إلى أي حد يمكن أن ترتفع أسعار الغاز الطبيعي؟

16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026
ترجمة: قاسم مكي

شهدت بداية سبتمبر ارتفاعا فجائيا في الأسعار العالمية للغاز الطبيعي. وفي حين تركِّز عناوين الأخبار على تخطِّي النفط سعر 100 دولار للبرميل، وهو رقم له دلالة رمزية، إلا أن أسعار الغاز ظلت ترتفع بوتيرة أسرع، ويتم تداوله بما يكافئ تقريبا 150 دولارا لبرميل النفط.

لا يجب أن يكون ارتفاع سعر الغاز مفاجئا؛ فقد ظل القلق يساور المحللين على مدى شهور بشأن المستويات المتدنية لمخزونات الغاز في أوروبا. إنها بحاجة إلى تسريع زيادتها؛ لكي تتمكن القارة من الاستعداد لموسم التدفئة في الشتاء. ولتأمين الإمدادات على أوروبا منافسة المشترين الآسيويين.

لم يتم الالتفات إلى التحذيرات؛ فأسعار الغاز الآجلة لهذا الشتاء ظلت ثابتة تماما قياسا بأسعار الصيف. لذلك لم يكن هنالك حافز يدفع التجار لشراء الغاز وتحمُّل تكلفة تخزينه لشهور انتظارا للشتاء. وكانت الحكومات من جانبها تريد الحفاظ على شيء من الهدوء.

إذن ما الذي تغير؟ لقد تركزت الأنظار على اقتراب الشتاء. لكن ربما ما هو أكثر أهمية أن هنالك إدراك متزايد بعدم وجود حل واضح لمشكلة نقل الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز وأن الإغلاق قد يستمر إلى ما لانهاية.

وتبدو احتمالات توافره أكثر قتامة من النفط. لقد تحوَّل الأمل بعودة الإمدادات للسوق إلى مخاوف من انقطاعها لفترة طويلة.

الغاز الطبيعي المسال من بين السلع الأكثر تضررا من حرب الشرق الأوسط؛ فأقل من 10% من تدفقاته في فترة ما قبل الحرب يعبر المضيق الآن. وتشكل ضخامة ناقلات الغاز الطبيعي المسال وقيمة شحناته والعواقب التي تترتب عن قصفها مخاطر جسيمة.

لنقارن ذلك بالنفط؛ أبدت حكومة الولايات المتحدة طوال شهر أغسطس إصرارا قويا على استعادة إمدادات النفط إلى السوق. وفي حين ليس واضحا الحجم الحقيقي لتدفقات نفط الشرق الأوسط الحالية، إلا أنها زادت بقدر كبير بسبب إزالة الألغام والمرافقَة العسكرية الأمريكية للسفن الناقلة، كما يبدو.

من مصلحة الولايات المتحدة إخراج هذا النفط فيما هي تحاول ترويض أسعار البنزين قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر.

وتبادل إطلاق النار الحالي صراعٌ بين إيران والولايات المتحدة حول من يسيطر على تدفقات النفط.

أما الغاز فوضعه مختلف عن النفط؛ إذ ليس من أولويات الولايات المتحدة جلب الغاز الطبيعي المسال الشرق أوسطي إلى السوق. إنه ببساطة سينافس صادراتها هي نفسها.

في الحقيقة غياب صادرات الغاز المسال الوارد من الشرق الأوسط هذا الصيف ربما أدى إلى الحيلولة دون انهيار أسعاره مع بلوغ صادرات النفط المسال الأمريكية أعلى مستوى لها، ولزمها بالتالي الحصول على مستوردين.

وهنا المفارقة؛ فمن المستبعد أن يشعر المستهلكون الأمريكيون بارتفاع الأسعار العالمية للغاز الطبيعي المسال؛ إذ لا تزال أسعار الغاز الطبيعي المسال أقل من أربعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية أو أقل من 20% من سعره العالمي.

باختصار الولايات المتحدة تتأثر باضطراب إمدادات النفط، ولكن ليس الغاز الطبيعي المسال.

السؤال: إذا ظل الغاز المسال خارج السوق فإلى أي مدى سترتفع أسعاره؟ الأسعار الحالية عند حوالي 25 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وهنالك أخبار عن عقود خيارات لشراء الغاز المسال عند أسعار تزيد عن 30 دولارا. وهذا سعر مرتفع وقاسٍ، وهو يوحي بأن العائلات والمصانع ستواجه ارتفاعا في فواتير شراء الغاز. لكنه لا يزال بعيدا عن السعر الذي تراوح بين 50 و75 دولارا مقابل مليون وحدة حرارية بريطانية في أزمة 2022.

هذه المستويات المرتفعة للأسعار وما ترتب عنها من مخصصات دعمٍ لحماية المستهلكين هي المسؤولة جزئيا عن تحديات الدين السيادي والضغوط على السندات الحكومية في الوقت الحالي.

الإجماع في قطاع الغاز هو أننا لن نعود إلى المستويات بالغة الارتفاع التي شهدتها أسعاره في عام 2022. سيكون هنالك تنافس محتدم هذا الشتاء على إمدادات الغاز بين أوروبا وآسيا، وستعتمد شدة هذا التنافس جزئيا على الطقس.

فالطقس البارد سيزيد الطلب على الغاز وأيضا الطقس الخالي من الرياح الذي يقلل إمداد الكهرباء من مزارع توربينات الرياح.

لكن لن يتكرر الاندفاع المحموم في صيف عام 2022 بواسطة الأوروبيين لملء مستودعات الغاز بأي ثمن عندما سحب غاز الأنابيب الروسي.

ليست لدى الأسواق الآسيوية الرغبة، وربما لن تدخل في منافسة ضارية عند أسعار تتخطى 25 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

لقد اتخذت بلدان الاقتصادات الغنية كاليابان وكوريا الجنوبية إجراءات جادة لإدارة استهلاكها، أما الصين فلديها مصادر متعددة لإمدادات الغاز. وتفتقر بلدان الاقتصادات الصاعدة الأقل ثراء إلى القدرة المالية للمنافسة مع أوروبا على الإمدادات.

إلى ذلك هنالك عوامل أخرى تخفف من الوضع أهمها الزيادة الكبيرة في إمدادات الغاز المسال البديلة من أمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة)، واستخدام طاقة الشمس والرياح لتوليد الكهرباء.

لقد كشفت سوق الغاز عن مرونة لافتة خلال الشهور الستة الماضية، لكن أكبر اختبار لها ربما أمامنا. فلا يوجد فائض يذكر. مع ذلك يمكن أن يؤدي التخطيط الجيد إلى تجنب تكرار قفزات أسعاره في عام 2022.

مايكل ستوبارد مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ستوبارد للطاقة

الترجمة عن الفاينانشال تايمز