كارثة العمارة السكنية المنهارة في غزة

16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026

مقولة شهيرة شنفت آذاننا ونحن لمّا نزل نتلمس طريقنا وفي بداياتنا في دنيا الصحافة هي تعريف مختصر وبسيط ومحرر من كثير من قيود التعريفات وتعقيداتها وتشابكها؛ تعريف للخبر شخصياً لا أستطيع تصور كيف سيكون حال تعريف الخبر وعدد كلماته لولا هذا التعريف الوافي الجامع، فهو يجمع بين النظرية والتطبيق، وبين التجريد والحال، وبين التصور والصورة.

كل من له علاقة بالصحافة في مختلف الأجيال يعرفه ويحفظه عن ظهر قلب، وما من أحد جاء بأحسن من هذا التعريف، ولا أعتقد أن أحداََ سيفعل ذلك في المستقبل، اللهم إلا إذا انتفى وجود أحد الطرفين المذكورين في التعريف أو كليهما، وهو ضرب من ضروب المستحيل ورابع ثلاثة مستحيلات ذكرهن الشاعر العراقي القديم صفي الدين الحِلي المولود في مدينة الحِلة بالعراق والذي استيأس من وجود صديق صدوق، فخلص نَجِيّاََ وأنشأ يقول:

لما رأيت بني الزمان وما بهم .. خِلٌّ وفيٌ للشدائد أَصْطَفِي

أيقنت أن المستحيل ثلاثة .. الغول والعنقاء والخل الوفي

المقولة الشهيرة تقول وهي تعرف الخبر الصحفي: (إذا عض كلب رجلاََ فهذا ليس بخبر، أما إذا عض رجل كلباََ فهذا هو الخبر).

وهي مقولة بجانب بعدها العلمي والأكاديمي فإنها تجمع في متنها بين قيم ثلاث هي: الغرابة، والإثارة، والإدهاش.

والمغزى من هذه المقولة وخلاصتها أن عض الكلاب للناس هو أمر مألوف ومعتاد، لكن غير المعتاد حدوث العكس، وإذا حدث فهو يستحق الاهتمام.

مناسبة كل تلك المقدمة المطولة هي ذلك الخبر الأليم الفاجع الذي استيقظ الناس عليه فجر أمس الأربعاء والذي وقع في غرب غزة الحبيبة الجرح العربي النازف الذي عجز الجميع عن تطبيبه وإيقاف نزيفه.

يحدّث الخبر الأليم عن انتشال 12 جثماناََ بينهم أطفال ونساء، وإصابة 25 آخرين بينما لا يزال حتى كتابة هذا المقال نحو 100 شخص تحت الأنقاض نتيجة انهيار عمارة سكنية بمنطقة الصناعة جنوب غربي مدينة غزة.

الجانب المثير للشعور بالألم والفجيعة والأسى والأسف أن العمارة المنهارة كانت تضم في جوفها عشرات النازحين الذين آووا إليها لتعصمهم من حر الشمس بالنهار ولسعات البرد بالليل.

طبعاً أخبار هدم الطيران الإسرائيلي الغاشم لمساكن وبيوت أهل غزة على رؤوس ساكنيها ومن كثرة تكراره على مدى ما يقرب من ثلاثة أعوام إلا قليلاً أصبحت أخبارا معتادة؛ فما يمر يوم من أيام الله إلا ونسمع أو نقرأ أو نشاهد هذه الجريمة الصهيونية الشنيعة التي ما سبقهم إليها من أحد من العالمين حتى صرنا نألفها ونمر عليها مرور الكرام ونحن نتمتم بدعوات على الصهاينة، وبدعوات لأهل غزة بأن يخفف الله عنهم هذا البلاء وقلوبنا تتفطر ألماََ وتفيض الأعين من الدعم حزناََ، فأصبحت هذه الأخبار عندنا مثل خبر الكلب الذي عض رجلاََ.

فالصهاينة استمرؤوا هذه الفعلة المقيتة البغيضة، ولعلهم يتباهون بعدد الأطفال والنساء والمسنين والعجزة الذين قتلتهم قنابل طائراتهم ومسيراتهم، وربما تبادلوا الأنخاب على مشهد أشلائهم وهي تتطاير في الأرجاء أو جثامينهم وهي تنتشل من بين الركام والأنقاض.

لكن ما حدث فجر أمس لم يكن معتاداََ؛ فقد كان من قبيل «عض رجل لكلب»؛ لأن ما حدث لهم جاءهم من مأمنهم ومن حيث ظنوا أنه ملاذ آمن آووا إليه مطمئنين رغم خوفهم الذي وقر في قلوبهم وسكن عقلهم الباطن من غدر الصهاينة المعتدين الذين لا تؤمن بوائقهم، ولا يرعون عهداََ، ولا يحافظون على ميثاق، ولا يوفون بالوعد.

المأساة الأليمة أن العمارة السكنية التي انهارت على رؤوس قاطنيها من النازحين مكونة من 6 طوابق وحواليها وعلى جوارها تناثرت خيام نازحين آخرين نالهم نصيبهم من الهدم حين انهارت الطبقات الست بكتلها الإسمنتية عليهم وهم نائمون، وربما كانوا يحلمون بغدٍ أزهى وأجمل بعد يوم مليء بالتعب والرهق والمشقة بحثاََ عن الماء وكسرة الخبز أو الدواء لمريض أو مصاب، أو تشييع جريح قد استعصى جرحه على أن يبرأ ففارق الحياة.

والأكثر إيلاماََ مشهد فرق الإنقاذ المتواضعة، وما تبقى منها من طواقم، ومن نجا بأعجوبة من حمم القصف الإسرائيلي الأهوج وهم يحاولون القيام بعمليات الإنقاذ باذلين أقصى ما في طاقتهم من جهد منذ وقوع الكارثة من أجل إخراج العالقين المكومين تحت الأنقاض وكتل الخرسانة، وتصل إلى أسماعهم أناتهم ونداءاتهم الضعيفة وبكاء أطفال لا حول لهم ولا قوة يتسرب نشيجهم من بين الشقوق والإسمنت المركوم واستغاثات آبائهم وأمهاتهم المليئة بالأمل والرجاء في الله.

وبعض هذه الأنات تخفت ثم تسكت، وبعض البكاء يتوقف، وهو ما يعني أن أصحابها قد انتقلوا بأرواحهم إلى الدار الآخرة تاركين أجسادهم تحت الركام.

وما يؤلم أكثر فأكثر أن فرق الإنقاذ لا حيلة لها مع نقص الأدوات والمعاول والآليات والتجهيزات التي تعينهم على إنجاز عمليات الإنقاذ بيسر، والتعامل مع الكارثة بما يجب أن يكون.

وتقول هذه الفرق: إن الأمر يحتاج إلى أكثر من ثلاثة أيام على الأقل للقيام بالمهمة المستحيلة.

ويزداد الألم والوجع حين نكتشف أن العمارة السكنية كانت قد استهدفت في وقت سابق بقصف إسرائيلي همجي، فتعرضت لتصدعات وأضرار، لكنها صمدت منتصبة قبل أن تفقد قدرتها على مواصلة الصمود، فانهارت في آخر لحظة صمود كانت تقاوم بها السقوط، فحتى الجمادات لها طاقة تحمل قصوى لا تتجاوزها.

الكارثة الأكبر أن هناك في قطاع غزة حوالي ألفي مبنى متضرر ومصنف بأنه (آيل للانهيار)، ويتوقع انهيارها في أي وقت، وما تزال هذه الأبنية مأهولة بالنازحين الذين يعلمون أنها آيلة للسقوط، ولكن ما بأيديهم حيلة، وما عساهم يفعلون؛ فهي على الأقل أفضل من العراء، وقد بدأت رياح الشتاء تهب منذرة بشتاء قارس لا تنفع معه خيام الإيواء الخفيفة المرقعة والمليئة بالثقوب من كثرة استخدامها.

وبقى أن تعلم عزيزي القارئ أن 50 طفلاََ موجودين تحت الركام وبعض المنقذين يستخدمون أيديهم المجردة لإنقاذ من يتناهى أنينهم إلى سمعهم، وبقي أن تعلم عزيزي القارئ الكريم وأنت تتابع هذه المأساة بقلب منفطر أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي ترفض دخول معدات وأدوات الإنقاذ المطلوبة إلى القطاع، حتى لا يكون هناك ناجون، فالاحتلال الإسرائيلي يسره أن يموت الفلسطينيون أصحاب الأرض وأصحاب الحق ولا عجب في ذلك؛ فالمحتل مثله ومثل اللص الذي يتسور المنازل ليسرقها ويقتل أصحابها.

والمحتل الصهيوني لا قلب له ولا ضمير يؤنبه هو مجرد من كل قيم الإنسانية، ولا نصيب له من مكارم الأخلاق، وخالي الوفاض تماماً من الرحمة لا يلين قلبه بكاء طفل ولا استغاثة امرأة ولا رجاء مسن، بل كل ما يهمه هو التوسع في أراضي الغير والتمدد في الاستيطان وبناء المستوطنات وطرد الفلسطينيين من أراضيهم ومصادرة ممتلكاتهم، ولا عجب في ذلك فهم من قالوا: (ليس علينا في الأميين سبيل).

وتقع هذه الكارثة في ظل وضع صحي منهار تماماً؛ فبحسب الإحصائيات الفلسطينية فإن 60٪ من سيارات الإسعاف معطلة مما يفاقم عدد الوفيات نتيجة للتأخر في نقل المصابين إلى المستشفيات على ما تعانيه من نقص حاد في التجهيزات الطبية.

وفوق هذا فإن الفجوة كبيرة جداََ بين ما هو موجود من تجهيزات وما بين المطلوب، وإن سد هذه الفجوة يحتاج إلى نفرة كبرى وإلى مساعدات خارجية تحول سلطات الاحتلال الإسرائيلي بينها وبين وصولها إلى القطاع إمعاناََ في التنكيل بالفلسطينيين.

وإذا علمت أيها القارئ العزيز أن 90٪ من أهالي القطاع يعتمدون على المساعدات يستبين لك حجم الكارثة والمصيبة التي يرزح تحت وطأتها الفلسطينيون في غزة وحجم الجرم والجناية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في حق شعب كل جريرته أنه يأبى الظلم ويرفض الخروج من وطنه ومفارقة أرضه ليحتلها عدو غاصب همجي متوحش.