المشروع الصهيوني العالمي والأمن القومي العربي

20 يناير 2026
20 يناير 2026

تحدثنا في مقالات سابقة عن وجود مشروع صهيوني بدأت ملامحه في الظهور بعد اتفاقية سايكس بيكو والإعلان عن الكيان الإسرائيلي عام ١٩٤٨ في فلسطين، وهو عام النكبة. ولعل ملامح ذلك المشروع الصهيوني انطلق من خلاله القيادات الصهيونية المرتبطة بالنظام الغربي؛ حيث أصبحت الأسر الثرية التي هاجرت من ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ذات نفوذ اقتصادي كبير، وتغلغلت تلك الأسر الثرية داخل النظم الغربية التي تسمح دساتيرها بالتعددية ووجود جماعات الضغط التي تقوم على عوامل عرقية ودينية. 

الولايات المتحدة الأمريكية هي مثال صارخ على وجود اللوبي الصهيوني، خاصة منظمة «الإيباك» التي تلعب دورا محوريا على صعيد التأثير السياسي داخل البيت الأبيض والكونجرس، علاوة على تأثير رأس المال اليهودي الذي لا يمكن لأي مرشح للانتخابات على صعيد البيت الأبيض تحديدا أن يتجاوزه؛ حيث أصبح الرئيس الأمريكي أسير أجندة المتبرعين، كما هو الحال مع الرئيس ترامب الذي ينفذ أجندة صهيونية واضحة، خاصة على صعيد القضية الفلسطينية وابتزاز عدد من الدول، والتي كان آخرها فنزويلا، علاوة على إقامة أغرب مجلس للسلام في قطاع غزة، بل إنه طلب مليار دولار لكل دولة تريد أن تنضم للمجلس، وحول القضية الفلسطينية وحرب الإبادة إلى ما يشبه نادي يتلاعب بمصير قضية عادلة وشعب يتطلع إلى الحرية والاستقلال. 

عودة للمشروع الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي في القلب منه؛ حيث انطلق مشروع التطبيع مع الكيان الإسرائيلي في الفترة الأولى من حكم الرئيس ترامب، وتم التوقيع على اتفاقات أبراهام في واشنطن، وتواصل المشروع الصهيوني من خلال ما يسمى بالدول الوظيفية، وهي مهمة أسندت للكيان الإسرائيلي عام ١٩٤٨، وأصبحت الحكومات الإسرائيلية هي الخنجر المسموم الذي يقف ضد أي تعاون عربي أو عمل مشترك على غرار دول الاتحاد الأوروبي. بل إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي انطلق منذ عام ١٩٨١ فشل في إيجاد منظومة التكامل الاقتصادي بين الدول الست الأعضاء، كما أن مجلس التعاون العربي قد فشل وانتهى، علاوة على الاتحاد المغاربي الذي لم يعد فاعلا. 

ثورات الربيع العربي التي اندلعت عام ٢٠١١ كانت جزءا من نظرية الفوضى الخلاقة التي تحدثت عنها مستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة كونداليزا رايس، وأكدت على تلك النظرية في كتبها المنشورة. كما أن بقايا الحروب في المنطقة العربية، خاصة في اليمن وليبيا والسودان، هي جزء أصيل من المشروع الصهيوني العالمي الذي يهدف إلى إيجاد مناخ من عدم الاستقرار، والدخول في خلافات عربية-عربية، والدعوة إلى قضايا الانفصال والتشتت. 

ويلعب الكيان الإسرائيلي دور رأس الحربة خلال العقدين الأخيرين في ظل تراجع التعاون العربي وضعف الجامعة العربية واشتعال الحروب الأهلية في عدد من الدول العربية. بل إن الأزمة الخليجية التي اندلعت عام ٢٠١٧ كادت أن تعصف بمنظومة مجلس التعاون. ومن هنا فإن المشروع الصهيوني ينبغي الوقوف ضده من خلال آليات واضحة، ومن خلال استشعار الخطر على الأمن القومي العربي. 

فالحرب والصراع في اليمن المتواصل منذ عشر سنوات له تأثيرات سلبية كبيرة على دول المنطقة، خاصة إذا حدث الانفصال. والحرب في السودان وليبيا لها تداعيات كبيرة على الأمن القومي لمصر والسعودية؛ حيث الحدود البرية ووجود البحر الأحمر، كما هو الحال بالنسبة للحدود اليمنية السعودية والعمانية من خلال محافظات المهرة وحضرموت. وعلى ضوء ذلك فإن المشروع الصهيوني العالمي ينطلق من وجود اعتبارات موضوعية، منها الخلافات العربية-العربية، ووجود دولة تدعو للتطبيع مع الكيان، وتداعيات حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني؛ حيث ارتكاب المجازر المروعة التي وثقتها المحاكم الدولية، وصدور مذكرات اعتقال بحق المتطرف نتنياهو ووزير الدفاع المتقاعد جالانت. 

إن نظرة فاحصة على الوضع العربي يعطي مؤشرًا خطيرًا على تدحرج الخلافات والتراشق الإعلامي، وهذا ما يجعل المشروع الصهيوني العالمي ينطلق من خلال مناخ عربي سليم وضعف في حل الخلافات العربية. ومن هنا فإن إدارة ترامب تضغط باتجاه استكمال مشروع التطبيع، وهو جزء أصيل من تصفية القضية الفلسطينية، وهو أيضا جزء من سيطرة الكيان الإسرائيلي على الشرق الأوسط من خلال دور الكيان الوظيفي لخدمة الصهيونية العالمية والسيطرة على مقدرات المنطقة. كما أن الدراسات في مراكز البحوث الإسرائيلية تتحدث عن مناخ مناسب للسيطرة على الضفة الغربية وتحويل قطاع غزة إلى منطقة استثمارية وتجارية على البحر المتوسط. ولعل موضوع التهجير بالنسبة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة لا يزال مطروحا، علاوة على شراء الصهاينة الأراضي والاستثمار في قطاع غزة، أو من خلال الوكلاء في المنطقة. 

أذكر خلال رحلة وفد جمعية الصحفيين العمانية إلى فلسطين المحتلة في أكتوبر ٢٠١٣ أن التقيت الدكتور صائب عريقات رئيس وفد التفاوض الفلسطيني، وأشار بأننا نشعر بأن الوفد الأمريكي هو أكثر تشددًا وحرصا على عدم إعطاء دولة فلسطينية، حتى أكثر من الوفد الفلسطيني. وهذا ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك تطالب بإقالة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات رحمه الله. وخلال لقاءات عديدة خلال المسار المهني كانت القيادات الفلسطينية، بداية من الرئيس الحالي محمود عباس وعدد من القيادات الفلسطينية، تتحدث عن ذلك الجمود في المفاوضات لأن واشنطن انحازت بشكل كامل للكيان الإسرائيلي. 

ومن هنا فإن القضية الفلسطينية، ورغم الزخم السياسي الدولي التي حصلت عليه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث عشرات الاعترافات بدولة فلسطين، خاصة من الدول الأوروبية المؤثرة كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها، إلا أن الدور الأمريكي يبقى هو المسيطر على الأوضاع في الشرق الأوسط. وطالما الإدارات الأمريكية المتعاقبة منحازة بشكل سافر، فإن حل الدولتين لن يتحقق بناء على المعطيات على الأرض، وفي ظل تناغم وانسجام سياسي بين حكومة نتنياهو المتطرفة وإدارة البيت الأبيض. 

الحروب بالوكالة والدور الوظيفي للدول ليست بدعة في التاريخ القديم والحديث، خاصة إذا كان المشروع الصهيوني يقوم على أيديولوجية توسعية تنادي بقيم وشعارات براقة لا تنسجم مع الثقافة العربية والإسلامية. بل إن خطر المشروع الصهيوني قد بدت ملامحه في الظهور، بل إن المفكرين في الغرب أعطوا في كتاباتهم صورة قاتمة عن تغلغل الصهاينة في النظم الغربية وفي الولايات المتحدة الأمريكية. ومن هنا فإن هذا المشروع الصهيوني هو الأخطر على النظم والأجيال العربية، حتى لو كان يخطو خطواته ببطء ولكن بثبات. 

ولعل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، ومن خلال موسوعته عن اليهودية والصهيونية، قد أبدع في تحليل ذلك المشروع الصهيوني الخطير، والذي يهدف في نهاية المطاف إلى السيطرة والنفوذ واختراق المجتمعات وتغيير الهويات الوطنية. وتعد إشعال الحروب الأهلية هي جزء من تلك الفوضى الخلاقة، كما حدث في مظاهرات إيران؛ حيث كان الهدف إسقاط النظام الإيراني الذي يعد العقبة الكبرى في تمرير المشروع الصهيوني العالمي بشكل أسرع، ولكن المحاولة تم إفشالها في نهاية المطاف. 

على الدول العربية أن تتدارك أوضاعها حتى لا تنزلق الأمور إلى ما هو أخطر، ولعل الخطوة الأولى هو الجلوس على طاولة الحوار والمصارحة والشفافية؛ حيث إن الخطر على الأوطان يتعدى أي طموح للنفوذ أو السيطرة، خاصة وأن نتنياهو تحدث عن خريطة إسرائيل الكبرى التي تخترق أجزاء واسعة من الجغرافيا العربية، حيث السيطرة على الممرات البحرية والمنافذ الاستراتيجية. 

إن نظرة فاحصة على المشهد السياسي العربي تختصر خطورة التطورات المتلاحقة في المنطقة، وهنا يحتاج العرب خاصة القيادات إلى وقفة تأمل وحكمة لإيجاد خارطة طريق عربية تنقذ الأوطان والمقدرات من مشروع صهيوني هو الأخطر منذ نهاية النازية والفاشية بعد الحرب العالمية الثانية. فهل يعي العرب ذلك؟ 

عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة