السياسة الخارجية الأمريكية في عام 2025
03 يناير 2026
03 يناير 2026
ترجمة: قاسم مكي -
مع نهاية عام 2025 يبدو الوقتُ مناسبًا لمحاولة النظر في القضايا والدروس الكبيرة التي يمكن استخلاصها من العام الأول لفترة ترامب الرئاسية الثانية.
عندما أعيد انتخاب ترامب رئيسًا في العام الماضي اعتقد أمريكيون عديدون لأسباب وجيهة أنه سيختطُّ مسارا انعزاليا للولايات المتحدة. لكن من الممكن جدا أن تكون إحدى أكبر مفاجآت السياسة الخارجية في عام 2025 ليست فقط تجنبه سياسة العزلة في السنة الأولى من رئاسته، ولكن أيضا تأسيس نمط جديد من الانخراط الأمريكي في السياسة الدولية «بخصائص ترامبية».
في الواقع من الصعب أن تكون انعزاليًا وتدعو في نفس الوقت (كما فعل ترامب) إلى الاستحواذ على قناة بنما وكندا وجرينلاند. فهذا ليس سوى الانخراط في العالم. كما لا يمكن للمرء أن يحصل على جائزة نوبل وهو في موقف المتفرج، بل نسب ترامب إلى نفسه الفضل في التوسط، أو توسط شخصيا في تسع صراعات دولية بما في ذلك الحرب في غزة وأوكرانيا.
أثناء الحملة الانتخابية أعلن ترامب أن مساعيه في فترته الرئاسية الأولى عرقلها المستشارون المحافظون الجدد والمؤيدون للانشغال بشؤون العالم؛ فهؤلاء وفقا له حالوا دون التنفيذ غير المقيد لأجندة سياسته الخارجية القائمة على مبدأ «أمريكا أولا». جادل ترامب بأن أسلافه الرؤساء بمن فيهم الرئيس السابق جو بايدن ركزوا أكثر من اللازم على الصراعات وصنع السلام في الخارج في أوروبا والشرق الأوسط. وأدان «الحروب التي لا تنتهي»، وعارض جهود بناء الدول واصفا الحروب في أفغانستان والعراق بالخاطئة.
كما أوضح ترامب على نحو لافت أن الترويج للديموقراطية وحقوق الإنسان لن يُملي عليه سياسته الخارجية، وأن الولايات المتحدة ستترك الشئون المحلية والإقليمية الخاصة بالبلدان الأخرى لقادتها.
لكن مع انقضاء عام تقريبا من السياسة الخارجية المسترشدة بهذا التوجيه من الواضح الآن أن ترامب ليس انعزاليًا، وهذا لا يعني القول: إنه من أنصار الليبرالية الدولية مثل أسلافه الجمهوريين والديموقراطيين الذين عملوا على تقوية المؤسسات الدولية واتبعوا نظاما يرتكز على قواعد، وأكدوا أهمية التعاون الدولي في إدارة المصالح الوطنية والتعامل مع التحديات العابرة للأوطان. الأمر أبعد كثيرا من ذلك. لقد أعاد تشكيل التعاون الدولي على صورته.
في فترته الرئاسية الحالية يدفع ترامب إلى الصدارة بأفضل ما لديه من مهارات في الدبلوماسية الشخصية مع ما يبدو إنها شهية لا تنقطع للانخراط في الشأن الدولي.
لكن أحيانا تبدو سياسته الخارجية في الممارسة العملية متعارضة مع نقده للسياسات الخارجية للإدارات الأمريكية السابقة.
ففي وقت مبكر من هذا العام على سبيل المثال قال ترامب: «في نهاية الأمر من يُسَمُّون بناةَ البلدان دمروا بلدانا أكثر بكثير من تلك التي بنوها ودعاة التدخل يتدخلون في مجتمعات شديدة التعقيد دون أن يفهموا طبيعتها». وبعد انتقاده الرؤساء السابقين لتوريطهم الولايات المتحدة في صراعات عسكرية أجنبية مارس ترامب استعراضًا غير مسبوق لدبلوماسية «الزوارق البحرية» ضد فنزويلا. فقد أمر القوات المسلحة الأمريكية بضرب أكثر من عشرين قاربا زعم أنها تهرب المخدرات. كما نشر أكبر قوة عسكرية في البحر الكاريبي على مدى عقود بإرسال المجموعة القتالية لحاملة الطائرات «جيرالد آر فورد» إلى جنوب الكاريبي.
ويقدَّر أن 15% من أسطول البحرية الأمريكية تم نشره في المنطقة بإسناد من آلاف الجنود.
إلى ذلك تنخرط الإدارة الأمريكية في مشروع بناء دولة بالغ التعقيد؛ إنه بالتحديد خطة من عشرين خطوة وعدة مراحل لإعادة بناء غزة. هذه الخطة والتي هي في المراحل المبكرة لتنفيذها تتعدى وقف إطلاق النار وعودة الرهائن الأحياء، واستعادة جثث الرهائن الموتى، وإطلاق سراح المعتقلين، وزيادة العون الإنساني.
إنها تدعو أيضا إلى تشكيل قوة دولية لبسط الاستقرار، وتولي الحكم بواسطة «لجنة فلسطينية غير سياسية» ومسعى لإعادة البناء بإشراف «مجلس سلام» برئاسة ترامب نفسه.
وفي حين لن تكون القوات الأمريكية جزءا من قوة الاستقرار الدولية داخل حدود غزة إلا أن حوالي مائتين جنديا تم نشرهم في المنطقة لمراقبة وقف إطلاق النار والمساعدة في توصيل العون. قد لا يكون الهدف بسط الديموقراطية «الجيفرسونية»، لكن يقينا يبدو لي ذلك مماثلا لبناء دولة.
أخيرًا بعد النقد الذي وجهه للرؤساء الذين سبقوه لانشغالهم بحقوق الإنسان أشار ترامب في وقت مبكر من فترته الرئاسية إلى أن الولايات المتحدة ستكف عن إلقاء المواعظ على البلدان الأخرى حول ممارساتها الداخلية. لكنه منذ ذلك الوقت دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ مواقف مغايرة ضد بلدان ثلاثة على الأقل هي البرازيل ونيجيريا وجنوب أفريقيا لما اعتبره «سوء معاملة المنافسين السياسيين والأقليات الدينية والعرقية». ففي وقت مبكر من هذا العام خضعت البرازيل إلى رسوم جمركية تصل إلى 50% وفرضت واشنطن عقوبات على قاضي محكمتها العليا اليكساندر دي مورايس وزوجته؛ لمحاكمته الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو. ونيجيريا مهددة بضربة عسكرية أمريكية بسبب ما اسماه معاملة المسيحيين. (وجه ترامب ضربات عسكرية شمالي نيجيريا ضد من أسماهم إرهابيي داعش يوم 25 ديسمبر – المترجم.» أما بالنسبة لجنوب أفريقيا فقد قاطع ترامب قمة العشرين التي استضافتها بسبب ما زعم أنها «سياسة إبادة جماعية تنتهجها تجاه البيض في جنوب أفريقيا»، وخصص لهم الأولوية في الحصول على حصص دخول الولايات المتحدة كلاجئين ضمن سقف سنوي قياسي لا يتعدى 7500 لاجئ.
ما علمناه هذا العام أن ترامب لا يسعى إلى إنهاء القيادة الدولية للولايات المتحدة، بل فقط إعادة تشكيلها. لقد رفض المقاربات التقليدية للمشاركة في الشؤون الدولية وسياسة التدخل؛ لعدم فعاليتها ومثاليتها وفشلها في تحقيق نتائج محسوسة.
ترامب يؤمن بأن القوة الأمريكية يمكن ممارستها بقدر أكبر من الانتقائية، وعقد الصفقات بتكاليف أقل للداخل.
السؤال الآن هو: هل ستصمد هذه المقاربة الأكثر انتقائية والقائمة على المعاملات أمام المقايضات التي تنشأ عنها حتما؟ فالرئيس الذي يُنتخب على أساس وعد بعدم شن حروب خارجية جديدة قد يواجه عما قريب خياراتٍ صعبة إذا تعدَّت الضغوط على فنزويلا الإكراه (ليّ الذراع) وتحولت إلى حرب.
وسيُختبر شعار «السلام عبر القوة» ليس بالكلام، ولكن بمدى استعداد الإدارة الأمريكية لتخصيص موارد مستدامة، والقبول بمخاطر حقيقية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، أو فرض وقفٍ هش لإطلاق النار وترتيبات سياسية في غزة أو بين كمبوديا وتايلاند. (أعلن البلدان كمبوديا وتايلاند عن اتفاقهما لوقف إطلاق النار يوم السبت 27 ديسمبر- المترجم).
حتى تأكيد ترامب على ضبط النفس في السياسة الخارجية له تكاليفه الخاصة به؛ فتخصيص الأولوية للدفاع عن الوطن والجزء الغربي من الكرة الأرضية (الأمريكيتين) قد يعقِّد جهود سياسة ردع الصين في منطقة المحيطين الهادي والهندي.
النمط الذي اتخذته مقاربة ترامب للسياسة الدولية أكثر وضوحًا من توقعات العديدين. وسيعتمد استمراره بقدر أقل على طموحاته وبدرجة أكبر على كيفية تصرف إدارته ورد فعل الرأي العام عندما تتضح صعوبة التعامل مع التوترات التي تنشأ عنه.
مايكل فرومان رئيس مجلس العلاقات الخارجية
