من دفتر الحرب

08 مارس 2026
08 مارس 2026

آسفةً أكتبُ مُجددا عن حربٍ لمّا تضع أوزارها بعد، ولا يمكنُ معرفة أجَلٍ مُسمّى لانتهائها حتى مع تعدد البيانات والتصريحات الرسمية من كل الأطراف، لا سيما مع اختلاط المُعلن بالواقعي، والمقال بالمقصود.

ولعل أشد ما يخشاه الجميع بقاءَ «سؤال أمد الحرب» مُعلّقا دون جواب، حتى من أولئك الذين أوقدوا جذوتها متحمسين؛ ظنا منهم أنها مسألة ساعات أو أيام داخل لعبة رقمية مع ترسانة أسلحة إلكترونية يعودون بعدها لاقتسام الغنائم!

لمّا تضع الحرب أوزارها بعد ولا يُعرف لتلك الأوزار توصيف شامل، إلا أن وزرها اليقيني واقع لا محالة على أبرياء لم يختر أحدُهم الحرب خيارا، ولا الموت سبيلا لوصول المتنفذين إلى مطامعهم في السلطة والوصول أو حتى في الانتقام.

ما زالت شعوب الخليج والشعوب العربية والعالم تعيش قلق احتمال طول أمد المواجهة العسكرية بين أطراف الصراع بعد مضي الأسبوع الأول منذ الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران وتبادل إطلاق الصواريخ بين المتحاربين، على فضاء الخليج العربي الذي يعيش خلال أيام الحرب حالات من القلق والترقب، التوقع والخذلان، الأمل والرجاء، بين تهامس الأصحاب بـ «يداك أوكتا وفوك نفخ» واستحضار الندم في «ما حكّ جلدك مثل ظفرك»، بين الشماتة من الثقة والتعاون الدائم مع الولايات المتحدة الأمريكية واعتقاد سعيها لحماية مصالحهم، ثم خذلان الحلفاء أوان الحاجة؛ فالحليف التاريخي المتعهد بالحماية عبر قواعده الموضوعة أصلا لذلك بات عبئا ثقيلا تنوء المنطقة بحمله، بل وتتكفل بحمايته وحماية أراضيها منه، فأي حليف هذا؟ وأي حماية تلك؟!

وضمن سياق الحلفاء وأمد الحرب فإنه أمد يطول إذا ما دخل الحلفاء الذين استقبلهم الرئيس ترامب بالهجوم غضبا من تأخرهم عن الاستجابة السريعة لنداء الحرب خصوصا بريطانيا، إذ صرّح عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى حاملتي الطائرات البريطانيتين في الشرق الأوسط، بعد رفض ستارمر السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية في الضربات الأولية على إيران، قال ترامب: «المملكة المتحدة، حليفنا العظيم سابقا، وربما أعظمهم جميعا، تُفكّر جديا أخيرا في إرسال حاملتي طائرات إلى الشرق الأوسط، لا بأس يا رئيس الوزراء ستارمر، لسنا بحاجة إليهما بعد الآن - لكننا لن ننسى، لسنا بحاجة إلى من ينضم إلى الحروب بعد أن نكون قد انتصرنا بالفعل!»

كل ذلك مع تأهب عسكري (وفقا لـ بي بي سي) وضع حاملة الطائرات البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» في حالة تأهب قصوى. وكان ترامب قد تجاهل أسئلة حول دعم الحلفاء قائلا: «بإمكانهم فعل ما يشاؤون، أما الموالون فهم موجودون بالفعل» فما هو النصر المتحقق عند ترامب ليستغني عن دعم الحلفاء، ومن هم الموالون إن لم يكونوا هم الحلفاء؟! هل يقصد مددا أتاه من دول المنطقة أغناه عن حلفائه؟!

بين كل الحلفاء يظهر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مؤكدا رفض بلاده المشاركة في الحرب، رافضا «التواطؤ» في استخدام القواعد العسكرية الأمريكية على الأراضي الإسبانية لشنّ هجمات على إيران، مضيفا «لا يمكن الرد على مخالفة بأخرى، فهكذا تبدأ الكوارث الكبرى للبشرية.. ولا يمكن التلاعب بمصائر الملايين» مؤكدا أن الحوار والدبلوماسية هما الطريق الأمثل لحل النزاعات، وأن السياسة الاقتصادية لإسبانيا لن تتغير تحت التهديدات الخارجية، بما في ذلك تهديدات قطع العلاقات التجارية.

كما يظهر الرئيس الفرنسي في رده على طفلة فرنسية أرسلت له مطالبة بوقف الحرب موضحا موقف فرنسا بوقوفها إلى جانب قطر والإمارات والكويت والأردن في مواجهة الصواريخ الإيرانية، إلى جانب دعم لبنان ووحدة سيادته وأراضيه، ولا أدري كيف يمكن لهذه المعادلة أن تستقيم حين تكون لبنان في مرمى الصواريخ الإسرائيلية الأمريكية، ودول الخليج في مرمى الصواريخ الإيرانية مع تأكيده «فرنسا لا تخوض حربا»، لا ننسى باقي الحلفاء في أوروبا الذين صرح ترامب بأنهم دفعوا حصتهم في المشاركة بالحرب باستثناء إسبانيا التي يهددها بقطع العلاقات، لكن إيران كذلك لها حلفاء في الصين وروسيا وغيرها من دول العالم ممن لن تكون مشاركتهم عابرة إذا حمي الوطيس.

ختاما: نعيش وشعوب المنطقة على أمل بعث المفاوضات السلمية مجددا ووقف المواجهة العسكرية المستنزفة أرواحا وموارد وكثيرا مما لا يمكن توصيفه أو تلخيصه، بين مخاوف نقص الغذاء في إيران وشح المياه في الخليج، ولعلّ من الخير تذكير الجميع بأن الحرب ليست لعبة نتداولها بيننا شعوب شرقية أنهكتها الصراعات، واستنزفتها الأطماع، وهي ليست مادة للسخرية أو الشماتة ليتمناها السابق للاحق ظنا بأنه غير جدير بالأمان، ولا مستحق للطمأنينة، لا بد من يقين بنظرية الجسد الواحد، حيث يقوى بعضنا ببعض، وحيث نتكامل معا مهما تغيرت الظروف وتكالبت الأطماع وتعاظمت التحديات، ولعلّ حربَ اليوم مسرح لتجربةٍ نتعلم منها الكثير من دروس المرحلة، وأفضل ما نختم به هذه المقالة العبارة الإسبانية التي ختم بها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطابه قبل أيام: «نو آ لا غيرا» (No a la guerra)، أي «لا للحرب» بالإسبانية، شعارا تاريخيا يرفعه اليسار الإسباني في مواجهة الحروب الدولية.

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية