في اليوم الدولي للصداقة والحوار.. هل الأديان والثقافات تتحاور؟

28 يوليو 2026
28 يوليو 2026

يعود اليوم الدولي للصداقة كفكرة عامة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأت الفكرة تتوسع بعد عام 1958م، وفي هذا العام في باراغواي في أمريكا الجنوبية كانت الدعوة إلى تخصيص يوم للصداقة بين الأديان والشعوب والثقافات، إلا أن تطبيق الفكرة تأخر إلى 2011م، حيث الأمم المتحدة 30 يوليو يوما دوليا يحتفى تحت عنوان اليوم الدولي للصداقة.

والسؤال: هل الأديان والثقافات تتحاور؟ هناك من يرى أنها لا تتحاور، لاختلاف مرجعياتها المصدرية في الجملة، والحوار في الخصوصيات يؤدي إلى الكراهية والصراع، ومخالفة الطبيعة البشرية في التعدد والاختلاف.

ومنهم من يرى أنها تتحاور في الدوائر المشتركة بينها، أي تنطلق منها، فهناك دائرة إنسانية جامعة بينها، ودائرة لاهوتية تشترك فيها، وفي القرآن: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} « آل عمران: 64» وكلمة سواء أي الكلمة الجامعة والمشتركة بين الأديان الإبراهيمية.

هناك عشرات المؤتمرات التي عقدت للحوار بين الأديان، منذ القرن التاسع عشر الميلادي وحتى اليوم، نتج عنها مؤسسات معنية بالصداقة والحوار بين الأديان، أقدمها برلمان أديان العالم في شيكاغو 1893م، وحتى الجمعية العالمية للأديان من أجل السلام 1970م، وأخيرا مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومؤتمر قادة الأديان العالمية والتقليدية في أستانا بكازاخستان. كما أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانية مؤخرا خطة مسقط في الأمم المتحدة في نيويورك لأجل السلام والتعايش بين الأديان والثقافات.

لهذا اشتغال الأديان على الحوار في الجدليات اللاهوتية يجعل من الأديان طريقا إلى الصراع والاحتراب، وانتشار خطاب الكراهية بدل الصداقة والسلام. ويشتد الأمر إذا خرجت الأديان والثقافات من إطارها الروحي والأخلاقي الطبيعي، إلى الدولة، وصناعة سياسات متنازعة لأسباب ماورائية، فهذا يدخل المجتمعات والأتباع والسياسيين في دوائر مغلقة، يتصورون أنهم بهذا يتقربون إلى المطلق، ولو عن طريق سفك الدماء، والتمييز بين البشر، وإثارة خطابات الكراهية مع المختلف.

يظهر هذا مثلا في البروتستانت الجدد، بعدما كانت البروتستانتية تحررا من التقليد الكاثوليكي، والذي ارتبط بالدولة في القرون الوسطى، بيد أنها - أي البروتستانتية - في القرن التاسع عشر تحولت إلى مفردات سياسية في أمريكا بشكل خاص، وتشكلت عنهم حركة الأدفنتست. هؤلاء البروتستانت الجدد يرون ضرورة تعجيل المجيء الثاني للمسيح، وأن يسوع سوف «يبسط سلطته الأرضية بعد معركة هرمجدون، ويقود المعركة الملائكية، ويسجن الشيطان ألف سنة، ويحكم يسوع ألف سنة، ويحكم معه فريق يدعى القدوسين، وهم رسل يسوع الأمناء، وعددهم مائة وأربعة وأربعون ألفا، وسينجو شعب الله، وينتهي الألم والمرض والشيخوخة من الأرض».

هذا التعجيل لا يمكن تحققه إلا عن طريق اليهود، وقد كانوا يعيشون غيبة الشتات كعقاب إلهيّ، ينتظرون المخلص قبل الدينونة. بيد أن معاناتهم في العالم المسيحي الأوروبي خصوصا، جرهم إلى تطبيق رؤية البروتستانت الجدد، لتتكون الصهيونية العالمية، وتتبناها البروتستانتية الإنجليكانية البريطانية ابتداء، ثم البروتستانتية الأمريكية، فيتحول البروتستانتي الكالفيني من دعوة الكلمة والمحبة إلى توجيه السياسة لتحقيق معتقدات لاهوتية مغلقة، كذا الحال في يهودية الشتات، لتتحول إلى أداة لغايات سياسية كبرى، نتج عن هذا أكبر معاناة في الشرق الأوسط، ومنها الحرب الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وما يعانيه العالم اليوم من قضية مضيق هرمز.

يظهر الأمر أيضا في ظهور المحافظين الجدد في أمريكا في الستينات والسبعينات من القرن الميلادي الماضي، وإن كان ظهورهم ضد اليسار، إلا أن النزعة الدينية من خلال البروتستانتية المسيحية كانت هي الظاهرة، ليكون لهم تأثيرهم في العالم بعد وصول رونالد ريغان (ت: 2004م) إلى الحكم في أمريكا منذ 1981-1989م، وقد أحدثوا تحولات - خصوصا - في الشرق الأوسط، شجعت الجماعات الدينية خارج الأطر البروتستانتية، ومنها الجماعات الدينية الإسلامية، لأجل محاربة اليسار الملحد، وظهرت تداعياته في العالم العربي، منذ الحرب الأفغانية وحتى سقوط بغداد 2003م.

التشكلات السياسية الدينية أيضا ظهر في عالمنا العربي منذ سقوط الخلافة العثمانية 1924م، وتشكل حركة الإخوان المسلمين 1928م، ورغم تنبه علي عبد الرازق (ت: 1966م) في فترة مبكرة في كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، والذي صدر عام 1925م، وفيه «أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - ما كان إلا رسولا لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، وأنه لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - ملك ولا حكومة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها، ما كان إلا رسولا كإخوانه الخالين من الرسل، وما كان ملكا، ولا مؤسس دولة، ولا داعيا إلى ملك». إلا أنه حورب من السياسيين أنفسهم، واعتمد السياسيون على الجماعات التي شكلت حركات الإسلام السياسي، والعديد من هذه الحكومات من سقطت لاحقا على يديها.

خلاصة هذا، في اليوم الدولي للصداقة والحوار علينا أن ندرك مليا أين تتحاور الأديان والثقافات، فهناك سياسات في العالم أيضا تقود هذه الأديان والثقافات - باسم الحوار والصداقة - إلى دعم أجندات سياسية لاهوتية مغلقة، لهذا هذه الأديان إذا لم تكن مستقلة عن هذه السياسات، وداعمة لذاتية الإنسان الواحدة؛ هي لا تتحاور لأجل صلاح العالم والإنسان، ولا تنطلق من المشتركات الإحيائية في العالم، وإنما تستثمر الدين لمصالح نفعية من جهة، أو تدعم شبكات سياسية تمارس العنف في العالم، وتشعل نار الحروب بين حين وآخر. تجد هذه السياسات في الأديان ما يبرر لها طريقها، فهي أسهل طريق لجذب البشر إليها، ودعمهم لسياساتها.

بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»