البنفسجي والأبيض تكاملية اقتصادية مستدامة

26 يوليو 2026
26 يوليو 2026

كلما أعجبت بمشروع تنموي رائد محليا أو حتى عالميا ربطته بإمكانية استفادة كبار السن منه، ولعل هذا الربط ناشئ من فكرة الارتباط العاطفي بكبار السن في عائلاتنا العربية الممتدة، فإن كنت في فضاء مفتوح تساءلت عن محطات الراحة المؤقتة والخدمات الأساسية، وإن كنت في فضاء مغلق استغرقت في مدى مواءمته لكبار السن وغيرهم من الفئات الخاصة، وكثيرا ما أسلمني هذا الاستغراق لدوائر الاقتصاد اللونية، حول أي هذه الدوائر يمكنه استيعاب تكاملية الجدوى الاقتصادية ورفاه الحياة المرتبطة يقينا بالمجالين الصحي والاقتصادي معا. 

شهد الفكر الاقتصادي خلال العقود الأخيرة ظهور««اقتصاد الألوان Colour Economies» توصيفا رمزيا يستخدم الألوان للتعبير عن توجهات اقتصادية مختلفة أو قطاعات تنموية محددة تمثل أطرًا مفاهيمية تسهم في فهم أولويات التنمية المعاصرة والتحولات العالمية في الاقتصاد، هذه المفاهيم المرتبطة باللون ظهرت حديثا استجابةً لجملة من التحديات العالمية كالتغير المناخي، التحول الرقمي، استدامة الموارد الطبيعية، الاقتصاد الإبداعي والثقافي، الشيخوخة السكانية، والاقتصاد غير الرسمي، وبدلًا من الاقتصار على تصنيفات الاقتصاد التقليدية (رأسمالي، اشتراكي، مختلط) أصبح اللون يشير إلى البعد أو القطاع الذي يقود النمو الاقتصادي، بداية من الاقتصاد الأبيض المرتبط بقطاع الصحة والرعاية، مرورا بالأزرق مرتكزا على الاستخدام المستدام للموارد البحرية والمائية، الأخضر قائما على الموازنة بين النمو الاقتصادي السريع ومتطلبات الحماية البيئية، والبنفسجي لدمج الثقافة والقيم والهوية مع البرتقالي؛ اقتصاد الإبداع القائم على تحويل الأفكار والمواهب والمنتجات الثقافية إلى قيمة اقتصادية، وحتى الرمادي ممثلا الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية التي لا تُسجل بالكامل في الاقتصاد الرسمي كالمشاريع المنزلية ونشاط الباعة المتجولين وغيرها، وانتهاء بالاقتصاد الأسود غطاء للأنشطة الاقتصادية غير المشروعة المتضمنة مخالفة القوانين كغسيل الأموال والتهريب والتهرب الضريبي. 

ومن كل ما ورد من اقتصادات ملونة لقطاعات مختلفة تروم هذه المقالة تناول الاقتصادين الأبيض والبنفسجي بالتأمل في إمكانية وجدوى ارتباطهما معا تحقيقا للرفاه الثقافي والتكامل الاجتماعي، ولمّا كانت إحصائيات منظمة الصحة العالمية تشير إلى النمو المتسارع في أعداد كبار السن والفئات المحتاجة إلى الرعاية الصحية والاجتماعية إذ يتوقع تجاوز عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا ملياري شخص بحلول عام 2050، فإن الاقتصاد الأبيض يبرز بوصفه أحد أسرع القطاعات نموًا عالميًا، لما يوفره من خدمات الرعاية والصحة وجودة الحياة، مما يجعل مشاريع الرفاه الثقافي والاجتماعي ضرورة ملحة تهدف إلى توظيف التراث والثقافة كأدوات داعمة للصحة النفسية والاجتماعية، بما يسهم في خدمة كبار السن والفئات المستحقة للرعاية، محققا التكامل المؤمل بين الاقتصاد الأبيض والاقتصاد البنفسجي في إطار تنموي مستدام، وليست هذه الفكرة بدعا لمّا يُختبر بعد فمدينة بلباو بإسبانيا تحولت من مدينة صناعية إلى مدينة للرفاه الثقافي بعد تراجع الصناعة الثقيلة بها حيث استثمرت بلباو في الثقافة والفنون والتراث الحضري ليصبح متحف «غوغنهايم» رمزًا للتحول الحضري، ولم يقتصر الأثر على السياحة، بل ارتبط بتحسين البيئة الحضرية والمساحات العامة وجودة الحياة والصحة النفسية للسكان في تداخل رائع للاقتصاد الثقافي مع أهداف الرفاه المجتمعي، هنالك كذلك «الوصفات الاجتماعية» في بريطانيا (Social Prescribing) حيث يحال المرضى بوصفات علاجية إلى المتاحف والحدائق التاريخية والحفلات الموسيقية، أو Mass Cultural Council التي قامت بتمويل وتطوير برامج أمريكا «Arts on Prescription» (الفنون بوصفة طبية) التي يُحال الأفراد فيها من المؤسسات الصحية إلى برامج فنية وثقافية تدعم الرفاه والصحة النفسية، وغيرها من مشاريع مماثلة في كل من اليابان (الاقتصاد الفضي المرتبط بخدمة ودمج كبار السن مجتمعيا) أو القرى التاريخية الصحية في إيطاليا، أو نموذج مونتريال – كندا حيث أقام متحف مونتريال للفنون الجميلة شراكة مع الأطباء ليصبح بإمكان الطبيب منح المريض دخولًا مجانيًا للمتحف كجزء من خطة الدعم النفسي والاجتماعي مبادرة ممولة مشاركة بين القطاع الصحي والمؤسسة الثقافية، ومع كل ما تملك سلطنة عمان من معطيات ثقافية وتكامل مجتمعي فإن الموازنة في استثمار الاقتصادين الأبيض والبنفسجي لن تكون مستحيلا بعيد المنال، بل ممكنا متاحا محفزا فضاءات إبداعية كثيرة لتحقيقه عبر مبادرات ومشاريع مستدامة يتم خلالها تفعيل مستهدفات «رؤية عُمان 2040» لأن هذا النوع من الاقتصاد ينهض بتحقيق ثلاثة أهداف في مشروع واحد ؛ حفظ الهوية، وتحسين جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد المحلي. 

ختاما: نملك من أسباب الاقتصاد اللوني ما يؤهلنا لنكون في مقدمة الدول رعاية للإنسان وتهيئة للمكان، كما نملك من موارد طبيعية وبشرية ما يمنحنا الحق في صنع غد لا تُقصى معه أي فئة ولا يُهمَّش فيه أي طرف، ينبغي مع كل مشروع التفكير في مدى مواءمته ليكون صديقا للجميع، ولن يثقل خطط الحكومة مستقبلا وضع كل ألوان الاقتصاد في الاعتبار آمالا ممكنة أو محاذير مؤكدة، الرهان على الرفاه الثقافي والتكامل المجتمعي بين لوني الاقتصاد البنفسجي والأبيض ليس خيارا تكميليا للمجتمعات المتحضرة، بل ضرورة استراتيجية تكاملية ترقى بها المجتمعات وتستقر معها الحياة.   

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية