من الكهوف والكارست إلى المساواة في الأجور

15 سبتمبر 2026
15 سبتمبر 2026

مناسبتان دوليتان مهمتان في هذا الأسبوع، أولاهما تتعلق بالآثار والميثولوجيا والتأريخ الشفوي، وقد أقرها المؤتمر العام لليونسكو حديثا في 2025م، ويحتفى بها هذا العام في 13 سبتمبر كأول احتفال رسمي باسم اليوم الدولي للكهوف والكارست.

والثانية تتعلق بالقضايا الاجتماعية والنسوية المجتمعية، وأقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2019م، ويحتفى بها في 18 سبتمبر من كل عام، وعام 2026م هو العام السادس للاحتفاء بها باسم اليوم الدولي للمساواة في الأجر.

الجامع بين المناسبتين هو الجانب الفلسفي المتمثل في الإنسان ذاته، أي في حركة الاجتماع البشري، وحفظ الذاكرة الإنسانية في المناسبة الأولى، وفي قيم المساواة والعدالة في المجتمع الإنساني في المناسبة الثانية.

وفي هذا العام أيضا ــ أي 2026م ــ أعلن عن جائزة السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، ولها علاقة بالممارسات والتقاليد الاجتماعية وما ترتبط به الذاكرة الإنسانية من تفسيرات ما ورائية وطبيعانية للوجود، من خلال حركته في الاجتماع البشري.

الجامع بين هذه الجائزة وبين اليوم الدولي للكهوف والكارست يتمثل في أن التضاريس الجيولوجية (الكارست)، والتي تتشكل بسببها الكهوف والعيون ومجاري المياه والحفر المائية، ومنها البرك المائية، وما يشبه ذلك؛ هذا الجانب التضاريسي الطبيعي لا يتمثل فقط في حركته الطبيعية، ولكنه يرتبط أيضا بالإنسان.

فالذاكرة الميثولوجية الإنسانية كثيرا ما ترتبط بالكهوف والحفر المائية، من قضايا معتقدية إلى قضايا الجان والاستشفاء، وقضايا الطاقة والتحولات الروحية، وارتباط ذلك بالغنوصيين والمتصوفة والمتنسكة.

وقد كتبت شيئا من ذلك في مقالتي: «اليوم الدولي لليوجا بين الرياضة والأصول الدينية».

وعُمان تحمل ذاكرة ميثولوجية فيما يتعلق بالكهوف وتجمعات المياه والعيون، مثل كهف جرنان في إزكي، والجن في قريات، والهوتة في الحمراء. ولا زالت منابع المياه وعيونها تحمل ذاكرة من القصص والأساطير والممارسات الشعبية، وبعضها يمارس حتى يومنا هذا. وفي المقابل هناك آثار قديمة لصور وكتابات على الكهوف والصخور لابد أن تحفظ ويعتنى بها توثيقيا على الأقل، لتكون مادة حاضرة للدارسين مستقبلا.

توجد اهتمامات فردية في توثيق هذه الذاكرة، مثل ما يقوم به حمود الدغيشي ويونس النعماني وزملاؤهما، ووثق شيئا من الميثولوجيا سماء عيسى، ونشرتُ في 29 يناير 2024م مقالة في جريدة عُمان حول جهده بعنوان: «سماء عيسى والبحث في حكايا وأساطير الإبحار العماني»، وفي مجال التوثيق يبرز عندنا حارث الخروصي، واهتم بشيء من ذلك الكاتب الراحل خميس العدوي.

وكما ذكر سماء عيسى في إحدى المناسبات الثقافية الأخيرة أن الوقت حان لإنشاء مركز بحثي متخصص في هذه المجالات، وهذا جزء منه يتناسق مع جائزة السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، ومثل هذه المناسبات الدولية تعطي دافعا للتذكير ودراسة مثل هذه الجوانب.

وأما اليوم الدولي للمساواة في الأجر فهي وإن من حيث الابتداء تتعلق بالمساواة بين الجنسين في الأجور، ولا زال هناك تفاوت بينهما حتى في العديد من الدول الأوروبية، وهي جدلية دينية وفلسفية واجتماعية وقانونية قديما وحديثا، يرجع ذلك إلى طبيعة المرأة وقدرتها في ممارسة بعض المهن، وفيما تمر به من حالات جسمانية كالولادة وما بعدها، مما تمايز به طبيعة الرجل، وهذا يؤثر على مساواتها الجسمانية بالكلية، مما يؤثر على طبيعة العمل وما يترتب عليه من إجازات وخصائص تتباين بين الجنسين.

وعُمان تجاوزت العديد من الجوانب، ووجدت بعض المراجعات فيما يتعلق بإجازات المرأة، مع المساواة في الأجور، ففي الجملة لا يوجد تمايز بين الجنسين في الأجور، وهذا لا يعني عدم ضرورة المراجعات خصوصا فيما يتعلق بالتقاعد وبعض الجوانب المتعلقة بالمرأة كضرورة المساواة في بعض الوظائف، ومنها القضاء والإفتاء، فلا يوجد ما يمنع أن تتولى المرأة مهنة القضاء، وأن يكون لها مقاعد في الإفتاء.

وقد نجحت المرأة في المشاركة فيما هو أكبر من القضاء والإفتاء كالحكم والرياسة، والمشاركة في الحقائب الوزارية.

الأهم في قضية الأجور وإن كان ليس متعلقا بهذه المناسبة الدولية، لكنه ضمنا يشترك حول مضامينها، وهو العدالة الاجتماعية في الأجور، مع ضرورة وجود حد أدنى يشترك فيه الجميع من جهتين: من جهة تحقق الكرامة الإنسانية في المجتمع، وحرمة ما يؤدي إلى المساس بها، ومنه ما يتعلق بالعدالة الاجتماعية والمالية، ومن جهة أن يتناسب ذلك وحركة التضخم المالي صعودا ونزولا، بحيث تتحقق المساواة بين الجميع في الحد الأدنى من الأجور التي تتناسب مع الواقع المعيشي في المجتمع.

الأمر الآخر يتمثل في مراجعة العديد من الجوانب فيما يتعلق بالعمال من غير المواطنين، وفيما يتعلق بالقطاع الخاص من المواطنين، وفي بعض الوظائف الحكومية، وهذا نجده عموما في منطقة الخليج العربي، فهناك أجور لا تتناسب وكرامة الإنسان، كما أن ساعات العمل أكثر بكثير من حقوق العمال من ساعات العمل اليومي المقررة في القانون، وليت لو أن هذه الأجور تربط بساعات العمل وليس بأيام العمل والأجور الشهرية.

وهناك من يستغل ضعف بعض الجوانب الإنسانية عند العمال الوافدين، وعدم تضامن دولهم معهم. وهؤلاء تركوا أسرهم ومجتمعاتهم نتيجة المعاناة والبحث عن حياة كريمة يعولون بها أسرهم وأهاليهم، ومنهم من جاء نتيجة الحروب الأهلية والصراعات السياسية في بلدانهم، وبعضهم يحمل شهادات لا تناسب عملهم، ولكن الحاجة دفعتهم إلى ذلك، ولو بأجور بسيطة، مع ساعات عمل طويلة، ومنهم من تتأخر أجرته في غير وقتها، وقد تمتد إلى شهرين وأكثر، ومنهم يتعرض للاحتيال.

هؤلاء لا قدرة لهم للتقاضي، فهذا يكلفهم الكثير، لهذا نحن بحاجة إلى مراجعة مثل هذه الجوانب غير الإنسانية، ومثل هذه المناسبات الدولية تعطي وقفات لمثل هذه المراجعات، مع تفعيل القوانين الحافظة، والعديد منها مسنونة، ولكن هناك من يتحايل عليها، ويستغل ضعف الآخر، وهذا لا يختلف عن الاتجار بالبشر في الجوانب السلوكية والاجتماعية.