ولا يزالون مختلفين!
28 يوليو 2026
28 يوليو 2026
هل نستطيع أن نتخيل الوجود الإنساني بلا اختلاف؟
اختلف الناس في ألوانهم وألسنتهم وبيئاتهم وتجاربهم، كما اختلفوا في فهمهم للكون والحياة والإنسان، وفي تصوراتهم للخير والشر، والحق والباطل، وما ينبغي أن يكون عليه الفرد والمجتمع.
فالإنسان لا ينظر إلى العالم من فراغ، وإنما من موقعه الخاص: من زمانه وبيئته ولغته وثقافته وتجربته وأسئلته ومخاوفه. ولذلك لا يرى الناس العالم من نافذة واحدة، ولا يصلون إلى أفكارهم عبر الطريق نفسه. وقد تكون الحقيقة واحدة في ذاتها، لكن طرق الإنسان في النظر إليها وفهمها متعددة؛ لأن الإنسان نفسه محدود، وتجربته ومعرفته مهما اتسعتا تظلان محكومتين بحدود وجوده.
وقد أدرك علماء الأمة قديمًا أن الاختلاف في الاجتهاد والنظر أمر لا مفر منه، وتعددت عباراتهم في التعبير عن ذلك، ومن أشهر ما قيل في هذا الباب: «كل مجتهد مصيب».
غير أن المشكلة تبدأ حين ينسى الإنسان محدودية موقعه، فيظن أن ما يراه هو العالم كله. وقديمًا قال ابن عربي: «من رآك من حيث هو فما رآك». عندها يتحول الإيمان بالرأي إلى امتلاك للحقيقة، ويتحول الاختلاف من مجال للتفكير إلى تهديد للهوية. فلا يعود الإنسان يقول: «هذا ما أراه صوابًا»، بل يبدأ في القول: «هذا هو الصواب، ومن خالفه فقد خالف الحقيقة».
فالتعصب ليس دائمًا رفضًا للحقيقة، بل قد يكون أحيانًا حبًا شديدًا لفهمنا الخاص لها إلى الدرجة التي لا نعود معها قادرين على التمييز بين الحقيقة نفسها وبين قراءتنا البشرية لها. وفي المجال الديني تبدو المسألة أكثر تعقيدًا؛ لأن الإنسان قد ينسى المسافة الفاصلة بين الدين وفهمه للدين، وبين النص وتأويله، وبين الحقيقة المطلقة ومحاولة الإنسان المحدودة لفهمها. وحين تضيق هذه المسافة في وعيه يتحول الخلاف من نقاش للأفكار إلى محاكمة لأصحابها، وقد يمنح فهمه البشري من القداسة ما لا يحتمله، ثم يطلب من الآخرين أن يتعاملوا مع اجتهاده كما لو كان هو النص نفسه.
والحقيقة أن تاريخ الفكر الإسلامي لم يكن تاريخ صوت واحد أو قراءة واحدة أو مدرسة واحدة. فقد اختلف الفقهاء والمفسرون والمتكلمون والفلاسفة والصوفية، وتعددت مناهجهم ومقارباتهم، ولم يكن هذا الاختلاف دائمًا علامة على انهيار الدين أو ضعف الحضارة، بل كان في كثير من الأحيان دليلًا على حيوية العقل داخلها. ولعل في العبارة الصوفية الشهيرة: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق» تعبيرًا بليغًا عن اتساع طرق الإنسان في طلب الحقيقة، وتعدد مسالكه في فهمها والسير إليها.
ولهذا فإن الاتفاق ليس دائمًا فضيلة، كما أن الاختلاف ليس دائمًا عيبًا. فقد يكون الاتفاق ثمرة اقتناع، وقد يكون نتيجة خوف أو صمت قسري. ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل نحن متفقون؟ بل ينبغي أن نسأل: كيف وصلنا إلى هذا الاتفاق؟ أكان ثمرة حوار حر، أم نتيجة استبداد فكري؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للفكرة هو أن تتحول إلى هوية مغلقة لصاحبها. فعندما تصبح الفكرة جزءًا من هوية الإنسان، يصبح نقدها في نظره اعتداءً عليه، ولا يعود مستعدًا للدفاع عن رأيه بالحجة، بل يبدأ بالدفاع عن نفسه بالغضب. عندها لا يعود الخلاف نقاشًا حول فكرة، وإنما يتحول إلى معركة بين هويات.
وهنا يصبح من الضروري أن نستعيد شيئًا من التواضع أمام الحقيقة. وليس المقصود بذلك أن نشك في كل شيء، أو أن نقول إن جميع الآراء متساوية، وإنما أن ندرك الفرق بين الحقيقة المطلقة وبين فهمنا الإنساني لها. ولعل من أجمل ما نُسب إلى الإمام الشافعي في هذا المعنى: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
ولا يعني الاعتراف بإمكان الخطأ أن نتخلى عن قناعاتنا، بل يعني أن نحملها بوعي ومسؤولية؛ أن نؤمن بما نراه حقًا، وأن ندافع عنه بالحجة، وأن ننتقد ما نراه خطأ، لكن دون أن نختزل الإنسان في رأيه، أو نحول المخالف إلى عدو لمجرد أنه لم يصل إلى النتيجة نفسها.
فالآخر ليس دائمًا عدوًا للحقيقة. قد يكون أحيانًا هو الذي يكشف لنا جانبًا لم نره، أو يلفت انتباهنا إلى سؤال لم نفكر فيه، أو يضع أمامنا مرآة نرى فيها نقاط ضعف أفكارنا. فالبحث عن الحقيقة لا يتطلب دائمًا أن نكون متشابهين.
فالمجتمعات القوية ليست تلك التي لا يختلف أفرادها، وإنما تلك التي تستطيع أن تدير اختلافها دون أن يتحول إلى كراهية. والوحدة الحقيقية ليست أن نفكر جميعًا بالطريقة نفسها، وإنما أن نمتلك إطارًا مشتركًا يسمح لنا بأن نختلف دون أن نهدم المشترك الذي يجمعنا. وإنني على يقين من أن الفكر لا ينضج إلا في سياق التعدد الفكري. أما البيئات التي تفرض رأيًا واحدًا في كل شيء، فإنها تقضي على خصوبة العقل، وتجعل المجتمع عقيمًا لا يملك إلا اجترار أفكار السابقين.
وخلاصة القول أن الاختلاف جزء من طبيعة الوجود الإنساني، ولا يمكن للبشر أن يلغوه: « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلكَ خَلَقَهُمْ».
سالم المشهور كاتب عماني
