الصمت الاستراتيجي في العصر الرقمي
28 يوليو 2026
28 يوليو 2026
منذ نعومة أظافرنا، علمونا في المدارس فضيلة الصمت، ورددوا أمامنا كثيرًا المثل العربي الشهير: «إذا كان الكلام من فضة، فإن السكوت من ذهب». ثم علمتنا تجارب الحياة أن الصمت قد يكون بالفعل أبلغ من الكلام في كثير من المواقف، وأن كلمة واحدة تقال في غير وقتها قد تفسد ما كان يمكن للصمت أن يحفظه.
لم تغب هذه الحكمة عن ذهني وأنا أتابع خلال الأيام القليلة الماضية توقف الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة مؤقتا، بعد نحو أسبوعين من التصعيد العسكري الذي أعاد المنطقة إلى حافة مواجهة أوسع، في وقت كانت فيه الدبلوماسية العُمانية تتحرك بهدوء بعيدًا عن سيل التصريحات.
لم يكن ذلك جديدًا على مسقط، التي جعلت من الصمت وحماية سرية التفاوض جزءًا من أسلوبها في إدارة الأزمات. ففي مطلع العقد الماضي، استضافت عُمان محادثات سرية بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، مهدت الطريق أمام الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015 في عهد الرئيس باراك أوباما. وأسهمت قبل ذلك في الإفراج عن أمريكيين محتجزين في إيران، ثم واصلت لاحقًا أدوارها في تبادل سجناء وفتح قنوات اتصال بين دول لا تستطيع التفاوض علنًا. وتكشف هذه السوابق أن الصمت، حين تحيط به الثقة ويتولاه وسيط مقبول، يمكن أن يوفر للسياسة مساحة لا تتيحها المؤتمرات الصحفية ولا التصريحات المتعجلة.
الواقع أن المثل العربي عن فضيلة الصمت ظل طوال قرون يُستدعى بوصفه حكمة أخلاقية تدعو إلى التروي وضبط اللسان. ومع انتقاله إلى عالم السياسة والإعلام، اكتسب معنى أوسع وأكثر تعقيدًا. فقد أصبح الصمت في كثير من الأحيان استراتيجية اتصال مدروسة، تُستخدم لإدارة الأزمات، وتوجيه الرأي العام، والتأثير في مجريات الأحداث، تمامًا كما تفعل التصريحات والبيانات الرسمية.
في عصر الأخبار العاجلة، ومنصات التواصل الاجتماعي، والطلب المستمر على التعليق الفوري، يبدو الصمت سلوكًا غير مألوف. فالجمهور ينتظر موقفًا، والصحفيون يطالبون بتصريح، والمنصات تملأ الفراغ بالتكهنات. ومع ذلك، تختار حكومات ومؤسسات وقادة، في لحظات معينة، ألا يقولوا شيئًا. وغالبًا ما يكون هذا الاختيار نابعًا من إدراكهم أن الصمت نفسه قد يحمل رسالة أشد تأثيرًا من كثير من الكلمات.
الصمت السياسي أقدم بكثير من العصر الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي. فقد عرف التاريخ لحظات كان فيها الامتناع عن التصريح جزءًا أصيلًا من إدارة الدولة، خاصة أثناء الحروب والمفاوضات والأزمات الكبرى. وكم من معركة خدمها صمت القادة أكثر مما كانت ستخدمها التصريحات المتسرعة، وكم من مفاوضات نجحت لأن أطرافها قاومت إغراء الحديث إلى الصحافة قبل الوصول إلى اتفاق.
كانت بيئة الإعلام القديمة تمنح الصمت مساحة أوسع. فدورات الأخبار كانت أبطأ، وعدد وسائل الإعلام كان محدودًا، وكان من الممكن أن تمر ساعات أو أيام قبل أن يتحول غياب المعلومة إلى قضية عامة. تغير ذلك كله مع الإعلام الرقمي. فقد أصبح الصمت نفسه حدثًا إعلاميًا، وأصبح غياب التصريح يولد من التكهنات ما قد يفوق تأثير التصريح ذاته. ومن ثم تحول الصمت إلى رسالة قائمة بذاتها، يقرأها الجمهور ويفسرها، وقد يمنحها معاني لم يقصدها صاحبها أصلًا.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا تلجأ الحكومات والمؤسسات أحيانًا إلى الصمت، مع أنها تمتلك وسائل إعلام ومتحدثين رسميين ومنصات لا تتوقف عن بث الرسائل؟ وهل يمكن أن يكون الامتناع عن الكلام أكثر تأثيرًا من الكلام نفسه؟
تكمن الإجابة في أن الاتصال السياسي يقوم على ما يقال، كما يقوم على المسكوت عنه. فقد يكون الصمت وسيلة لشراء الوقت حتى تتضح الصورة، أو لتجنب منح الخصم معلومات يحتاج إليها، أو لمنع تضخم أزمة كان يمكن أن تنتهي تلقائيًا لو لم تحظَ باهتمام واسع. وقد يكون أيضًا جزءًا من إدارة التفاوض، حين يُترك المجال للوسطاء كي يعملوا بعيدًا عن ضغوط التصريحات اليومية، أو حين ترغب الدولة في الحفاظ على موقفها من دون الدخول في سجال علني.
ومع ذلك، يحتاج الصمت الاستراتيجي إلى شروط واضحة حتى يحقق هدفه. ففي البيئة الرقمية، تمتلئ كل دقيقة من الصمت بتوقعات وتسريبات وتحليلات وشائعات، إلى جانب صور ومقاطع مصورة قد تكون حقيقية أو مضللة. وكلما طال غياب الرواية الرسمية، ازدادت قدرة الآخرين على كتابة روايتهم الخاصة، وتقديمها إلى الجمهور بوصفها التفسير الأقرب إلى الحقيقة.
ولهذا أصبح السؤال الأهم متعلقًا بتوقيت الصمت ومدته، والطريقة التي تنتهي بها فترة الصمت. فالاتصال السياسي يشمل التوقيت والإيقاع وإدارة التوقعات إلى جانب الكلمات والبيانات، والمؤسسات الناجحة تتعامل مع الصمت بوصفه أداة اتصال لها قواعدها وحدودها، وتحدد متى يخدم أهدافها ومتى يصبح التعليق ضرورة لا تحتمل التأجيل. وفي هذا السياق، تلجأ بعض الحكومات إلى إصدار بيان مقتضب يعقبه صمت محسوب حتى تكتمل المعلومات، تجنبًا للتسرع في مواقف قد تضعف مصداقيتها. لكن التأخر أكثر من اللازم يمنح الشائعات فرصة للانتشار، ويجعل استعادة الثقة أكثر صعوبة. وعندئذ تواجه مهمتين في وقت واحد: تصحيح المعلومات الخاطئة، واستعادة الثقة التي تآكلت خلال فترة الغياب.
يقدم التاريخ الحديث أمثلة عديدة على نجاح الصمت الاستراتيجي وإخفاقه. ففي كثير من المفاوضات الدولية الحساسة، ومنها المفاوضات التي سبقت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني عام 1978، والمفاوضات السرية التي أفضت إلى اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان عام 1993، كان الحد من التصريحات اليومية شرطًا مهمًا لإنجاح التفاوض، لأن تسريب كلمة واحدة كان يمكن أن يفسد الثقة الهشّة بين الأطراف.
ويؤكد التحرك العُماني الأخير بين طهران وواشنطن أن هذا الأسلوب ما زال قادرًا على فتح الطريق أمام التهدئة حين تعجز التصريحات العلنية عن ذلك. فقيمة الدبلوماسية الهادئة تظهر في قدرتها على توفير مساحة آمنة للحوار، وبناء الحد الأدنى من الثقة الذي يسمح للأطراف المتنازعة بالانتقال من تبادل الرسائل إلى البحث عن تسويات ممكنة، حتى لو بقيت تفاصيل تلك الجهود بعيدة عن الأضواء.
في المقابل شهد التاريخ أيضًا أزمات ترك فيها غياب الرواية الرسمية فراغًا واسعًا أمام الشائعات والتكهنات. ومع تكرار الروايات غير الموثقة، بدأت بعض الجماهير تتعامل معها باعتبارها حقائق، وأصبح الصمت سببًا في تعميق الأزمة وزيادة الشكوك المحيطة بها. وهنا يظهر الحد الفاصل بين الصمت المحسوب والصمت الذي يعكس ارتباكًا أو عجزًا عن التواصل.
أصبح الصمت الاستراتيجي إدارةً للزمن بقدر ما هو إدارة للمعلومات. فكل دقيقة تمر تمنح الآخرين فرصة لتفسير الحدث، لذلك يقاس نجاحه بقدرة المؤسسة على استعادة زمام الرواية في التوقيت المناسب.
إذا كان الكلام هو السمة الغالبة لعصرنا، فقد أصبح الصمت أحد أشكال الاتصال فيه. وتُحدد قيمته بقدرته على خدمة الحقيقة، وحماية المصلحة العامة، ومنع الارتباك. وقد يمنح الصمت المسؤولين وقتًا لاتخاذ القرار، بشرط ألا يمتد إلى الحد الذي يفتح المجال للشائعات كي تتحدث باسم الجميع.
في تقديري أن التحدي الحقيقي أمام الحكومات والمؤسسات يتمثل في قدرتها على اختيار لحظة الكلام ولحظة الصمت، وفهم الغاية من كل منهما.
ففي عالم لا يتوقف عن الكلام، قد يكون الصمت أحيانًا أبلغ من البيان، لكنه يحتاج في الوقت المناسب إلى كلام يبدد الغموض، ويجيب عن الأسئلة، ويعيد الحقيقة إلى مكانها. وعندما يتأخر هذا الكلام كثيرًا، يتحول الصمت إلى صوت يتحدث نيابة عنه الآخرون. فالسياسة قد تستطيع أن تؤجل الكلام، لكن الإعلام لا يؤجل البحث عن إجابة. وإذا لم يتحدث أصحاب الحقيقة في الوقت المناسب، فسوف يتحدث الآخرون باسمها.
أ. د. حسني محمد نصر أكاديمي فـي قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس
