الأطراف التي تهيمن عليها حفنة من القوى الكبرى، وغالبًا ما تجد نفسها في الخطوط الأمامية لتداعيات الاضطرابات الناجمة عن الكوارث المناخية، وتقلبات الجغرافيا الاقتصادية، والهجرة القسرية.

لكن، هل تتوافر الإرادة السياسية والقدرة على القيام بعملٍ تحويلي حقيقي؟ لقد قادت الولايات المتحدة إنشاء الأمم المتحدة، إلى جانب المملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين. ولا يمكن لمجموعة من قادة القوى المتوسطة أن تأمل في تكرار ذلك. لكن ما يمكنهم فعله هو البدء في التخطيط والاستعداد لأزمةٍ كبيرة بما يكفي لدفع العالم إلى مدارٍ سياسي مختلف.

وتلك الأزمة آتية لا محالة. فللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، تدور حروب هجينة عالية الشدة في مسرحين. كما أن التنافس عالي المخاطر بين القوى الكبرى يهدد بإشعال مواجهةٍ مباشرة بينها. وهناك سباق تسلّح نووي جديد جارٍ بالفعل.

ويواصل تغيّر المناخ إلحاق خسائر فادحة بالأرواح وسبل العيش حول العالم، ما يغذّي موجات نزوحٍ وهجرة واسعة. وفي الوقت نفسه، تتقدم تقنيات شديدة الاضطراب بوتيرة أسرع من أن يتمكن حتى مبتكروها من فهمها، فضلًا عن السيطرة عليها.

لقد بدأ التخطيط الذي أفضى إلى إنشاء الأمم المتحدة عام 1941، بعد أن وقّع رئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت ورئيس وزراء المملكة المتحدة ونستون تشرشل على الميثاق الأطلسي. وكانت تلك من أحلك أيام حربٍ عالمية لم تكن الولايات المتحدة قد انخرطت فيها رسميًا بعد.

لم يكن هناك مسار واضح نحو النصر أو بناء المؤسسات، بل مجرد رؤيةٍ وإصرار على أن عالمًا أفضل وأكثر أمانًا يمكن أن ينبثق من قلب الفوضى. واليوم، تتاح الفرصة ذاتها أمام مارك كارني وأيٍّ من نظرائه من قادة القوى المتوسطة ممن لديهم الاستعداد لاقتناصها.

آن ماري سلوتر المديرة السابقة لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية، ومؤلفة كتاب «التجديد: من الأزمة إلى التحول في حياتنا وعملنا وسياستنا».

خدمة بروجيكت سنديكيت