المثقف المُزيف وأشباه المبدعين

20 يناير 2026
20 يناير 2026

آية الانحطاط الثقافي في أي مجتمع أو حقبة تاريخية ما غياب المبدعين والمثقفين الحقيقيين أو ندرتهم، وذلك أمر يحدث عادةً بفعل ظروف سياسية واجتماعية معينة تخلق حالة من التدهور الحضاري، أو تُنذر بحدوث ذلك التدهور. 

عندئذ يشيع وجود أشباه المثقفين، وتتعالى أصواتهم في كل مكان. ومن الطبيعي أن يصبح هذا المثقف المزيف صاحب الصوت العالي هو نموذج المثقف عند رجل الشارع الذي يحيا في عصر فقير يميل إلى تسطيح الفكر، وتسليع- وربما تزييف- الفن والثقافة، ويكاد يخلو من المشاعر الإنسانية: عالم التكنولوجيا والآلة والذكاء الاصطناعي وأدوات التواصل الاجتماعي. 

في هذا السياق يتألق أشباه المبدعين والمثقفين الذين تصنعهم التكنولوجيا وعالم الصورة الذي نعيش فيه. تأمل- على سبيل المثال- في مجال الغِناء: حالة الغناء العظيم مع مطربين مبدعين من أمثال إنجل بيرت هامبردينج وشارل أزنافور وفرقة الآبا والبَكارا وسارا برايتنس، وغيرهم. ولعل آخرهم هنا هو خوليو إجلاسيوس الذي كان حارسًا لمرمى كرة القدم في إسبانيا، ثم أصبح ملء السمع والبصر، حتى إن جيهان السادات قد دعته في ذروة تألقه ليغني تحت سفح الهرم في حفل تاريخي شهير بينما هو يجلس الآن في ركن منزوٍ من هذا العالم من دون أن يشغل مكانه أحد بنفس الحضور والإبداع في فن الغناء. ولم يعد في عصرنا هذا من يحتفون بالموسيقيين الكلاسيكيين العظام، ولا بالمحدثين من أمثال إنيو ميريكوني إلا قليلًا. وعلى النحو ذاته لم يعد في هذا العصر فلاسفة حقيقيين عظام من أمثال هوسرل وهيدجر وسارتر، وغيرهم ممن لا يُحصى عددهم. وقل مثل هذا في كثير من مجالات الإبداع الأخرى. 

وإذا كان هذا يحدث في عالم الغرب المتطور حضاريًّا فما بالك بعالمنا العربي؟ فعلى الرغم من التطور الواضح في مجالات التكنولوجيا وإتاحة المعرفة والتعلم؛ فإن السياق الثقافي في كثير من الدول لا يُنتِج غالبًا إبداعًا حقيقيًّا إلا فيما ندر. تأمل- على سبيل المثال- حالة الإبداع في فن الغناء في عالمنا العربي؛ فلم يعد لدينا مطربين عظام من أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم وفريد وفيروز -حفظها الله-، وغيرهم من مطربينا العظام. فقد سيطر على مجال الغناء بعض الجهلاء الذين يفتقرون إلى أية ثقافة، بل لا يعرفون حتى نطق مخارج الحروف العربية. نعم مثل هؤلاء يتوارون الآن في عالمنا، ولكن عالمنا العربي الراهن يُنتج باستمرار أشباههما. مثل هؤلاء يملؤون ساحة الثقافة في كل مكان. وهذا هو ما يحدث أيضًا في مجال السينما؛ ولهذا فإنني عندما سألت صديقي المبدع السينمائي العظيم داود عبد السيد الذي رحل عن عالمنا منذ أيام: أين إبداعك الجديد يا صديقي؟ قال: السياق الآن لا يسمح بأي إبداع، وشرح لي ما كنت أعرفه وأتوقعه. ولذلك انزوى داود عبد السيد لمدة عشر سنوات في ركن من هذا العالم إلى أن توفاه الله منذ بضعة أسابيع في ذكرى (عيد ميلاد السيد المسيح)! 

الانحطاط الذي يحدث في مجال الفن هو انعكاس للانحطاط الذي يحدث في مجال الثقافة عمومًا؛ فلا إبداع في الفن والأدب من دون ثقافة فلسفية حقيقية تسهم بقوة في تأسيس الوعي؛ لأن حال الثقافة مرهون دائمًا بمدى تطور الوعي؛ ومن ثم فإن غياب الوعي أو تدهوره يؤدي بالضرورة إلى غياب أية ثقافة حقيقية. وربما يقول لنا بعض المتحذلقين: بأي حق تتحدث عن ثقافة حقيقية أو غير حقيقية، ومن ثم عن التمييز بين مثقف حقيقي وآخر غير حقيقي؟ والإجابة ببساطة أن المثقف الحقيقي هو العارف بمعنى الثقافة، أعني: العارف بمعنى الفن والإبداع وبالمبدعين في مجال الفكر والفلسفة عبر التاريخ، وهو بخلاف المثقف المزيف لا يسعى إلى الوجود فقط من خلال عالم الصورة والتواصل الاجتماعي (مثلما هو شائع لدى الكثيرين)، أو الوجود من خلال ترديد الأقوال الشائعة التي ترضي الجمهور، أو تستفز مشاعرهم من أجل خلق حالة جدال وهمي لا قيمة له. فمثل هذا المثقف المزيف ينتمي إلى تلك الفئة من المثقفين الذين يتكلمون دائمًا من دون علم، ويطلقون العبارات المحفوظة الرنانة، ويسعون إلى هدم الثوابت بادعاء التحرر منها والقول بأنه ليست هناك ثوابت على الإطلاق (من باب لفت الأنظار والسعي إلى الشهرة)، ويا حبذا لو كانت هذه الثوابت رموزًا تاريخية أو مقدسات دينية! هذا هو همهم وطريقهم إلى إثارة الجدال، ومن ثم إلى الشهرة. ويا ليت هؤلاء يملكون عدة البحث فيما يقولون من قبيل أدوات البحث التاريخي، ومناهج البحث في العلوم الإنسانية، أو حتى المعرفة بشيء من أصول الدين. لا شيء من ذلك على الإطلاق! فهؤلاء لا يبحثون عن شيء سوى الرائج ما يُسمى «الترند» في عصرنا هذا. ومن أسف أن كثيرًا من المؤسسات الثقافية والإعلامية في عالمنا العربي تنخدع في مثل هؤلاء فتحتفي بهم وتجزل لهم العطاء، بل تمنحهم أحيانًا الجوائز التي لا يستحقونها. وفي هذا مكمن الخطورة؛ لأنه بذلك النحو يمكن ترويج أسماء أشباه المثقفين والمبدعين. 

د. سعيد توفـيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة