المستقبل بين نفط واشنطن وبطاريات الصين

20 يناير 2026
20 يناير 2026

ترجمة: بدر بن خميس الظفري 

لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شغف معلن للاستيلاء على الموارد الطبيعية في الخارج، وبما يمكن أن تمنحه له من نفوذ وقوة. فقد صرّح علانيّة بأن الولايات المتحدة تدخلت في فنزويلا «للاستيلاء على النفط»، مراهنا على أن المستثمرين سيضخّون ما لا يقل عن 100 مليار دولار لإحياء صناعة النفط المتداعية. رهانه الأساسي أن العالم سيواصل شراء النفط الأمريكي لعقود مقبلة، لتشغيل السيارات، والشاحنات، والسفن، والطائرات. 

في المقابل، ورغم أن الصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن رئيسها شي جين بينج يتعامل مع الموارد الخارجية بقدر أقل من الاستعراض. فقيادة البلاد تدفع بقوة نحو إحلال الكهرباء محل النفط، وتسريع التحول إلى الطاقة الكهربائية. 

شركات التكنولوجيا الصينية تمهّد الطريق لعالم تُدار فيه الحركة بمحركات كهربائية بدل المحركات الشرهة للوقود. إنها مقاربة تنتمي بوضوح إلى القرن الحادي والعشرين، لا تهدف فقط إلى حل مشكلات الطاقة داخل الصين، بل أيضا إلى بيع البطاريات والمنتجات الكهربائية لبقية العالم. كندا هي أحدث زبائن السيارات الكهربائية الصينية، وفي خطوة تحمل دلالة سياسية، خفّض رئيس وزرائها مارك كارني الرسوم الجمركية على هذه السيارات ضمن اتفاق تجاري جديد، فيما بدا رسالة اعتراض واضحة على سياسات ترامب. 

وبينما لا يزال الأمريكيون مترددين في تبنّي السيارات الكهربائية، تعلّم المستهلك الصيني التكيّف معها سريعا. ففي عام 2025، شكّلت السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن 54 في المائة من إجمالي السيارات الجديدة المباعة في الصين. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل استهلاك الصين من النفط مرشحا لبلوغ ذروته بحلول عام 2027، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، وهي هيئة دولية تُعنى بتحليل أسواق الطاقة العالمية. 

كما أن شركات السيارات الكهربائية الصينية تحقّق أرقاما قياسية لافتة، سواء من حيث المبيعات، كما في حالة شركة «بي واي دي» التي تفوقت على «تسلا» للمرة الأولى في عدد السيارات الكهربائية المباعة العام الماضي، أو من حيث الأداء والسرعة، كما في سيارات «شاومي» التي سجّلت أرقاما قياسية في حلبات سباق عالمية مثل «نوربورغرينغ» في ألمانيا. 

هذه المركبات لا تعمل بالنفط، بل بالكهرباء المنتَجة محليا في الصين، والتي تأتي من مصادر متعددة تشمل الفحم والطاقة النووية والطاقة الكهرومائية، إضافة إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. 

في عام 2000، كانت الصين تنتج ثلث كمية الكهرباء التي تنتجها الولايات المتحدة. أما بحلول عام 2024، فقد أصبحت تنتج ما يقارب ضعفي ونصف الإنتاج الأمريكي. وقد وُجّه جزء كبير من الاستثمارات الصينية في مجال الطاقة إلى بناء محطات تعمل بالفحم، الذي تملكه البلاد بكثرة، لكنها في الوقت نفسه سارعت، خلال العقد الأخير، إلى توسيع إنتاج الطاقة النظيفة، ولا سيما طاقتي الرياح والشمس. 

اليوم، تنتج الصين كهرباء سنويا تفوق ما تنتجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين. كما تعمل على بناء نحو 40 مفاعلا نوويا جديدا، مقابل صفر في الولايات المتحدة. وفي العام الماضي، أعلنت بكين مشروع بناء سدّ كهرومائي جديد في التبت، يُتوقع أن تبلغ قدرته ثلاثة أضعاف قدرة سدّ «الممرات الثلاثة»، وهو حاليا أكبر محطة توليد كهرباء في العالم. 

لكن الصين لا تكتفي بإنتاج كميات هائلة من الطاقة، بل إن شركاتها تعيد تشكيل الأسس التكنولوجية لعالم كهربائي جديد. 

على مدى عقود، حاولت الصين بناء شركات سيارات قادرة على المنافسة عالميا، دون نجاح يُذكر، إلى أن ظهرت السيارات الكهربائية. هذا التحول أتاح للمصنّعين الصينيين التوقف عن محاولة التفوق على الألمان في محركات الاحتراق، والتركيز بدلا من ذلك على مجال تتفوّق فيه الصين أصلا وهو الإلكترونيات. فإذا كانت السيارة الكهربائية أشبه بـ«هاتف ذكي على عجلات»، فمن المنطقي أن تتفوّق الدولة التي تصنع معظم إلكترونيات العالم في إنتاج هذه السيارات أيضا، وهو ما يفسّر أن الصين باتت تصنع قرابة نصف السيارات الكهربائية عالميا. 

وكان لا بدّ لعدد من التقنيات أن تنضج قبل أن يصبح هذا التحول ممكنا. فبطارية الليثيوم-أيون، التي تُعدّ العمود الفقري للسيارات الكهربائية، اخترعها علماء أمريكيون ويابانيون، قبل أن تستحوذ الشركات الصينية على معظم هذا القطاع خلال العقد الثاني من الألفية. كما كانت الولايات المتحدة تهيمن سابقا على إنتاج مغناطيسات العناصر النادرة، وهي مكوّن أساسي في المحركات الكهربائية، غير أن الصين اليوم تنتج أكثر من 90 في المائة منها. وإلى جانب البطاريات والمغناطيسات، يشير الكاتب الاقتصادي نوح سميث إلى أن إلكترونيات الطاقة والشرائح المدمجة تُعد من المحركات الأساسية للعصر الكهربائي الجديد. 

ولا يقتصر التحول الكهربائي على السيارات وحدها، بل يشمل الدراجات والحافلات وحتى بعض القوارب. كما يجري تحويل قطاعات من الصناعة الثقيلة وأنظمة التدفئة والتبريد في المباني إلى الكهرباء. وحتى أدوات المنازل المزعجة والمستهلكة للوقود، مثل جزازات العشب ومنفاخات الأوراق، بدأت تُستبدل تدريجيا بنظيرات كهربائية أقل ضجيجا وأكثر لطفا على البيئة. 

قد تبقى بعض القطاعات خارج هذا التحول، مثل الطيران طويل المدى أو سفن الحاويات العملاقة، وإن كانت هناك بدائل أنظف قيد التطوير. لكن فرص كهربة معظم الأنشطة الأخرى ستتسع خلال العقد المقبل، والصين تتصدر هذا المسار. 

مدينة شينزن الجنوبية، التي تنتج منتجات شركة «آبل» منذ عقدين، توظّف خبرتها في الإلكترونيات، إلى جانب البطاريات والمغناطيسات والشرائح المتقدمة، لإعادة تشكيل قطاعات كاملة من النقل والصناعة والأدوات المنزلية، وفق نموذج «الهاتف الذكي». ومع انتقال العالم من محركات الاحتراق إلى البطاريات، سيتحوّل النظر من الدول المنتجة للنفط إلى مصانع شينزن. 

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة متأخرة كثيرا في هذا السباق. صحيح أن إيلون ماسك أسهم أكثر من أي شخص آخر في رفع مكانة السيارات الكهربائية ودفع الابتكار فيها، لكن القاعدة الصناعية الأمريكية الأوسع فقدت إلى حد كبير قدراتها في تصنيع البطاريات والمغناطيسات النادرة، جزئيا نتيجة قرارات متعمدة بنقل هذه الصناعات إلى الصين. كما أن الشركات الأمريكية العاملة في مجالات مثل الطائرات المسيّرة وغيرها من منتجات العصر الكهربائي الجديد، تتخلف عن نظيراتها الصينية. 

يتطلب التحول الكهربائي انخراطا فعليا في عالم بناء محطات الطاقة والتصنيع على نطاق واسع، وهي مجالات تتفوّق فيها الصين، في حين فضّلت شركات وادي السيليكون التركيز على الأعمال الرقمية العالية الربحية. وقد أطلق عدد من التقنيين، مثل سام دأميكو، الذي يعمل على تطوير مواقد كهربائية متقدمة، والمستثمر رايان ماكنتوش، تحذيرات صريحة من مدى التقدّم الصيني الشامل. 

كان بإمكان الولايات المتحدة المنافسة في مجال الطائرات المسيّرة والسيارات الكهربائية، لو توفرت لها طاقة كهربائية كافية وقاعدة صناعية متينة. لكنها تُدار اليوم برئيس يراهن على الوقود الأحفوري، ويُبدي عداء شخصيا لطاقة الرياح، واصفا إياها بـ«أكبر عملية احتيال في القرن». إدارته تعرقل مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، وتفضّل الفحم والغاز، ما يجعل التحول الكهربائي أكثر صعوبة. والأسوأ أن منتجا حيويا مثل البطاريات بات ضحية سياسات أمنية، بعدما استهدفت مداهمة مثيرة للجدل شركة كورية كانت تبني مصنع بطاريات في ولاية جورجيا. وفي الوقت نفسه، كبّلت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب قطاع التصنيع الأمريكي، الذي خسر نحو 70 ألف وظيفة منذ أبريل الماضي. 

على الولايات المتحدة أن تُسرع الخطى، وإلا ستخسر السباق أمام عصر كهربائي تقوده بكين. وإلا، فستجد نفسها عالقة بمنتجات متقادمة في الداخل، بينما تسيطر الصين على الأسواق العالمية بتكنولوجيا أفضل. 

 دان وانغ باحث في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، ومؤلف كتاب «الاندفاع الصيني لهندسة المستقبل». 

 خدمة نيويورك تايمز