الجمعيات الخيرية واستقالة الأعضاء
حدث جدل حول بعض الاستقالات في بعض الجمعيّات الخيريّة في عُمان قبل فترة بسيطة، ولست مطلعا من كثب في أسباب ذلك، والّذي يهمني هنا حول أهميّة دور الجمعيّات الخيريّة في علاج العديد من التّحدّيات الماليّة في الوقت الرّاهن، والجمعيّات تلعب دورا مهمّا على مستوى العالم، وهي جزء من الشّراك المدنيّ الّذي ولد مع الإنسان منذ القدم، وارتبط بالتّجمعات القبليّة، فكانت هناك أعراف تضامنيّة داخل القبيلة ذاتها، فيما يتعلّق بحفظ ماء وجه الفقير والمسكين وابن السّبيل والدّائن وفكّ الرّقاب وإكرام الضّيف والدّيّات، وما يتعلّق وقت الحروب من شراك مدنيّ، تطوّر الأمر إلى تسبيل بعض الجوانب باسم الوقف والّذي تعدّدت جوانبه أيضا من الإنسان وحفظ كرامته وأمنه وتعليمه إلى الطّبيعة والعمران والحيوانات، لهذا أقرّت جميع الأديان والفلسفات طيلة التّأريخ أهميّة ذلك.
في عُمان، الاجتماع البشريّ طيلة تأريخه ارتبط بالشّراك المدنيّ من خلال الصّدقات والزّكاة والوقف، وما تفرضه الحاجة من ضرائب لرواية «إنّ في المال لحقًّا سوى الزّكاة»، وعادة يرتبط زيادة هذا الحقّ بالمقتدر، لكي يتحقّق التّوازن الماليّ في المجتمع، وحتّى لا تخلق فيه طبقات أفقيّة اجتماعيّة واضحة بسبب التّفاوت الماليّ، ممّا يؤدّي إلى أمراض اجتماعيّة مختلفة تجرّ إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار الاجتماعيّ والسّياسيّ، هذا الأمر التّضامنيّ تراجع مع بداية اكتشاف النّفط، وتكوّن الدّولة الحديثة، خصوصا منذ ثمانينات القرن الماضي، ويعود سبب تراجعه إلى وفرة الوظائف، وسهولة الحصول على وظيفة حكوميّة، أعطت شيئا من الاستقرار المؤقت، تزامن مع ذلك إهمال المؤسّسات الرّسميّة المعنيّة بهذا الأمر حينها، خصوصا وزارة الأوقاف بمسميّاتها السّابقة، كان هناك إهمال واضح في تفعيل الوقف والصّدقات والزّكوات، ممّا خلق - سابقا - فجوة ثقة بين عمل هذه المؤسّسة والمجتمع المدنيّ، كذلك فيما يتعلّق حين ربطت الجمعيّات والفرق الخيريّة بوزارة التّنمية الاجتماعيّة، فلم تخلق سابقا - في نظري – رؤية تفعليّة جادّة في إدارة الفرق والجمعيّات الخيريّة لمّا أوكل الأمر إليها، لهذا لجأ المجتمع المدنيّ إلى إنشاء فرق خيريّة تطوعيّة خالصة، خصوصا منذ تسعينيات القرن الماضي، كانت على مستوى النّوادي الرّياضيّة، أم على مستوى المساجد، وأحيانا على مستوى القبيلة والأسر الكبيرة، ولدت مع التّراجع الاقتصاديّ، ونمت من القاعدة الأفقيّة في تحقيق التّضامن الاجتماعيّ داخل المجتمع، والّتي تطوّرت إلى جمعيّات خيريّة، وفرق للزّكاة والوقف مع السّنوات الأخيرة.
هذه التّحولات لم تخلُ ذاتها من إخفاقات داخليّة، وعشوائيّة في التّوزيع، مع بعض السّلبيّات، لكنّها في الوقت ذاته ساهمت إيجابا في خلق تعاون مدنيّ، وعلاج العديد من الحالات الاجتماعيّة، كتفريج كربة بسبب دين أو حبس أو دفع دية، وعلاج مريض، وتعليم جاهل، وكفالة يتيم، وإعانة ابن سبيل، وبناء مسكن، وإدخال الفرحة في العيدين ورمضان، وغيرها من الجوانب، فإيجابيّاتها في نظري غلبت بعض سلبيّاتها، وما يحسب لمجتمعنا أنّها لم تتحول إلى حالة حزبيّة سياسيّة لأغراض ظاهرها إعانة المجتمع، وباطنها خلق قاعدة سياسيّة أو صناعة رمزيّات عن طريقها، وإنّما بقت شراكا مدنيّا خالصا غايته الإعانة والتّكافل الاجتماعيّ والمدنيّ.
المرحلة الّتي نعيشها اليوم نتيجة تنامي الباحثين والمسرحين عن العمل، فضلا عن الاحتياجات الاجتماعيّة الأخرى، نحن بحاجة إلى إعادة قراءة آلية تفعيل عمل الجمعيّات الخيريّة، منها ما ذكرته في بحث قصير لي بعنوان «الوقف والزّكاة والصّدقات بين مركزيّة الدّولة وهامشيّة التّطوّع المجتمعيّ»، حيث أرى - من وجهة نظريّ - ضرورة إنشاء هيئة مستقلّة تماما عن الأوقاف والتّنمية، وإن ارتبطت فهو ارتباط تنظيميّ لا أكثر، لها ثلاثة أجنحة رئيسة: الجناح الأول جناح الدّراسات البحثيّة والاستراتيجيّة في آلية حسن تنميتها وتفعيلها وتكييفها بما يناسب المرحلة، والجناح الثّانيّ جناح الاستثمار من حيث وضع أصول لها تجرّ منفعة دائمة، وتعالج القصور بشكل إيجابي، والجناح الثّالث جناح إخراجها عن طريق مركزيّة الدّولة ذاتها في دعم المؤسّسات المعنيّة للقضاء على الفقر والبطالة وتوزيع المال والرّقيّ بالتّعليم والصّحة والخدمات العامّة، وإعانة الباحثين والمسرحين وتحقيق الأمان الوظيفيّ نتيجة ضعف الأجور، وهذا مثلا ما يحدث في الولايات المتحدّة الأمريكيّة من خلال مركزيّة الحكومة الفدراليّة ودعمها للجمعيّات بشكل منظّم في علاج قضيّة المشردين، ممّا ساهم بشكل إيجابيّ في الحدّ من القضيّة، وتوفير البديل من خلال العلاج.
في 12 يونيو 2024م كان المرسوم السّلطانيّ رقم (28/2024) بإنشاء المؤسّسة العُمانيّة الوقفيّة، «لها الشّخصيّة الاعتباريّة، وتتمتع بالاستقلال الماليّ والإداريّ، وتتبع وزير الأوقاف والشّؤون الدّينيّة»، وهي خطوة جيّدة، بيد أنّ التّفكير في إنشاء مؤسّسة أو هيئة مستقلّة لا يقتصر عملها عند تفعيل الوقف، بل يشمل جميع الجوانب الخيريّة، ولا تتبع وزارة ما من حيث الابتداء، بل يكون لها استقلالها الإداريّ والتّنظيميّ، وتتجاوز التّرهلات الّتي تعاني منها الوزارات الكبيرة، ثمّ لكون هذه المؤسّسات أو الهيئات بحاجة إلى عقول اقتصاديّة قادرة على إدارتها واستثمارها، أكثر من حاجتها إلى اعتبارات هامشيّة، خصوصا مع ضرورة «الحوكمة والرّقمنة إجرائيّا في تحقّق العدالة الاجتماعيّة، فالحوكمة حالة إصلاحيّة للمؤسّسات، حيث ترتبط الكفاءة بالرّيادة، والعمل بالشّفافيّة ووضوح الرّؤية، والأداء بالمراقبة والمحاسبة والمساءلة، وحوكمة المؤسّسات يسهم في إصلاح المؤسّسات والدّوائر المرتبطة بالعدالة الاجتماعيّة، ومحاولة تضييق الفجوات في المجتمع، والإسراع في توفير حلول جذريّة وفق مركزيّة الدّولة لمعالجة القضايا الماليّة والإداريّة والوظيفيّة والّتي لها ارتباط بالعدالة الاجتماعيّة»، لهذا وجود مثل هذه الاستقالات في الجمعيّات الخيريّة مؤخرا مؤشر لقراءة الموضوع وعلاجه بشكل إيجابيّ، وما ذكرته محاولة لقراءته بما يخدم استمراريّة العمل الاجتماعيّ ذاته، وحسن تفعيله في مجتمعنا العمانيّ.
بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»
