العمل في ظل «الإقطاع» التكنولوجي

16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026

يحدث كثيرًا أن تكون قد اشتركت في خدمة على منصة ما، لكنك بعد فترة تقرر أن ما الخدمة التي تحصل عليها لا تستحق ما تدفعه لقائها.

تحاول إلغاء اشتراكك، فتقترح عليك المنصة تخفيضًا مغريًا، لكنك مصمم على الإلغاء. ثم تقترح عرضًا آخر لا يُمكن تفويته، فتقرر مواصلة الاشتراك في الخدمة مزهوا بهذا الانتصار: إنك تدفع ثلث ما يدفعه الأغلبية لقاء الخدمة نفسها.

لكن مبدأ المساومة نفسه - المتأتي من القدرة الخوارزمية على تقدير العرض الذي يُمكن أن يقبل به المستخدم، القدرة على توقع سلوكه واستنباط حاجاته وهشاشته - يُمكن أن يستغل ببشاعة لممارسة أنواع من التمييز، وهي وإن لم تكن جديدة كليًا، إلا أنها تُصبح اليوم جزءًا هيكليًا من بنية النظام.

تخيل الآن السيناريو الآتي: لنقل أنك تبحث عن عمل بالقطعة. تعرض خدماتك عبر منصة تصل مقدمي الخدمات بمتلقيها (أيا كانت الخدمة: توصيل، تصميم، تعليم، تمريض). ورغم أن المنصة تقتطع جزءًا من الأجر لقاء ربطك بالمستفيدين من خدماتك، إلا أنك تجد أنه اقتطاع عادل إلى حد ما.

تخيل الآن أن تتحول لوضع اقتصادي أكثر هشاشة، كأن تصبح مدينًا، سواء لظروف الحياة، أو لظرف متعلق بتحسين جودة عملك، كأن تشتري سيارة أو جهازا أو عدة أحدث تراهن على أنها سترفع تقييمك، وترفع دخلك بالتالي. الآن وأنت واقع تحت الدين يُصبح اضطرارك للعمل مضاعفًا تُفاجأ بأن المنصة تستغل حاجتك وتخفض أجرك، وكلما زاد الحرج انخفض الأجر المعروض.

هذا تمامًا ما تفعله منصات أسواق الخدمات وحلول إدارة القوى العاملة.

تتحكم منصات الخدمات بمصير العاملين بطريقتين: احتكار سوق الخدمة وحق العمل من جهة، وتوظيف الخوارزمية للاستغلال الآلي والآني المخصص من جهة أخرى.

فهي تخلق سوقًا معتمدًا عليها بالكامل، فسلطة « أوبر» في عالم قادر على التبادل دون وساطتها - حيث يركب الناس سيارات الأجرة من الشارع، أو يعتمدون على التنسيق الشخصي مع سائقيهم - لا تعد شيئًا أمام سلطتها اليوم وهي تحتكر السوق.

حيلة المحتكرين الصبر. والاحتكار يتجاوز اليوم أدواته التقليدية، ليتدخل في تصميم السلوك والعادات؛ فهذه المنصات تغير العلاقات الاجتماعية للإنتاج والتبادل، وتغير آليات السوق.

إنها تغير شكل العالم، ومتى ما سلم الناس بالواقع الجديد، صار بإمكانها أن تضاعف الاستغلال دون اعتراض.

أما مقاومتها فتأتي بخسارات انتحارية؛ إذ يبدو أن المستخدمين أحرار في استخدام التطبيقات أو حذفها، لكنها حرية متوهمة، فكلفة مغادرة الفضاء السحابي عالية؛ كيف لسائق أجرة أن يعمل اليوم دون الارتباط بمنصة تعرض خدماته؟ وما يبدو أنه توافق وتعاقد طوعي يخفي وراءه قبولا اضطراريا مبنيا على الحاجة من جهة العامل، وثقة مبنية على الوفرة (ما أكثر الباحثين) والابتزاز البياني (ما تعرفه الخوارزمية عنك) من جهة المتحكم بفرص العمل. لهذا يستخدم يانيس فاروفاكيس مؤلف -الإقطاع التكنولوجي - مصطلح «أقنان» للإشارة إلى الطبقة العاملة الواقعة تحت رحمة المنصات التي تحتكر حق منح العمل. توصف القنانة في سياق الإقطاع الوضع الاجتماعي-الاقتصادي لطبقة الفلاحين، والذي هو أقرب للاستعباد.

ولعل النموذج الأبشع قد ظهر، وهو في طريقه للانتشار. منصة شيفت-ميد (ShiftMed) - على سبيل المثال - هي حلّ تقني لإدارة القوى العاملة في مجال الرعاية الصحية، توصف بأنها أوبر للتمريض.

تعدُ المنصة المؤسسات الصحية بإدارة كفؤة لمواردها البشرية عبر تخفيض تكاليف المناوبات لحد يصل إلى 300 دولار لكل مناوبة. كيف يتحقق خفض الكلفة؟ عبر نوع من المساومة الانتهازية مع الممرضين الذين يقدمون خدماتهم بالقطعة.

يتتبع التطبيق الالتزامات المالية للممرضين، ويُخفض الأجر المعروض بالتزامن مع مواعيد الاستحقاقات المالية كدفع الإيجار والأقساط الشهرية.

تمارس هذه المنصة - وغيرها من منصات العثور على عمل - تمييزا مخصصا كل على حسب هشاشة وضعه الاقتصادي.

في مقاله - الحجة الماركسية لفرضية الإقطاع التكنولوجي - يُجادل فاروفاكيس أن التفكير في عمل شركات التكنولوجيا الكبرى بلغة الرأسمالية التقليدية تفكير منقوص.

وأن - ما يسميه - رأس المال السحابي له طبيعة، وآليات عمل لاستخلاص الريع، تتجاوز النظام الذي نعرف لتنتج شكلًا جديدًا.

فالمنصات (سواء تلك التي تعرض السلع أو الخدمات) تتجاوز معنى السوق الرقمي؛ لأنها تفعل أكثر من مجرد استبدال فضاء سحابي بالسوق التقليدي، وتنتج نظامًا يتجاوز الرأسمالية المفرطة.

فرأس المال التقليدي يُنتج سلعة، أما شركات التكنولوجيا فلا تنتج سلعًا. إن منتجها الوحيد هو قدرتها على تغيير سلوكنا عبر ما تجمعه وتعالجه من بيانات. وإن كان أصحاب رأس المال التقليدي قد امتلكوا سلطة اجتماعية على عمالهم المأجورين، فرأس المال السحابي يُنتج - فوق هذا - سلطة على المستهلكين، بل على المنتجين الرأسماليين. يعني هذا أن مكسبهم يتحقق - بالإضافة لفائض قيمة العمل المأجور - عبر الاستحواذ على فائض القيمة المنتج عبر رأسماليين آخرين.

التفكير في النظام الذي يحكمنا اليوم بلغة الإقطاع تكشف لنا أن الحرية التي يبدو أننا نمتلكها - التي يُصر الليبراليون على أننا نمتلكها - شكلية، كما تكشف لنا أن التقنية تأتي بأشكال تحكم واستغلال جديدة مستفيدة من واقع أن التكنولوجيا تسير في إيقاع يفوق بكثير سرعة تطوير التنظيمات التي تضبطها، ومن القرابة المتنامية بين واضعي السياسات وأصحاب الثروات.