الدبلوماسية العمانية تحركات لإنقاذ المنطقة
28 يوليو 2026
28 يوليو 2026
عندما تشتد الأزمات يظهر بريق الأمل من بلد عاصر هموم المنطقة وتحدياتها منذ أكثر من نصف قرن؛ حيث هبت الأزمات والصراعات والحروب على منطقة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح العالم شرقا وغربا، ليس فقط بسبب موارد الطاقة رغم أهميتها القصوى، لكن النشاط التجاري وسلاسل الإمداد والحركة اللوجستية عبر الممرات البحرية تشكل عصب الاقتصاد العالمي. ومن هنا فإن أي صراع في مضيق هرمز أو باب المندب يعطل التجارة العالمية، ومنها تدفق النفط والغاز للدول الصناعية.
وقد واجهت الدبلوماسية العمانية تحديات كبيرة منذ عقد السبعينيات من خلال طبيعة الموقع الجغرافي، واندلاع عدد من الحروب على مقربة من أراضي بلادنا سلطنة عمان. ولعل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وحروب اليمن الأهلية قبل الوحدة وما بعدها، والغزو العسكري العراقي لدولة الكويت، والأزمة الخليجية التي اندلعت عام ٢٠١٧، وأخيرا اندلاع اخطر الحروب على استقرار المنطقة، وهي الحرب الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي شكلت تحديا كبيرا وخطرا داهما على مقدرات المنطقة وشعوبها علاوة على التأثيرات الجيوسياسية الكبيرة التي جاءت بسبب معركة مضيق هرمز.
ورغم تلك التحديات الكبرى التي واجهت الدبلوماسية العمانية إلا أنها نجحت في خفض التصعيد في أكثر من ملف معقد؛ حيث تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٥ بعد جهد دبلوماسي فريد تواصل على مدى عقد من المشاورات والمباحثات السرية والعلنية في عاصمة الوطن مسقط، وجنب ذلك الاتفاق التاريخي المنطقة والعالم كوارث كبيرة، وتنفس العالم الصعداء.
بعد انسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٨، وهو انسحاب كارثي عاد التوتر وأجواء الحرب مجددا، وكان الكيان الصهيوني هو المحرض كعادته على إشعال الحرب بين طهران وواشنطن، بل المشاركة فيها، ودخلت المنطقة في حرب استنزاف منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ومن هنا بذلت الدبلوماسية العمانية كعادتها جهودا كبيرة مع الطرفين الأمريكي والإيراني، وكان الاتفاق وشيكا خلال جولة فيينا، ولكن المصداقية غابت عن إدارة ترامب واندلعت الحرب.
ومع الفشل الأمريكي في تحقيق أهداف الحرب، وهي إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك الدولة الإيرانية وفق النموذج العراقي عام ٢٠٠٣، وفي ظل حرب الاستنزاف التي تحدثنا عنها في المقال السابق. ومن خلال الهجمات المتبادلة بين طهران وواشنطن اتضح للجميع أن الوقت المناسب للدبلوماسية قد بدأ، ومن هنا تحركت الدبلوماسية العمانية لأسباب تتعلق أولا بخفض التصعيد، والحرص على الاستقرار والسلام في المنطقة. وثانيا كان للجغرافيا كلمتها؛ حيث إن مضيق هرمز الاستراتيجي هو ممر هام تتقاسم سيادته سلطنة عمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية بموجب الاتفاق الموقع بينهما عام ١٩٧٤، كما أن سلطنة عمان ومن خلال تحركها الدبلوماسي الأخير منعت تفاقم الأوضاع في المنطقة. ومن هنا كان الطرح العماني موضوعيا وهو الحديث عن آليات إدارة الملاحة البحرية في مضيق هرمز وفق القانون الدولي، ووفق القوانين التي تنظم سير الملاحة البحرية في عدد من المضايق البحرية كمضيق ملقا في إسبانيا على سبيل المثال من خلال الدفع الطوعي للخدمات والإنقاذ وغيرها بوجود آلية محددة تشترك فيها سلطنة عمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية وبالتنسيق مع دول المنطقة.
إن الاتصالات المكثفة التي قام بها ويقوم بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- مع قيادات العالم هو دليل على حرص القيادة الحكيمة لنزع فتيل الحرب المدمرة، والتي نالت من جميع دول المنطقة، وكان لها تأثيرات سلبية كبيرة على الاقتصاد العالمي. ومن هنا تواصل الدبلوماسية العمانية دورها المعهود في إيجاد الحلول الموضوعية لوقف نزيف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية، غير أن زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية هي بمثابة تخريب لتلك المساعي الدبلوماسية، والتحريض على مواصلة الحرب ضد إيران؛ لأن الكيان الصهيوني لا يهمه مصالح ومقدرات دول المنطقة، بل كان يحرض عدد من دول المنطقة على الدخول في حرب مباشرة مع إيران بهدف خلق فوضى عارمة، وتحقيق أهداف المشروع الصهيوني العالمي، والسيطرة على مقدرات المنطقة من خلال النفوذ.
إن التحديات كبيرة في ظل إدارة أمريكية يصعب التنبؤ بقراراتها، وهذه معضلة حتى على صعيد الداخل الأمريكي. ويبدو لي أن الإدارة الأمريكية في وضع معقد من خلال الاقتراب الزمني للانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم، وهي انتخابات سوف تكون مفصلية للحزب الجمهوري ومستقبله السياسي لانتخابات البيت الأبيض بعد سنتين من الآن، وفي ظل تحديات داخلية وتدني شعبية الرئيس الأمريكي ترامب.
إن التحرك الدبلوماسي العماني هو أشبه بعملية إنقاذ للخروج من المأزق الذي يلف مستقبل المنطقة وأجيالها ومقدراتها. وفي تصوري فإن وثائق الحرب الأمريكية الإيرانية التي سيكشف عنها بعد انتهاء الحرب سوف تصدم الرأي العام العالمي، وحتى الحكومات من كم التحريض الإسرائيلي والخطط العسكرية والاستخباراتية التي كان هدفها جر الإدارة الأمريكية إلى شن الحرب على إيران بهدف تحقيق أهداف المشروع الصهيوني، وإزاحة آخر العقبات الكبيرة في الشرق الأوسط. كما أن الكيان الصهيوني اصبح مكشوفا على صعيد الحكومات والشعوب في الغرب. وأصبح هذا الكيان يمثل مأزقا وجوديا للسلام والاستقرار في المنطقة والعالم، وهناك حوار جاد في الأوساط الأمريكية خاصة بين جيل الشباب حول جدوى الدعم المالي والعسكري والتكنولوجي الأمريكي لإسرائيل، خاصة وأن عشرات المليارات تدفع من جيوب دافعي الضرائب في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الأمر يقود إلى وعي جمعي والى نقاش كبير في أوساط الأجيال الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما، وهناك نجوم الفن والسينما والرياضة في أمريكا الذين لم يصدقوا حجم الكارثة الإنسانية والإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان الصهيوني بقيادة نتنياهو والجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
إن الكيان المحتل هو الذي سبب كوارث الحروب في المنطقة على مدى ثمانية عقود أي منذ عام ١٩٤٨ حتى الآن، ويريد أن يتمدد جغرافيا في سوريا ولبنان والسيطرة على الدول العربية من خلال التطبيع. وعلى ضوء ذلك فإن الكيان الصهيوني لا يريد للمنطقة أن تعيش بسلام أو استقرار، وهنا بيت القصيد كما يقال، وهذا يفرض على الدول العربية الانتباه إلى المخطط الكبير الذي يقوده أحد اكثر المتطرفين في العالم وهو نتنياهو وحكومته المتشددة.
وفي ظل مناخ التوتر تواصل سلطنة عمان من خلال الدبلوماسية دورها وجهودها المقدرة عالميا خاصة وأن الملف النووي الإيراني هو ملف تمتلك فيه الدبلوماسية العمانية خبرة تراكمية كبيرة، ولها رؤية موضوعية تعتمد على المصداقية والوضوح والعدالة والإنصاف بحيث يتم التوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق نووي بين طهران وواشنطن يجنب المنطقة والعالم المزيد من الكوارث وعدم الاستقرار.
تحية وطنية للدبلوماسية العمانية التي تواصل جهدها في ظل تحديات كبيرة، وتحريض الكيان الصهيوني وإشكالات، وهناك إشادات كبيرة من دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية وعدد من كبار السياسيين في العالم بدور سلطنة عمان النزيه الذي يهدف إلى إنهاء المأزق المتمثل في الحرب والعودة للدبلوماسية مجددا للوصول إلى توافق سياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وتستعيد المنطقة السلام والاستقرار بعيدا عن لغة القوة والتهديد.
عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة
