تحديات خطة مسقط للسلام

13 يونيو 2026
13 يونيو 2026

أطلقت سلطنة عمان البارحة من على منبر الأمم المتحدة خطة مسقط للسلام بشراكات متعددة مع عدة أطراف، من أجل إطار عالمي ودولي للسلام والنمو، وهي خطوة تسعى للتقدم والتآلف الإنساني، وتنطلق من مبدأ الإيمان بخيرية الإنسان بدل عصر الكوارث والجرائم الذي نعيشه اليوم؛ فهل تنجح هذه الخطة في إعادة شيء من التوازن إلى عالم يبدو قادته أكثر عنصرية من أي وقت مضى؟

لا يوجد أسوأ وأخطر من مرتكب الجريمة غير من ينظّر لها؛ فالتنظير للجريمة هو سلطة خطاب يحاول إضفاء الشرعية على الخطأ الصريح عبر مناورات فكرية ولفظية لا تنهض على منطق حقيقي بقدر ما تفضح النزوع الجرمي والعداوة الخفية التي تلوي الحقائق لتبرير نزعاتها الشاذة؛ هذه هي الخطابات التي تستغل حوادث العنف الفردية من أجل إذكاء نار التطرف والعنصرية، وتبرر قهر الضعفاء وطبقات المسحوقين بدعاوى مختلفة.

خطابات لا تبحث عن عدالة بقدر ما تمالئ القوة، وهي من الجبن بحيث تبدل الأقنعة كل مرة من أجل صب الزيت على كل نار تندلع بلا غرض غير المكاسب السياسية المنتظرة من تنامي العداء العام، وتحويلها إلى حظوظ انتخابية.

إن عالمنا المعاصر كما هو واضح اليوم يقوم ويدار على نظرية تأجيج وإدارة الصراعات واستثمارها ماليًا واقتصاديًا، ولا تبدو النخب المالية -الأمريكية خاصة- أكثر جلاء ووضوحًا في مشروعها الجشع غير المبالي من هذه اللحظة المفارقة؛ حيث تشيد الصناعات والقطاعات الاقتصادية والمشاريع المستقبلية على أنقاض سرقة ونهب وتلاعب وجرائم ضد الإنسانية من أجل ثروة قذرة، لكن من يسعى خلفها لا يبصر أو لا يهتم بقذارتها.

ولا تبدو المفارقة مكتملة بغير مشاركة بقايا المشاريع الإمبريالية المتهالكة التي تسعى لبعث خطاب تبرير سرقة ونهب ثروات العالم تحت غطاء الحروب هذه المرة، وهي في ذلك لا تختلف عن المشروع الاستعماري الأصلي الذي كان يبرر تدخله بتأجيج الخلافات، ويشرعن بقاءه بإشعال التوترات الداخلية.

تحت غطاء الحروب والنزاعات أمكن تبرير الجرائم ضد الإنسانية من قتل الأطفال إلى استهداف المدنيين عمدًا إلى الإبادة الجماعية، وما كان للحروب أن تنهض لولا تغذية خطاب الكراهية الدائم، هذا الخطاب الذي ظلت الآلات الدعائية تغذيه بشكل مستمر عبر ميزانيات مخصصة سنويًا لإبقاء الجمر متقدًا في الأنفس.

وهكذا حين شنت إدارة ترامب بالشراكة مع إسرائيل حربيها الأخيرتين على إيران إنما كانت الإدارتان تستثمران عقودًا متصلة من خطاب الكراهية الموجهة، وتريدان قطف ثماره لصالح مزيد من السيطرة والتحكم، والنهب والسرقة بالتالي.

هذا ما يحدث اليوم تحت بصر وسمع العالم حتى اللحظة عبر المشاريع المتعددة للاستفادة المالية القصوى من حالة شبه الحرب القائمة، وأزمة المضيق المضطرب، والتي تتسبب مباشرة في تخريب اقتصاديات معظم دول المنطقة والعالم، ولا تعد إلا بمزيد من التوتر والتأزيم؛ وهي حالة تعمل على زيادة حرارة الصفيح الساخن بانتظار أي شرارة تكفي لاندلاع حرب متعددة الأطراف.

ولا شك أن البقاء فوق هذا الصفيح الساخن ليس إلا تهديدًا أمنيًا مستمرًا للمنطقة والقارة والعالم بأسره، لكن هناك من يقامر على ذلك.

شكلت الأزمات والحروب في العصر الحديث وسيلة لنهب وتدمير الأوطان وتشريد أهلها، من أجل إثراء طبقات متنفذة كانت مصلحتها المباشرة في إذكاء وإثارة الخلافات والحروب، واستمر حدوث ذلك حتى وقعت أوروبا نفسها تحت وطأة ويلات مشاريع التوسع الاستعمارية، عبر حربين عالميتين متواليتين لم يسلم منهما أحد، حصدتا الملايين من الأرواح في كل مكان، وأوصلت أخراهما إلى كارثة القنبلة النووية؛ هناك عاد شيء من عقل العالم إليه، للمهزوم أولًا، أما المنتصر فكان يصفق لانتصاره بكل غرور، وهكذا قبل فريق الهزيمة تحمل الذنب لحساب براءة فريق المنتصر، ومن يراجع تلك اللحظة اليوم سيرى أن العدالة في الواقع لم تتحقق.

هذا هو عالمنا اليوم الذي نهض وأعاد بناء نفسه على أنقاض الحرب العالمية الثانية، وهو بلا شك عالم معيب منقوص لم يؤمن بالعدالة والسلام بما يكفي بقدر ما كان يستسلم للفريق المنتصر، لم يكفّر عن الحرب والعداوة، بل التصق بذلك البناء المتضعضع، بالجدار البرليني ذي الفراغات الذي انهار بعدها بعقود، وما نهض بعدها لم يكن غير استمرار لكل الأسس المعيبة التي قام عليها.

وما نحصده اليوم من الخراب والدمار والضحايا، ومن صعود الخطابات الأحادية الداعية والمؤمنة بالعنف وتصفية الآخر إنما هو بمجمله نتيجة ومحصلة لذلك البناء الأساسي المثقوب.

هكذا وجدنا أنفسنا في القرن الحادي والعشرين في مواجهة تحديات تهدد كل البنية الدولية، وتستهدفها صراحة، بل وتعمل على تعطيلها وإقصائها وإضعافها حتى تعجز عن التدخل وإحلال السلام في أي مكان، وحتى تنشغل المؤسسات الدولية والأممية بمشاكلها المالية والإدارية والتمويلية، والمشروع واضح، لكن الكارثة كذلك واضحة وضوح الشمس.

إن السلام بطبيعته يحمل إيمانًا ووعدًا أقوى وأكثر صلابة من الخراب، ورؤية السلام تتطلب بصيرة أكبر وأوسع من زاوية النظر التي لا تستطيع أن ترى غير الحرب، ولا تصعد إلا على العداوة والكراهية؛ هكذا نحصد في عالمنا المعاصر ما تزرعه الدولة العظمى التي تعمل على زيادة عظمتها بإثارة الحروب، وتأجيج الخلافات والعنف، والدفاع عن جريمة الاحتلال البائسة لا لشيء إلا لدوافع أيديولوجية ضيقة وعنصرية.

هذا عالم يعدنا في نهوضه كل يوم بالخراب، ويهدد أجيالنا القادمة بالدمار، ويقدم من غزة وفلسطين والفلسطينيين الأبرياء مُثلة، نموذجًا للبشاعة والبؤس الفكري والانحطاط النفسي لغطرسة القوة، والأنكى أنه يسعى لتعميم فعلته ومحاولة نشرها في العالم بوصفها بشارة القرن، ولا انحطاط أكبر من ذلك بينما في الواقع يكمن تحررنا وتحرر وعي العالم بأكمله في التحرر الفلسطيني.

من أجل ذلك لا يفقد الأمل في السلام أهله فبدون الأمل ينهار العالم، ويسقط في قاع مدمر، وتنتهك الحقوق، وفي الوقت الذي يعمل فيه أهل الفوضى على نشرها إيمانًا منهم أنها طريقتهم ليصبحوا أسود الغابة قياصرتها المتوجين والجالسين على هياكلها وعروش خلافتها؛ فإن الاستسلام لهم ولخطابهم لا يعني غير خيانة كل المسعى التحرري للقرن العشرين برمته،لكل التضحيات والجهود التي بذلتها الأجيال من أجل السمو والصعود بالإنسان ومصيره.

إن مجرد إلقاء نظرة سريعة إلى تاريخ العالم المعروف يدلنا أن الغلبة للسلام، وأن الحروب والأزمات مهما اندلعت فإن اضطرامها مؤقت، واشتعالها محدد، أما الزمن الأرضي فكان في غالبيته زمن سلام، وعلى هذا قامت هذه الأرض وعاشت الشعوب، واليوم في عصر التقدم العلمي والتقني من المؤسف أن نجد من يزعم أن التقدم والتطور رهن بنشر الفوضى واستمرار الخراب.

تأتي خطة مسقط للسلام في وقت اضطراب عالمي، وغلاء أسعار متنام، وأزمة نفسية وفكرية، وقادة ومتمولين يعملون للخراب، ويأس وإحباط شاملين، وشك وريبة؛ لذلك فإن دعمها والوقوف خلفها ليس مجرد انتصار لرأي ووجهة نظر بقدر ما هو مسألة مبدأ وعقيدة وإيمان ومصير إنساني؛ فالسلام كان دومًا هو الطريق الذي اختارته وسلكته البشرية وضحت له بكل غال ونفيس، وليس العكس مهما بلغ حجم التحديات.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني