عندما تصبح التهديدات الإعلامية بديلًا للدبلوماسية

20 يناير 2026
20 يناير 2026

كلما استمعتُ أو قرأتُ تهديدًا جديدًا من تلك التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أتحسس رأسي، وأتذكر، على نحو لا إرادي، تلك العبارة الشهيرة للكاتب الألماني النازي «هانس يوهست» «عندما أسمع كلمة ثقافة أتحسّس مسدسي». المقولة التي صارت مثلا جاءت في مسرحيته الشهيرة «شلاجيتر» التي عرضت في 1933 وهو العام نفسه الذي وصل فيه هتلر إلى السلطة، وكانت بمثابة بيان أيديولوجي مسرحي للنظام النازي الناشئ آنذاك. الفارق في حالتي هذه، أنني لا أتحسّس مسدسًا، إذ لم يسبق لي في حياتي أن حملت أو امتلكت مسدسًا، وإنما أتحسّس عقلي الذي يواجه صعوبة حقيقية في فهم واستيعاب كل هذا الكم من التهديدات الصادرة عن رئيس دولة توصف بأنها «دولة عظمى»، ولم يسلم منها القريب أو البعيد. 

هذا النمط من التصريحات التي طالت خلال أسبوع واحد فقط دولا حليفة وخصوما، وأنظمة ديمقراطية وغير ديمقراطية في جميع قارات العالم باستثناء أستراليا، لا تصدر عرضًا وأصبحت تتكرر بوتيرة شبه يومية، وهو ما يجعلها أقرب إلى سياسة ثابتة وخطاب جديد في الاتصال وإدارة العلاقات الدولية، يقوم على إثارة الخوف والرعب الإعلامي، والتوسع في استخدام التهديد كبديل عن السياسة لتحقيق ما يعتقد ترامب بأنه يخدم «المصالح الأمريكية». 

ما يلفت الانتباه في الفترة الأخيرة هو تتابع التهديدات المعلنة تجاه دول مختلفة تمامًا في طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة. ففي حالة إيران، اقترن الخطاب التهديدي المستمر بمحاولات استغلال المظاهرات والاحتجاجات والاضطرابات الداخلية، كمبرر لتغيير النظام واستهداف المرشد الأعلى، إلى جانب التلويح بالقيام بعمل عسكري واسع ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي حالة كندا، تجاوز الخطاب الإطار الاقتصادي المعتاد ليشمل طرحًا غير مسبوق عن إمكانية ضم كندا لتصبح «الولاية الأمريكية الحادية والخمسين». وفيما يتعلق بالدنمارك، أعاد ترامب طرح فكرة ضم إقليم غرينلاند الذي يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع سياديًا مملكة الدنمارك، إلى الولايات المتحدة عبر تصريحات علنية تضمنت ضغوطًا سياسية مباشرة، خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية المعهودة، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى الرد على هذا التهديد بتهديد مضاد بشن حرب تجارية مع الولايات المتحدة بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على دول أوروبية بسبب موقفها من قضية غرينلاند. 

لم يمرّ هذا التوجه دون اعتراض داخل الولايات المتحدة نفسها، وقوبل بانتقادات واضحة من سياسيين ومشرّعين أمريكيين رأوا فيه خروجًا عن تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية. وعبر بعضهم عن رفضهم الصريح لفكرة ضم غرينلاند، مؤكدين أن التعامل مع الحلفاء لا يجوز أن يُدار بمنطق التهديد، ووصفوا التهديد بضم كندا وتحويلها إلى «ولاية أمريكية» غير واقعية، وتضر بعلاقات استراتيجية مستقرة بين الدولتين. أما التهديدات الموجّهة إلى إيران، والمكسيك، وكولومبيا، وكوبا، ومن قبلهما نيجيريا، فقد أثارت تحذيرات داخل الكونغرس من «أخطار الانزلاق نحو تصعيد عسكري غير محسوب، ومن استخدام لغة القوة بدل الأدوات الدبلوماسية». من المهم أن نشير هنا إلى أن هذه الاعتراضات لم تصدر عن معارضة حزبية تقليدية، وجاءت أيضا من داخل أوساط محافظة وجمهورية، ما يعكس قلقًا متناميًا من توسيع خطاب التهديد ليصبح أداةً أساسية في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية. 

ليس المهم هنا عدد رسائل التهديد التي يطلقها ترامب كل يوم، أو الخوض في تفاصيل كل تهديد على حدة، بقدر ما يهم الانتباه إلى المنطق الذي يحكمها. نحن أمام خطاب واحد يُستخدم في سياقات متعددة، دون تمييز واضح بين الخصومة والتحالف، ودون مراعاة للمواثيق والأعراف التي تحكم العلاقات الدولية. 

الجديد في الأمر أن هذا الخطاب لا يُقدَّم عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة، ولا يُصاغ بلغة بيانات رسمية رصينة، ويتم طرحه علنًا عبر الوسائل والمنصات الإعلامية، وبأسلوب مباشر، ودون تمهيد مسبق. وبذلك يتحول التهديد من رسالة سياسية موجهة إلى طرف بعينه، إلى خطاب عام موجَّه إلى جمهور واسع، داخلي وخارجي في آن واحد. وهذا التحول، في اعتقادي، هو جوهر المشكلة. 

في التقاليد السياسية الأمريكية، كانت اللغة الرئاسية في السياسة الخارجية تخضع لضوابط دقيقة، باعتبار أن الكلمة المعلنة تعكس موقف الدولة وليس موقف من يقولها. أما اليوم، فقد تحرر هذا الخطاب من كثير من القيود، حيث يتداخل الخطاب الرئاسي الموجَّه للجمهور الداخلي مع الخطاب المتعلق بالعلاقات الدولية. 

في هذا السياق، يتم استخدام هذا الخطاب كأداة للضغط العلني أكثر من كونه خطوة ضمن مسار تفاوضي منظم، وتتحدد أهميته بما يحققه من حضور إعلامي وتأثير فوري في النقاش العام، وليس بمدى قابليته للتحول إلى قرار فعلي. وبهذا الشكل، تُدار الملفات السياسية عبر الخطاب الإعلامي، مع تراجع واضح لدور القنوات التفاوضية الهادئة. 

بالطبع، لا يستطيع الإعلام تجاهل تصريحات تصدر عن رئيس الولايات المتحدة، غير أن دوره لا ينبغي أن يقتصر على نقل هذه التصريحات وإعادة تداولها. فالمعالجة الإعلامية تظل ناقصة إذا اقتصرت على بحث إمكانية تنفيذ هذه التهديدات، دون ربطها بالسياقات السياسية، والجغرافية، والاتصالية التي يُنتج فيها هذا الخطاب. والأهم، من وجهة نظري، أن يركز الإعلام على معالجة تأثير هذا الأسلوب الخطابي على إدارة العلاقات الدولية، وما يمكن أن يترتب عليه من تغيرات في قواعد التواصل الدبلوماسي بين الدول. 

من المؤكد أن استمرار هذا النمط من الخطاب القائم على التهديد، سوف يغيّر تدريجيًا معايير النقاش العام في القضايا الدولية، إذ يعتاد الجمهور على لغة التهديد ويتعامل معها بوصفها جزءًا من المشهد السياسي اليومي، وهو ما ينعكس على توقعاته من السياسة والإعلام، ويؤثر في آرائه واتجاهاته. 

إن أثر خطاب «التهديد الرئاسي» الأمريكي لا يقتصر على الدول التي طالها مباشرة، وهو ما يجعلنا نطرح أسئلة حول كيفية تعامل دول أخرى، وفي مقدمتها الدول العربية، مع هذا النمط الفظ من لغة القوة والتهديد في السياسة الدولية. هذه التهديدات، على اختلاف وجهاتها، تقدم ثلاثة دروس لا ينبغي تجاهلها. 

الدرس الأول يتمثل في أن خطاب التهديد العلني يرتبط بحسابات وقتية تتعلق بأحداث العالم والضغط الإعلامي، أكثر من ارتباطه بثوابت التحالف أو الخصومة. ونتيجة لذلك، يمكن أن يمتد هذا الخطاب إلى دول وأنظمة مختلفة كانت تظن نفسها في مأمن من الغضب الأمريكي، تبعًا لتغير موازين المصالح أو أولويات الأحداث الداخلية والخارجية للولايات المتحدة. 

الدرس الثاني هو ضرورة التمييز الواضح بين الخطاب الأمريكي الرئاسي وبين السياسة الأمريكية الفعلية. يجب أن ندرك أن التهديدات التي يطلقها ترامب تُصاغ بلغة عدائية واضحة، لكن دورها يقتصر على أداء وظيفة اتصالية دون أن تكون إعلانًا عن قرارات وشيكة. وعلى هذا الأساس فإن الإعلام العربي لا يجب أن يقف عند حد نقل التصريحات أو تضخيمها، وأن يضعها في سياقها الأوسع، ويشرح أهدافها الاتصالية. 

ويرتبط بما سبق، وهذا هو الدرس الثالث، العمل على تعزيز وعي الجماهير العربية لتكون قادرة على فهم الخطاب السياسي العالمي، وذلك من خلال تقديم معالجة تفسيرية تشرح خلفيات خطابات التهديد وسياقاتها وحدود تأثيرها، وتوضح الأهداف التي تخدمها وأساليب توظيفها إعلاميًا. 

 أ. د. حسني محمد نصر أكاديمي فـي قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس