أنعيش عصر التفاهة أم عصر الصورة؟!
28 يوليو 2026
28 يوليو 2026
في مقالي منذ أسبوعين بعنوان «هل نعيش حقًّا عصر البلطجة؟!» نوهت في بدء ذلك المقال إلى أن عصرنا يُوصَف أيضًا بأنه عصر ما بعد الحداثة، وبعصر التفاهة. غير أن هذا العصر يُوصَف كذلك بأنه عصر الصورة: فما دلالة هذا الوصف؟ وكيف نفسر هذا التعدد في أوصاف عالمنا؟ وهل هناك من روابط بين بعض هذه الأوصاف؟
الحقيقة أن كل الأوصاف السابقة صحيحة، والأمر يتوقف على الزاوية التي ننظر من خلالها إلى عصرنا الراهن الذي نعيش فيه: فإذا كنا ننظر إلى السمة الغالية على هذا العصر من حيث الممارسات السياسية التي تجرى على الأرض؛ فيمكننا وصف هذا العصر- كما سبق أن قلت- بأنه «عصر البلطجة».
أما إذا كنا ننظر إلى هذا العصر، لا من حيث الممارسات السياسية، وإنما من حيث الممارسات الثقافية والمعرفية بوجه عام؛ فيمكننا وصفه بأوصاف من قبيل: عصر ما بعد الحداثة، وعصر الصورة، وعصر التفاهة أيضًا. فما الروابط المشتركة هنا؟
عصر ما بعد الحداثة post-modernism مفهوم فضفاض للغاية، ولكنه في مجمله يسعى إلى تجاوز الأطر والتقاليد الراسخة في عصر الحداثة، سواء في مجال الفلسفة والفكر أو الفن: ذلك أن ما بعد الحداثة تقوم في النهاية على افتراض حالة من السيولة تُفضي إلى قبول كل إبداع فكري أو فني مغاير للتقاليد الراسخة؛ وذلك وفقًا للمبدأ الشهير بأن كل شيء يكون مقبولًا (أو: «كله ماشي» بالعامية المصرية) everything goes.
أما عصر الصورة فإنه يرتبط أيضًا بالمجال المعرفي والثقافي ارتباطًا وثيقًا، ولكن أدواته الأساسية هي أجهزة الإعلام والإعلان والترويج، والمنصات الرقمية. وقد وصف الفيلسوف بودريار هذا العصر بأنه عصر الصورة في مضمار نقده للمجتمع المعاصر الذي يُنتج الصور التي لا تعكس الواقع بقدر ما تكون بديلًا عن هذا الواقع نفسه؛ وبذلك فإنه يُنتج واقعًا جديدًا من علامات وصور. وبصرف النظر عن تفاصيل تلك الرؤية عند بودريار، فإن السؤال الذي يشغلنا في مقالنا هذا هو التالي: هل هناك صلة بين عصر الصورة وعصر التفاهة؟ الإجابة عندي: نعم بالتأكيد. ذلك أن عصر التفاهة هو عصر يكرس نظامًا بيروقراطيًّا يدعم أنصاف الموهوبين ويهمل المبدعين الحقيقيين، ويُعوِّل على ترويج الصور ولا يعتد بالفكر والتأمل. وبطبيعة الحال، فإن الصور المقصودة هنا لا تعني اللوحات الفنية؛ لأن مثل هذا النوع من الصور (أعني اللوحات الفنية) لا يكون رائجًا عند الجماهير، ومن النادر أن تجد معجبين به؛ ببساطة لأنه يستدعي الفكر والتأمل والذائقة الجمالية، وهذه كلها أمور لا تعتد بها منظومة التفاهة.
الشاهد أن الصور الزائفة التي يُراد إحلالها بديلًا عن الواقع نفسه، هي- للأسف- ما أصبح يستولي على اهتمام الناس في كل مكان، خاصةً في مواقع التواصل الاجتماعي عبر شبكة المعلومات. ولقد اختبرت هذه الحقيقة بنفسي حينما كنت أقوم على صفحة الفيس بوك بإعادة نشر أحد مقالاتي مصحوبًا بصور مرتبطة به؛ إذ وجدت أن عدد المتابعين عندئذ يفوق كثيرًا جدًا عدد المتابعين للنشرة الأولى لهذا المقال بدون صور، والذي لم يجتذب إلا ندرة من الملاحظين. ولقد اختبرت تلك الحقيقة أيضًا حينما كنت أنشر صورًا تتعلق بمناسبات علمية أو اجتماعية (وقلما أفعل ذلك)، إذ وجدت أن الصور وحدها تجتذب المتابعين والمشاركين، ولاحظت أن هذا يتكرر فيما أنشره أو ينشره غيري من صور؛ فأدركت أننا نعيش فعلًا عصر الصورة. فهل لذلك صلة بطبيعة شعورنا بالزمان في عصرنا هذا؟ الواقع أن الزمان في كل عصر مرتبط في وعي الناس بفكرة الزوال: زوال الأشياء والموجودات، فلا يبقى منها إلا القليل جدًا من قبيل: إبداعات البشر القادرة على مقاومة الزوال. ولذلك يمكن القول إن عصر الصورة يكرس هذا الشعور بالزوال، وهو ما يؤدي إلى الانغماس في عالم الصور على حساب الأفكار والإبداعات الحقيقية في كل مكان.
ولذلك فإن الناس ينجذبون إلى الصور السيارة التي تتعلق بأحداث ومناسبات عابرة، حتى إن كانت أحداثًا تتعلق بحياة الشخص.
وبطبيعة الحال، فإننا يجب أن نتفهم توجهات الناس وميولهم هذه؛ لأننا نعيش في عصر لاهث متسارع لا يتيح للناس مساحة للتوقف من أجل التأمل أو التزود بالمعرفة أو نقد الأفكار، وما إلى ذلك. ولكننا لا يمكن أن نتفهم أن يصبح الناس عن طواعية مستلبين في عالم الصور؛ لأن المرء عندئذ يتخلى عن كونه ذاتًا واعية، ويؤثِر- بدلًا من ذلك- الانخراط في هذا العالم، ومن ثم فقدان معنى الذات الحقيقية التي تكون مُنتِجة وفاعلة في عالمها.
وإذا أضفنا إلى ذلك كله مواقع الذكاء الاصطناعي من قبيل: chatGPT، فسنجد أنها- على أهميتها- تكرس الاعتماد على المعلومات الجاهزة، وتُقدم للناس إجابات محددة مسبقًا عن كل سؤال. وبذلك فإن التعويل عليها دائمًا يؤدي إلى غياب التساؤل والتأمل والقدرة على التفكير النقدي، أي يؤدي في النهاية إلى تكريس منظومة التفاهة التي لا تخلق مبدعين حقيقيين.
وعلى هذا، فإننا ينبغي أن نتعلم كيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجالات معينة، من دون التعويل عليه في مجالات الفكر والفن والإبداع بوجه عام؛ وإلا فإننا سوف نكرس بذلك عصر التفاهة الذي ساهم في تكريسه عصر الصورة.
د. سعيد توفـيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة
