تأملات في الفنون والاقتصاد والمجتمع
25 يوليو 2026
25 يوليو 2026
هذه الأيام يعيش كثير من محبي السينما على وقعِ فيلم The Odyssey الذي استطاعت من خلاله عبقرية المخرج كريستوفر نولان إنتاج أحد الأعمال التي وازت في إخراجها وبلورتها تاريخية وأصالة العمل الأدبي الذي استمدت منه - وذلك نادرًا ما يحدث سوى مع مخرجين عباقرة أمثال نولان. يقدم الفيلم قصة رحلة عودة أوديسيوس إلى مملكة إيثاكا بعد حرب طروادة، ويتمحور حول العتبات الطويلة والمحطات التي يعايشها من وحوش البحر والساحرات إلى غضب بوسيدون، وصولًا إلى المملكة التي تبدو وكأن قوانينها تغيرت كثيرًا منذ غادرها. على المستوى الإنساني يقدم العمل مفاهيم أصيلة حول رباعية الهوية والانتماء والانتصار والأخلاق. فالرحلة رغم أنها رحلة عودة من انتصار؛ إلا أن ذلك الانتصار يظل ناقصا دون وطن يتوشح به، وأرض تحتضنه، وأسرة ترتسم فيها الطمأنينة من بعده. ورغم أن الرحلة هي امتداد لتجاوز عتبات قوية من البشر والطبيعة والمجهول إلا أن الأمتار الأخيرة منها غارقة في الأسئلة والمساءلة حول التضحية، وأخلاقية الحرب ذاتها، ومفاهيم النصر الحقيقية، ومصائر رفقاء الرحلة.
يختصر الفيلم فكرة أن الحرب قد تنتهي في ميدانها، لكن أسئلتها وشخوصها وحساباتها، وفاتورتها تظل عالقة في الضمائر. ورغم أن «الألياذة» و «الأوديسا» ملاحم تاريخية عريقة اكتسبت أصالتها من قدرتها على حشد وتكثيف الصور الإنسانية وصراعات القيم والمفاهيم في أعمال خالدة؛ إلا نولان هنا يقدمهما بلغة الصورة، وأن ما يستثقل التعامل معه كمادة تاريخية أدبية ثقيلة يمكن أن تنتصر له ثقافة الصورة، بل ويتعدى الانتصار حدود النخبة، إلى التأثير على طيف واسع ينعكس في طبيعة مرتادي صالات العرض بأعمارهم المتدرجة وثقافاتهم المتباينة وحدود علمهم الواسعة. وإذا كانت «الألياذة» و«الأوديسا» قد أسست تاريخيًا لبناء مرجعي لفكرة البطل والبطولة والصفح والانتقام والرحلة والعودة، وقد امتد هذا التأثير ليكون سمة في أعمال شعرية ومسرحية وروائية لاحقة. فهنا يثبت نولان أن السينما بوصفها أحد أشكال ذلك الامتداد؛ فإن قدرتها على التجسيد والتوسع والتأثير قد تكون أبعد وأكبر ــ إن أحسنت استخدام أدواتها ومكنت تقنياتها بذكاء ــ وهو ما يعكس اهتمام طبقة واسعة من مرتادي الفيلم بتفاصيله؛ سواء الفنية المرتبطة بتقنيات الصوت والصورة والمسرحة، أو التجسيدية المرتبطة بأداء الشخصيات ولباسها، ومواقع التصوير، والإحساس الدقيق بالتجربة السينمائية المقدمة لا مجرد الاكتفاء بمتابعتها.
على مستوى مواقع التصوير يشعر المتابع بالمكان بوصفه جزءا من التجربة، وليس مجرد فضاء خلفي للأحداث واللقطات؛ فمن قلعة ميثوني وكهف نستور وأكروكورينث باليونان، إلى آيت بن حدو والصويرة بالمغرب، مرورًا بجزيرة فافينيانا والجزر الإيولية في إيطاليا.
وامتدادًا نحو شبه جزيرة سنايفلسنيس في آيسلندا، وصولًا إلى ساحل موراي فيرث وقلعة فيندليتر في إسكتلندا. ستشكل هذه المواقع ذاكرة أصيلة قد تمتد ــ كما في تجارب سابقة ــ إلى مزارات ومقاصد سياحية لاحقًا. وهذه فطنة في حد ذاتها على مستوى القائمين على العمل الفني.
فتاريخيًا شكلت بعض الأعمال الفنية والسينمائية تحديدًا عاملًا اقتصاديًا دافعًا للسياح عبر التاريخ لزيارة أماكن بعينها وتتبع الرحلة؛ نذكر منها قلعة ألنويك في إنجلترا التي ارتبطت ببعض مشاهد هاري بوتر، ومنزل المغني إلفيس بريسلي (غريسلاند) الذي أصبح مقصدًا لتتبع نمط حياة الفنان وأثره، والروايات التي كانت تحكى عن قصره وطريقة عيشه، وتقدر بعض المصادر أن زواره وقاصديه يتجاوزون سنويًا نحو 700 ألف زائر. وفي الأدب تحولت ستراتفورد أبون آفون إلى مقصد رائد عالميًا لتمحورها حول أفلام شكسبير. كما قدرت بعض المصادر أن تصوير مسلسل Game of Thrones أضاف إلى مدينة دوبروفنيك في كرواتيا نحو 245 ألف سائح بين 2012 و2015، إلى جانب 1.5 مليون ليلة سياحية إضافية ونحو € 126 مليون من إيرادات السفر.
وهذا يقودنا إلى طرح ربما تم تناوله سابقًا في عدة مرات وهو كيفية الاستفادة من الطبيعية والتضاريس والتموضع الجغرافي والسردية التاريخية، والإرث وطبيعة التركيب الحضاري للمجتمع في الدخول في سلسلة القيمة بالنسبة للأعمال الفنية؛ الأمر لا يرتبط بشكل أساسي بضرورة تصوير عمل سينمائي بالكامل في سلطنة عُمان، ولكن يمكن من خلال عدة مقاربات من مثل اختيار جزء من عمل سينمائي لاستضافته في مكان مناسب، أو تهيئة مدينة متكاملة لطابع تضاريسها أو تاريخيتها لتكون مدينة مهيأة بالكامل للإنتاج السينمائي والفني عمومًا وتسويقها بشكل مستمر لكبريات شركات الإنتاج والمخرجين، أو قد يكون من خلال أعمال فنية عمانية ملحمية تستطيع أن تنافس عالميًا. أو أية مقاربات أخرى ضمن سلسلة القيمة الكاملة لهذه الصناعة المتكاملة. ما نريده قوله هو الفرصة حاضرة في هذ القطاع؛ ولكنها مرتبطة بشكل أساس بالقصة التي نريد أن نرويها، قصة الإنسان والمكان والتموضع الحضاري، وكيف نستطيع أن نسردها بطريقة جاذبة تحوز اهتمام الفاعلين في هذا القطاع، والمنخرطين في صناعته.
بالعودة إلى The Odyssey تؤكد الأعمال الأصيلة، والجادة أنها تستطيع إحداث نقلة غير مخططة في الوعي الإنساني المتجاذب. وأن الفن الجاد يستطيع تهذيب الذائقة الإنسانية حين تمنح الأفكار وأن الجمال البصري وقوة السرد من شأنها أن تنمي قدرة الإنسان على التأمل والفهم والتعاطف.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان
